أسباب "الانهيار السريع": معركة "حوض اليرموك" الأقصر في تاريخ المعارك الاستنزافية لـ"داعش"

2018-8-6 | أسباب

بقلم: قحطان الدمشقي / مدون ومتابع لشؤون "الجماعات الجهادية"

‏حقيقة أن الانهيار السريع والخسارة التي مُني بها "تنظيم الدولة" في حوض اليرموك كانت علامة فارقة ومتغيرة بتاريخ معارك التنظيم ذات الطابع الاستنزافي والقتال المتمترس والشرس والدفاع عن مناطقه حتى آخر رصاصة. ‏وهذا ما بدا من خلال معاركه السابقة في حواضره في الشام والعراق (الموصل- الرقة - الفلوجة - الباب - منبج - جنوب دمشق)، وهذا على عكس ما جرى في حوض اليرموك، حيث تعرض التنظيم لهزيمة وانكسار كبير، ممثلا في خالد بن الوليد المكون من اندماج جماعات وكتائب جهادية في درعا والقنيطرة، أبرزها لواء شهداء اليرموك الممتد نفوذه في جنوب غربي درعا والقنيطرة وحركة المثنى الإسلامية التي تعود معظم أصول مقاتليها إلى مدينة درعا مهد الحراك السلمي وسرايا الجهاد في ريف القنيطرة، إذ شاركت هذه التنظيمات بمعظم معارك الجنوب السوري وسيطرت على العديد من القطع والحواجز العسكرية قبل أن تخوض حربها مع الفصائل وتجبر على الانكماش والتمركز في جنوب غربي سوريا بمنطقة حوض اليرموك.

‏وهذا الانهيار له أسباب ومسببات، أبرزها الطبيعة الجغرافية السهلية والقروية المكشوفة التي حرمت المقاتلين من التحصين الجيد والتمترس مع التفوق العسكري الجوي والبري والعددي لأعدائه المتمثلين بالنظام السوري وحلفائه والفصائل (الثورية) المتصالحة والمتحالفة مع النظام ‏وسيطرة النظام وحلفائه على معظم المناطق الإستراتيجية المرتفعة التي تحكم المنطقة (تل الحارة وتل الجابية والتلول الحمر)، والتي تمكن النظام من السيطرة عليها بعد مصالحات وتسويات مع الفصائل ليصبح الحوض مكشوفاً نارياً من قبل النظام، ‏وعدم تمكن التنظيم من إقناع الفصائل بتسليمه هذه المناطق بدلاً من النظام نتيجة العداوة المتجذرة بينه وبين الفصائل يضاف إلى ذلك الحالة الفريدة التي تمثلت بالتحام واندماج الفصائل مع النظام الذي استباح دمائهم وأرزاقهم وشرد ودمر حواضرهم ليختفي ثأر الفصائل مع النظام ‏وتتحول البنادق نحو العدو المشترك: "تنظيم الدولة".

ولا تزال هذه الظاهرة التي انفردت بها فصائل حوران عن نظرائها في الغوطة وريف حمص، إذ فضل معظمهم التهجير على القتال إلى جانب قوات الأسد، مثيرة للتساؤل والحيرة، ليبقى تفسير هذه الظاهرة عصياً على كل صاحب فطرة سليمة ومخالفاً لكل قواعد المنطق وعوامل الهزيمة والنصر، ‏إضافةً إلى الانهيار السريع والمتتالي للفصائل الثورية، غير المتوقع، أمام النظام وحلفائه ورضوخهم لشروطه وإجرائهم لمصالحات وتسويات تضمنت قتالهم إلى جانب النظام بالرغم من الترسانة العسكرية الضخمة والأعداد الكبيرة لجنودهم، والتي تحولت إلى عامل ضغط إضافي بالمعركة.

‏وهذا ما شاهدناه من خلال قتلى قادة الفصائل الذين قتلوا في معاركهم مع التنظيم بعد انخراطهم في صفوف قوات النظام، أبرزهم معتز البردان وأبو تركي الشنور وحبيب الحراكي ومحمد أنور الحريري، والذين دفعهم لقتاله الحالة الثأرية مع التنظيم، ‏التي غذتها العشائرية، باعتبار المنطقة الجنوبية عشائرية تخضع لأعراف الثأر والقتل حتى لو كان الطرف المعادي تنظيما جهاديا، الذي استهدف من جانبه على امتداد ما يقارب 3 أعوام هذه الفصائل بمعاركه، وكانت تحاصره وتضيق عليه بالإمدادات اللوجستية والعسكرية وحتى البشرية للمقاتلين الراغبين في الانضمام إليه، حيث خضعت المنطقة إلى حصار شديد من الفصائل، يُضاف إلى حصار الأردن والكيان الصهيوني الذي يراقب كل صغيرة وكبيرة على الحدود خوفاً من أي تحرك للتنظيم باتجاه الجولان المحتل أو الأردن.

‏واستمرار معارك التنظيم مع الفصائل لمدة طويلة، مما سبب له استنزاف كبير بشري ومادي وعدم قدرته على تعويض ما يفقده من عتاد ومقاتلين بسبب الحصار الشديد المفروض عليه، وعدم وجود جبهات مع النظام يستطيع التنظيم فيها اغتنام سلاح نوعي وذخيرة ليتقوى بها في أيامه العصيبة.

‏أهم عامل أثر في مجريات المعركة أيضا، كان الاستنزاف البشري للمقاتلين والخاصة، وخاصة من المهاجرين أصحاب التجربة والخبرة، الذين خسرهم التنظيم في معاركه مع الفصائل أو باستهدافهم عبر الطيران الإسرائيلي والأردني أو من خلال عمليات تصفية داخلية عن طريق عملاء جندتهم أجهزة المخابرات داخل التنظيم وعدم تعويضهم من المناطق الأخرى التي يتمركز فيها التنظيم بسبب صعوبة الوصول للحوض المحاصر، ليبقى المقاتلون المحليون الذين لا يملكون خبرة إستراتيجية وتخطيطية تمكنهم من مجابهة أعدائهم بأساليب تعيق تقدمهم وتفشل مخططاتهم، لعدم خوضهم تجارب سابقة تمكنهم من إدارة والتكيف مع ظروف المعركة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر