آخر الأخبار

أبو الليبرالية ضدَ طغيان الأغلبية: لا يزال تحذير "جون ستيوارت ميل" يتردد صداه اليوم

2018-8-10 | أبو الليبرالية ضدَ طغيان الأغلبية: لا يزال تحذير

تقرير خاص - (الإيكونوميست)

ترجمة: صحيفة "الغد" الأردنية

عندما كان عمره ست سنوات، كتب جون ستيوارت ميل تأريخاً لروما. وبعمر 11 عاماً، كان يلتهم تراث أفلاطون باليونانية. وقال والده، جيمس، لصديق عندما كان الصبي في الثامنة: "يبدو هذا أشبه بالمفاخرة. لكن جون أصبح الآن بارعاً في كتب إقليدس الستة الأولى في الجبر".

ثم أسفر التعليم المبكر الذي بدأ عند ولادة ميل الصغير في العام 1806 عن نتيجته المنشودة: معجزة، مع إيمان عميق بسلطة العقل. وأصبح ميل الداعية الرئيسي للفلسفة الليبرالية، وصياغة الأفكار حول الاقتصاد والديمقراطية، والتي شكلت مناظرات القرن التاسع عشر. وما تزال أصداء تأملاته في الحقوق الفردية وحكم الرعاع تتردد حتى وقتنا الراهن، وخصوصاً اليوم.

نشأ ميل في وقت الثورة. كانت الديمقراطية في مسير تقدُّمي. وقد تحررت أميركا من بريطانيا؛ وأطاحت فرنسا بنظامها الملكي. وفي العام 1822، أقرت بريطانيا أول قانون للإصلاح، والذي وسع الامتيازات إلى الطبقات الوسطى. وكانت الثورة الصناعية جارية على قدم وساق. والنظام الاجتماعي القديم، الذي تُحدد فيه الولادة المركز الاجتماعي، كان يتحلل. ولم يكن أحد على يقين مما ينبغي أن يحل محله.

ينظر الكثيرون اليوم إلى "ميل" على أنه كان تجسيداً للرأسمالية التي لا ترحم في عصره. وقد أشار المؤرخ الأميركي، هنري آدمز، إلى "ميل" على أنه "جلالة ملك التجارة الحرة الشيطانية". وفي الصور القليلة الباقية له، يبدو بارداً ومجرداً من الشعور بشكل ما.

لكنه لم يكن كذلك. صحيح أن "ميل" كان في السنوات المبكرة من حياته نفعياً حتى النخاع. كان معلمه هو جيريمي بنتام، الذي قال إن المبدأ المطلق وراء كل نشاط اجتماعي ينبغي أن يكون "تحقيق أقصى قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس". وكانت الغاية من الاقتصاد السياسي، كما كان الاقتصاد يُعرَف في ذلك الحين، هي تعظيم المنفعة. ومثل غراندغريند في رواية تشارلز ديكنز "أوقات عصيبة"، تبع ميل في البداية بنتام في النظر إلى البشر على أنهم مجرد آلات حاسبة.

لكنّ ذلك كان ميل الشاب فحسب. وفي سيرته الذاتية الرائعة التي نُشرت بعد وفاته في العام 1873، أكد أنه نشأ "مع غياب الحب وفي حضور الخوف". وكانت النتيجة انهياراً واجهه في عشرينياته من العمر. ثم أصبح يؤمن في وقت لاحق بأن هناك في الحياة أكثر من مجرد المصطلح البنتامي "حساب التفاضل والتكامل -حساب المتعة والألم.

تحول إلى شعر وليام ووردزورث وصموئيل تيلور كوليردج، والذي علّمه عن الجمال، والشرف والولاء. وأخذه حسه الجمالي الجديد بعيداً عن الإصلاحية المتشددة، وقاده بلطف نحو الاتجاهات المحافظة؛ فإذا كانت المجتمعات في الماضي قد أنتجت مثل هذا الفنّ الجيد، فلا بد أن لديها شيئاً تعرضه في عصره أيضاً.

لم يرفض "ميل" النفعية بالكامل كما فعل معاصره، توماس كارلايل، الذي قال إن الخنازير فقط هي التي ترى البحث عن المتعة باعتباره الأساس للأخلاق جميعاً. وبدلاً من ذلك، عمد "ميل" إلى تحديد النفعية. وعلى النقيض من بنتام، الذي اعتقد بأن لعبة "الدبوس"، التي تُلعب على لوح "متساوية في القيمة مع... الشِّعر"، اعتقد "ميل" بأن بعض أنواع المتعة هي أعلى من أخريات. وأنكر أن يعني اعتقاده بهذه الفروق أنه لم يعد نفعياً على الإطلاق. وما قد يبدو في بادئ الأمر فعلاً فاضلاً بالمطلق لا ينطوي على متعة مباشرة -أن تفي بوعدك، مثلاً- ربما يكون في النهاية شأناً أساسياً للرفاهية.

كشف هذا التنقيح للنفعية عن براغماتية، هي واحدة من العلامات الفارقة في فكر ميل. وكان من الصعب التقاط موقفه الدقيق حول العديد من القضايا، أو حتى معرفة ما يعتقد به بالضبط. ولعل جزءاً مما يجعله مفكراً عظيماً هو أنه كان يقوم بتأهيل حججه الخاصة. وقد تغيرت وجهات نظره في خلال حياته، لكنه رفض المطْلقات في الأغلب، واعترف بفوضى العالم وتعقيده. ويكتب الفيلسوف جون غراي أن ميل كان "مفكراً انتقائياً وانتقالياً، والذي لا يمكن أن يُتوقع من كتاباته أن تشكل مذهباً متماسكاً".

مع ذلك، مثل كل الليبراليين، آمن "ميل" فوق كل شيء بسلطة التفكير الفردي. ويقول في عمله الأول الكبير "نظام للمنطق" أن أكبر نقاط ضعف البشرية هو ميلها إلى خداع نفسها بالقناعات غير المُستنطقة. وقد نبذ الأفكار البالية، والمعتقدات التقليدية، والحكمة المتلقّاة: أي شيء يوقف الناس عن التفكير بأنفسهم.

بدلاً من ذلك، أراد تعريض هذه الأفكار والمعتقدات إلى أوسع نطاق ممكن من الآراء، وأن لا تمر أي فكرة أو ممارسة من دون استنطاق. واعتبر أن ذلك هو الطريق إلى السعادة الحقيقية والتقدم على حد سواء. ولحماية حرية التعبير، صاغ "مبدأ الأذى". وكتب في كتابه الأشهر، "عن الحرية"، أن "الغرض الوحيد الذي يُمكن أن تُمارس السلطة من أجله، عن حق، على أي عضو في مجتمع متحضر، ضد إرادته، هو منع الأذى عن الآخرين".

كما توضح السيرة الذاتية لريتشارد ريف، فإن "ميل" اعتقد بأن العصر الصناعي والديمقراطي القادم يمكن أن يعزز الازدهار البشري ببعض الطرق، وإنما يمكن أن يعرقله بطرق أخرى. ولنأخذ التجارة الحرة، التي كان متحمساً لها (على الرغم من عمله لوقت طويل مع "شركة الهند الشرقية"، ربما أكبر شركة احتكارية في العالم كله على الإطلاق). وقد اعتقد بأن التجارة الحرة تزيد الإنتاجية. وكتب في "مبادئ الاقتصاد السياسي"، أن "أي شيء يتسبب في كمية أكبر من إنتاج أي شيء في المكان نفسه، يميل إلى الزيادة العامة للقوى المنتجة في العالم". وقد انتقد "قوانين الذُّرة"، والتعريفات التي أفادت إلى حد كبير مالكي الأراضي الزراعية.

مع ذلك، كان "ميل" مأخوذاً أكثر بالحجة الفلسفية لمصلحة التجارة الحرة. وكتب: "ثمة بالكاد مبالغة -في الحالة الراهنة المتدنية للتحسُّن البشري- في تقدير قيمة جعل الناس على اتصال مع أشخاص لا يشبهونهم، ومع أمزجة فكر وعمل لا تشبه تلك التي يألفونها". وينطبق هذا على الجميع: "ليست هناك أمة لا تحتاج إلى الاستعارة من الأخريات". وقد مارس ما بشر به، حيث أمضى الكثير من الوقت في فرنسا، ورأى نفسه نوعاً من المحاور بين العاطفة الثورية للسياسة الفرنسية وبين النزعات التدريجية البريطانية المحافظة في إنجلترا.

بينما تنتشر الديمقراطية، كما تنبأ، سوف تتصادم الأفكار. وقد أيد "قانون الإصلاح" للعام 1832، والذي قام –بالإضافة إلى توسيع مظلة الامتيازات- بتفكيك "التقيسمات الإدارية الفاسدة للأقاليم"، وفي العادة، كان يسيطر على الدوائر الانتخابية ذات العدد الصغير من الناخبين شخص واحد. وامتدح تحرك فرنسا في العام 1848 نحو إقرار حق الاقتراع العام للذكور. فسوف يعني ذلك أن تكون وجهات نظر كل ناخب ممثَّلة -وسيكون هناك سبب لإبقائهم مطَّلعين. وكانت المشاركة في صنع القرار الجماعي بالنسبة لميل جزءاً من الحياة الخيِّرة.

للسبب نفسه، كان "ميل" مؤيداً مبكراً لتصويت النساء. وكتب في "أفكار حول الحكومة التمثيلية": "أنا أعتبر (الجنس) شيئاً غير ذي صلة مطلقاً عندما يتعلق الأمر بالحقوق السياسية، كما هو حال الفرق في الطول أو اللون أو الشعر". وبعد أن أصبح عضواً في البرلمان في العام 1865، قدم عريضةً تدعو إلى حق المرأة في التصويت.

اعتقد "ميل" أن المجتمع يتقدم، لكنه توقع التهديدات أيضاً. كانت للرأسمالية عيوبها، وكان للديمقراطية ميل منذِر إلى تقويض نفسها.

خذ الرأسمالية أولاً. في الفترة من العام 1800 إلى 1850، كان معدل النمو السنوي للأجور الحقيقية في بريطانيا مثيراً للشفقة، بنحو 0.5 % فقط. وكان متوسط ساعات العمل في الأسبوع نحو 60 ساعة. وفي بعض الأحيان، انخفض معدل العمر المتوقع في بعض المدن إلى أقل من 30 عاماً. وقد أيد ميل النقابات والتشريعات لتحسين ظروف العمل.

مع ذلك، أعرب ميل عن قلقه من أن الرأسمالية يمكن أن تلحق ضرراً روحياً سيكون من الصعب إصلاحه. ويمكن أن يؤدي الضغط من أجل مراكمة الثروة إلى قبول سلبي بالعالم كما هو عليه –ما يسميه أتباع ميل "طغيان الامتثال".

أحب ميل فكرة بلد متأسس على الحرية، لكنه خشي أن تكون أميركا قد وقعت في هذا الفخ بالذات. فقد عرَض الأميركيون "لامبالاة عامة تجاه تلك الأنواع من المعرفة والثقافة العقلية التي لا يمكن تحويلها مباشرة إلى جنيهات، وشلنات وبنسات". وفي أعقاب تحذيرات ألكسيس دي توكفيل، رأى ميل أميركا كبلد توجد فيه حرية أصيلة أقل للفكر من أي بلد آخر. وإلا، كيف استطاعت أن تعيش مع هذا التناقض الكبير في قلبها: إعلان الحرية للجميع، الذي يتعايش مع مؤسسة العبودية؟

هددت الديمقراطية بحد ذاتها التبادل الحر للأفكار بطريقة مختلفة. واعتقد "ميل" بأنه من الصواب أن يتم تحرير الناس العاديين. ولكن، بمجرد أن يصبحوا أحراراً في اتخاذ قراراتهم الخاصة، فإنهم سيكون عرضة لسيطرة أشكال التحيز أو النداءات الضيقة للمصلحة الذاتية؛ وهكذا: أعطِ الطبقات العاملة صوتاً في الاقتراعات، وسوف تنجم الفوضى.

قد يؤدي هذا بدوره إلى تعطيل التطور الفكري للمجتمع؛ حيث تؤدي وجهات نظر الأغلبية إلى خنق الإبداع والفكر الفرديين. وربما يتجنب "الرأي العام" أولئك الذين يتحدون الحكمة المتلقّاة -المفكرون الأحرار، والمختلفون مع الفكر السائد، وأشباه ميل نفسه. ويمكن أن تنخفض قيمة الخبرة لأن "إرادة الشعب" ستكون هي السائدة.

وستكون النتيجة مخيفة. ففيما ينطوي على مفارقة، يمكن أن ينتهي المطاف بالحرية الفردية وقد أصبحت أكثر تقييداً في ظل الديمقراطية الجماهيرية مما كانت عليه في ظل السيادة الاستبدادية في الأيام الخوالي. ومن هنا كانت إشارة ميل الشهيرة إلى هذا الوضع باعتباره "استبداد الأغلبية". لكنه كان قلقاً إزاء رأي الطبقة الوسطى "المحترم" بنفس مقدار قلقه من  جهل الطبقة العاملة.

فكَّر "ميل" في كيفية مجابهة النزعات الاستبدادية المتأصلة في الليبرالية الاقتصادية والسياسية. واعتقد أن للخبراء دورا حاسما في ذلك. ويتطلب إحراز التقدم أناساً لديهم الوقت والميل للدراسة الجادة، من رجال دين وعلمانيين، من نوع ما، مما تسمى "الطبقة المتعلمة". وكان للطبقة المتعلمة تبرير نفعي: سوف يقوم أعضاؤها بوضع "قواعد ستزيد رفاه الإنسان إلى الحد الأقصى إذا ما اتبعها الجميع"، بعبارات المنظر السياسي، ألان رايان.

كان أحد الحلول هو منح الناخبين المتعلمين سلطة أكبر. وحسب هذا التوزيع، فإن الناس الذين لا يقرأون أو يكتبون لن يحصلوا على حق التصويت. (واعتقد "ميل" أيضاً بأن مواطنين معينين في مستعمرات بريطانيا، بمن فيهم الهنود، ليسوا قادرين على حكم أنفسهم). وربما يحصل خريجو الجامعات على ستة أصوات، بينما يحصل العمال غير المهرة على صوت واحد. وكان الهدف هو إعطاء أولئك الذين يفكرون بعمق في العالم قدراً أكبر من القول. وسوف يتم تذكير أعضاء الطبقة الأدنى بأنهم يحتاجون إلى الإرشاد السياسي والأخلاقي، ولو أن المزيد منهم سينضمون بمرور الوقت إلى صفوف المتعلمين.

مع أن هذا النهج يبدو متغطرساً، أو أسوأ، فقد كان "ميل" متنوراً بالنسبة لزمنه. وفي الحقيقة، كان سيوافق على الكثير من التغييرات الاجتماعية الجارية في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك توسيع الامتيازات لتكون عالمية وحقوق النساء.

وكان الكثير مما يحدث الآن سيثير قلقه أيضاً. ولنأخذ "بريكسيت". سواء كان ميل سيؤيد الخروج البريطاني أم لا، فإنه كان سيمقت الاستفتاء: لماذا تدع الأشخاص العاديين يقررون مسألة لديهم القليل من المعرفة بها؟ وكان سيشاهد صعود الرئيس دونالد ترامب، الذي كان ليمقت مناهضته للفكر، ويقول: "لقد قلتُ لكم". وربما كان ليتفاجأ بأن تكون أميركا قد استغرقت وقتاً طويلاً حتى تنتخب ديماغوجياً.

كان المناخ الفكري السائد الآن على كلا جانبي الأطلسي ليصيبه بالكآبة والإحباط. وكان ميل قد كتب في "عن الحرية": "إن الشر الهائل المتمثل في إسكات التعبير عن الرأي هو سرقة للبشر. إذا كان الرأي صائباً، فإنهم سيكونون محرومين من فرصة استبدال الخطأ بالحقيقة: وإذا كان خاطئاً، فإنهم يخسرون شيئاً هو فائدة كبيرة بالمقدار نفسه أيضاً، الإدراك الأوضح والانطباع الأكثر حيوية للحقيقة، والناجم عن تصادمها مع الخطأ". وما كان "ميل" ليُعجَب بحرمان الرأي المختلف من منصات التعبير.

يحتمل كثيراً أنه كان ليقول إن الفكر الليبرالي خضع، قبل العام 2016، لطغيان الامتثال. وحتى وقت قريب، كان هناك القليل من الحديث في المجتمع الليبرالي عن "المتروكين في الخلف" أو الخاسرين من التجارة الحرة. وقد سقط العديد من الديمقراطيين في نوع من الامتثال الذي تحدث عنه ميل، مفترضين أن كل نقاط الجدل الكبيرة قد سُويت سلفاً.

ولكن، ليس بعد الآن. فقد دفع انتصار ترامب الليبراليين إلى إعادة النظر في قضية كل شيء، من التجارة الحرة إلى الهجرة. وقاد الخروج البريطاني إلى نقاش حي حول الموقع الصحيح الذي يجب أن تكون فيه السلطة. وأصبحت الجامعات ميدان معركة حول حدود حرية التعبير. ومثل أوقات ميل، تبدو هذه أوقاتاً عصيبة أيضاً -والتي تتطلب على جناح السرعة تلكم المرونة الفكرية والجرأة اللتين جسدهما ميل، والد الليبرالية.

 ** رابط المقال الأصلي: https://www.economist.com/schools-brief/2018/08/04/against-the-tyranny-of-the-majority


تم غلق التعليقات على هذا الخبر