لنفوذ موسكو حدود لا تتجاوز فيها طهران: أين ذهبت مشاريع روسيا بإخراج إيران من جنوب سوريا؟

2018-7-7 | وائل عصام لنفوذ موسكو حدود لا تتجاوز فيها طهران: أين ذهبت مشاريع روسيا بإخراج إيران من جنوب سوريا؟

لو عدنا للأشهر القليلة الماضية، واسترجعنا العدد الكبير من الأخبار والتوقعات التي كانت تؤكد على انسحاب الإيرانيين من جنوب سوريا وبجهد روسي أحيانا، واستجابة لـ"اشتراطات إسرائيلية" أحيانا أخرى، ثم شاهدنا صور قادة ميليشيا النجباء وأبو الفضل العباس في درعا، لعلمنا مدى تناقض التوقعات مع الواقع، وهي ثنائية تتكرر منذ سنوات في كل محاولة لاستشراف المشهد في النزاع السوري، مردها فقر التقديرات الموضوعية.

وعلينا أن نتذكر أنباء مشابهة ترددت منذ عامين، عن أن الأمريكيين، لن يسمحوا بسيطرة الإيرانيين على الحدود السورية العراقية، في عملية وصل الطريق البري بين طهران لبيروت، التي شاع عنها الحديث سابقا، ولكن ما حصل أن الأمريكيين وبعد دعمهم لفصائل البنتاغون، تعثرت خططهم في إيجاد حليف بري كفوء من المعارضة السورية، يقوم بهذه المهمة في وسط الصحراء السورية، كما الأكراد شمالا، فكان أن أكمل النظام والإيرانيون سيطرتهم على معظم الخط الحدودي بين سوريا والعراق، وتخللت هذه العملية اشتباكات متبادلة لكن محدودة، واستهداف جوي أمريكي لميليشيات النظام.

واليوم تكرر المشهد لكن مع إسرائيل، فكيف يمكن للإسرائيليين السماح بتقدم ميليشيات إيران لجنوب سوريا بعد التصريحات الإسرائيلية الرافضة لهذا الأمر والمطالبة بجيش النظام فقط على الحدود؟

لعل القضية تتعلق أولا، بمدى القدرة على إرغام الإيرانيين والنظام في سوريا، وتتعلق ثانيا بالتوافق مع الروس على التوقيت، فكما تعثر الأمريكان وسط الصحراء السورية بلا أطراف يمكن الاعتماد عليها، فإن الإسرائيليين لا يملكون أوراقا يمكنهم المناورة فيها داخل سوريا، بل إنهم في حالة مواجهة تصل للأعمال الحربية مع من يملك النفوذ الأكبر في دمشق اليوم، وهو الأسد وحلفاؤه الشيعة، وهذه المواجهات نتجت أصلا بسبب محدودية قدرتهم على التحكم في المجريات داخل سوريا، من خلال حلفاء لهم، فتم اللجوء للقوة، وهنا يظهر أن علاقة تل ابيب بموسكو لم تمنحهم القدرة على تحقيق أهدافهم، بتحجيم وإبعاد الإيرانيين في سوريا، بدليل أنهم لجأوا للقوة العسكرية لقصف مواقعهم داخل سوريا.

وهذا يقودنا إلى استنتاج آخر، بدا واضحا منذ البداية رغم محاولة معاندته باستمرار، وهو أن لنفوذ موسكو في سوريا حدودا لا تتجاوز فيها طهران، الأكثر رسوخا وارتباطا بالنظام السوري وعلى عدة أصعدة، وأن تحالفهم العسكري والسياسي في سوريا بني على ثوابت مشتركة، أهمها التنافس مع واشنطن، ولكن الروابط المشتركة للإيرانيين مع النظام وحزب الله تشكل بحد ذاتها بنية مستقلة، لها مشروعها وسماتها الإقليمية، قد لا تكون روسيا معنية بكافة تفاصيلها، ولا هي قادرة على زج نفسها خارج المساحة المخصصة لها في هذا التحالف، الذي يستفيد منها لإيجاد شريك دولي قوي، يمنح أوراق قوة لمنظومة إقليمية كهذه، مقابل تحقيق روسيا لأهدافها في تحجيم أي قوة مناهضة إيديولوجيا لها قد تصل رياحها بسرعة لحدودها الجنوبية في القوقاز الذي قمعته موسكو لسنوات، والأهم هو استعادة مواقعها قرب المياه الدافئة التي خسرتها فترة انهيار الشيوعية أمام الولايات المتحدة.

الروس لم يقدموا "تعهدات" لإسرائيل بذلك، كما أُشيع، وهي صيغ وتعبيرات تجدها في منابر إعلامية، وفقط، لأنه حتى ولو أنها تصريحات إعلامية معلنة، فلا تحمل قيمة عادة، فإن روسيا تحدثت عن خروج القوات "الأجنبية"، وحدَدتهم أولا بالأمريكيين وأخيرا بالإيرانيين، ذرَا للرماد في العيون، ولأنه لا داعي أصلا لبقاء الضباط الإيرانيين إن سيطر النظام على سوريا وخرج الأمريكيون، وهي إحدى الغايات التي تحاول روسيا المساومة عليها من أجل شراء إنجاز مهم بخروج الأمريكيين من قاعدة "التنف" ومن مناطق الشمال السوري، وهو هدف مهم أيضا للإيرانيين مقابل بيع خروج لا قيمة له لبضعة ضباط بعد إنجاز مهمتهم، التي أفضت إلى تثبيت وجود راسخ لإيران في سوريا من خلال الأسد، وهو يذكرنا ربما بما قاله فاروق الشرع بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عقب اغتيال الحريري، بأن نفوذ سوريا في لبنان بات اقوي مما كان عليه في أي وقت مضى من خلال حلفائها، وهو ما ثبتت صحته اليوم بوجود حزب الله في لبنان.

ولأن الأمريكيين يدركون جيدا أن لا قيمة لقضية سحب بضعة ضباط إيرانيين مع بقاء سوريا كلها ضمن الحلف الإيراني، فإنهم يستخدمون هذه القضية إعلاميا فقط، كما بقية تصريحاتهم الشهيرة الفارغة بضرورة رحيل الأسد، ولذلك أعلن الأمريكيون نيتهم الرحيل من سوريا من دون مواصلة التفاوض الجدي مع الروس حول الإيرانيين، وبحلول العام المقبل، وبعد انتهاء فترة التمديد للقوات الأمريكية التي أقرتها الإدارة الأمريكية لتأمين انسحاب سلس من سوريا، قد تكون معظم القوات الأمريكية قد انسحبت من مناطق شمال سوريا وبقت في جيوب حدودية صغيرة مع العراق والأردن، حسب مصادر مطلعة.

ونعود هنا، لقضية المطالب الإسرائيلية من روسيا بما يتعلق بإبعاد الإيرانيين، ومن الملاحظ أولا، وكما أسلفنا، أن الروس لم يتمكنوا من تلبيتها حتى الآن، بدليل تدخل إسرائيل بنفسها بقصف الإيرانيين، ولكن الروس، وكما هو معلن في التصريحات، ويعضده سياق الإحداث، طمـأنوا تل ابيب بأن الوجود الإيراني في جنوب سوريا لن يكون مهددا، حاليا، لإسرائيل، وإنما هو مخصص لمواجهة المعارضة، وأن النظام السوري هو الذي سيبقى في هذه المنطقة الحدودية بعد السيطرة عليها، وستنسحب الميليشيات الإيرانية.

هذا التوافق، نجح فيه الروس، لأنه ببساطة ينسجم مع المصلحة "المرحلية" للإيرانيين بعدم الدخول في صدام واسع مع قوة متفوقة كإسرائيل قبل إنجاز مهمتهم المرحلية بقمع الثورة ضد الأسد بشكل كامل، ولكنه وضع مرحلي قد يستمر لعام أو اثنين حتى تثبيت النظام، وبعد ذلك، علينا أن لا نتفاجأ، كما حدث في مناسبتين بعد مشاركة الميليشيات الإيرانية في درعا وسيطرتها على حدود سوريا والعراق، من أن الإيرانيين بدأوا بتحويل حدود الجولان لمنطقة مواجهات مع إسرائيل، وإن بعمليات محدودة، كما فعلوا في جنوب لبنان، لتحقيق رغبة جامحة وإستراتيجية لديهم تتعلق بتصدر المواجهة مع عدو يجمع عليها سكان المنطقة، وإن دون فعل عسكري كبير، إذ يمثل طرق هذه القضية بابا للدخول لقلوبهم بلا استئذان، خصوصا مع السخط العربي والإسلامي المتنامي من مواقف الدول العربية "السنية" التي قد ينتهي بها المطاف إلى أن تخسر "الشرعية" في قيادة الصراع مع اسرائيل، كما خسرت عواصم عربية كبرى لصالح الإيرانيين.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر