عندما تحول مثقفون "ثوريون" إلى جنود متطوعين لخدمة سياسات وخيارات "الداعم"

2018-7-5 | خالد حسن 	عندما تحول مثقفون

ربما كشفت الثورة السورية، في بعض جوانبها، عن أزمة طينة من المثقفين "الثوريين"، سوقوا للأوهام وحرضوا على الانقسام والمفاصلة وبعضهم فجر في الخصومة وانتصر للدعاية والتضليل.

كانت صورة "المثقف الثائر" مرتبطة بشخصيته المستقلة والجريئة والشجاعة، لكن ما أظهره طينة من "المثقفين الثوريين" في بعض فترات الثورة السورية، وربما أشدها اضطرابا، يناقض هذه الصورة ويبرز فيها "المثقف الثوري" منحازا لدكان من دكاكين الثورة ضيق الأفق والصدر يسبق لسانه عقله.

صورة المثقف الثوري كما كان يتخيلها الكثيرون تضررت في السنوات الأخيرة واهتزت أكثر مع الثورة السورية. وأكثر ما يضر المثقف الثوري الموقف الانتقائي والتملق والمقارنات السطحية والانسياق والمزاجية والانغلاق والاندفاع، وكم من مثقف رأى فيه الشرفاء والأحرار فيلسوف الثورة، فلما رضي بالدون وجرفته الدعاية والموجات هجره عقلاء كثر.

وربما تحول بعض المثقفين الثوريين إلى "جنود متطوعين" لخدمة توجهات وسياسات بعض "داعمي" الثورة السورية (تركيا تحديدا)، انتصارا وتسويقا واستماتة في الدفاع ولم يجرؤوا حتى على نقد تحولاتها التي خذلت بها الثورة بل وسهَلت الانقضاض عليها.

المثقف الثوري هنا هو المنحاز إلى الثورات الشعبية في مواجهة الطغيان السياسي الخصم العنيد للدكتاتوريات وأنواع التسلط السياسي الحاكم، يرى في توجيه الرأي العام ونقد الممارسات السلطوية وكشف زيف الدعاية الحكومية المضللة واجبا أخلاقيا ومسؤولية تاريخية، ليس الحديث موجها إلى مثقفي السلطة والمنحازين للأنظمة في مواجهة الشعوب الحرة، فهؤلاء لا ضمير لهم وسقطت أخلاقهم ومروءتهم ونفضت الجماهير الواعية عقولهم منم سمومهم وزيفهم ومقالاتهم.

أحالتنا الثورة السورية إلى طينة وصنف من "مثقفي الثورة" ناضلوا فكريا وثقافيا وقارعوا الطغيان وتسلحوا بالرأي والحجة مستندين إلى رصيد معرفي ثري ومتنوع، لكن عقولهم ضاقت بتنوع تركيبة الثورة وانحازوا لبعض دكاكينها وفصائلها وتورطوا في أنواع التحريض الداخلي وانساقوا وراء أوهام التحليلات السطحية في الاصطفاف مع بعض الداعمين وربط المصير الثوري بخياراتهم وانتصروا لترتيباته وتفاهماته، بل وروجوا وسوقوا لهذا غير آبهين بخيار استقلالية القرار الثوري، متحمسين مندفعين وراء تحولات وسياسات أضرت بالثورة كثيرا وضحت بها.

ربما انغلق هذا المثقف الثوري السطحي في مربع ضيق واطمأن إليه فكريا ولم يغادره، واغتر بموقفه وانطلق منه منافحا ومستميتا في دفاعه عن خيارات مهلكة للمعارضة والفصائل "الثورية" والضعف والهشاشة تنخران كيانها وتغريان النظام وحلفاءه ببسط السيطرة والمضي في خيار الحسم العسكري من دون رادع ولا مواجهة حقيقية ولا جبهات مشتعلة، ولم يتحمل حتى عناء الغوص في الأعماق لاستكشاف الحقائق على الأرض وظل طرحه يستند إلى انطباعات ناشطين وأماني ومثاليات ومقارنات سطحية وانتقائية مضللة بصياغة إنشائية مجردة وعزلاء.

العقل الثوري لم يرق إلى "الإنجاز" الثوري الشعبي، ولم ينتصر لاستقلالية القرار، بل تحول إلى جندي في كتيبة دعائية تسويقية لداعمين وخيارات ضحت بالثورة، في الشمال السوري كما في جنوبه، لا يتجاوز عقله سقف دكان من دكاكين الثورة. هذا المثقف أو الناشط تحول إلى عبء على الثورة أغرقها في أحلام وأوهام وعالم افتراضي، وأسهم في إسقاط الثورة من الداخل قبل أن يُجهز عليها الخارج.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر