ما تعامى عنه كثيرون: الأتراك كبلوا الثورة بـ"خفض التصعيد" وسهلوا على الروس المهمة

2018-7-2 | خالد حسن ما تعامى عنه كثيرون: الأتراك كبلوا الثورة بـ

يبدو أن المطالب الأمريكية الإسرائيلية التي عرضتها واشنطن على روسيا حول الجنوب السوري تجاهلها حلف النظام ومضى في حسمه العسكري بغطاء جوي من الروس مسنودا بإيران وميلشياتها، وربما اقتنع بأن لا حاجة للتفاهم مع الأمريكيين وأن لا تراجع عن الحسم. فكل كلام عن "بيع" ترامب سوريا لبوتين في مقالات المحللين الغربيين لا عقل فيه، يبيع ماذا؟ وهل يملك ترامب حتى يبيع؟ هشاشة الفصائل، إجمالا، أغرت النظام وحلفاءه بالمضي في الحسم من غير حاجة إلا تفاهمات ملزمة مع الأمريكيين.

أما قول أحد الكتاب المثقفين: "ما كانت روسيا لتطأ بقنابلها مناطق خفض التصعيد في سوريا لولا تواطؤ أمريكا.."، فهذا فيه تدليس وتستر على حقيقة لا ينكرها مراقب ومتابع لتقلبات الصراع في سوريا، وما لا ينكره منصف أنه ما كان روسيا لتكبل الثورة في مناطق خفض التصعيد إلا بتواطؤ من تركيا..أنقرة أكبر حليف لموسكو بعد طهران في سوريا.

لا أدري لماذا يرتبط "انتصارنا" لقضية أو توجه أو سياسات ما بالتعامي عن الأخطاء الإستراتيجية القاتلة، وتركيا أردوغان مثال هذا التعامي، قائمة الإنجازات في الداخل كبيرة لكن في سوريا أتى بالكوارث خدمة لمصلحة الأمن القومي  لبلده واستخدم ورقة الثورة والفصائل لتحقيق المكاسب القومية.

نعم، الفصائل ضعيفة وهشة ومتخاذلة، لكن تركيا سوَقت لسياسات الروس وخططهم بما عجل بسقوط مناطق الثوار وأحدث هزات كبرى في الموقف الثوري وأشاع البلبلة والاضطراب. والتسويغ لتحالف تركيا القاتل مع روسيا في سوريا موقف غير أخلاقي مهما حاول كثيرون التفلسف والتكلف في تسويغه، ومنهم مثقفون وكتاب وناشطون، والحقائق على الأرض تعاكس الكلام النظري الإنشائي الذي يبرر لهذا التحالف الدموي القاتل.

المخابرات التركية ضغطت على الفصائل لحضور أستانة والقبول باتفاق خفض التصعيد وصنعت لها منطقة نفوذ واستخدمت فصائل أدوات في رسم خريطة نفوذها وتأمين حدودها بالتفاهم مع الروس، والروس قصفوا وخسفوا مناطق التصعيد شمالا وجنوبا دون أي تحرك من الأتراك، كبلوهم وسهلوا المهمة على الروس.

يأتيك اليوم من ينتقد تجارب الحكم منذ العهد الراشدي إلى يومن الناس هذا ويعقد المقارنات التاريخية، لكنه عندما يصل إلى صنيع أردوغان في سوريا مع الروس منذ سقوط حلب يتفلسف ويتكلف ويسوق لكلام عام فضفاض ويلف ويدور. ثمة أسباب ودوافع لهذا التحول باتجاه الروس، لا تُنكر، لكن الأتراك ذهبوا بعيدا في التحالف والارتباط بالمشروع والمخطط الروسي في سوريا.

وتواجه المغالين في الانتصار لتركيا ببعض الحقائق، فيرد بأن العالم يتربص بالتجربة التركية ويريد القضاء عليها، وتحالف الأتراك مع الروس مفروض عليها وإلا كانت ستواجه الأسوأ، وهل ثمة أسوأ من أن تكبل الضحية ليأتي الجلاد وقائد المحرقة فيقصف المدن على روس أصحابها وبسط سيطرته شمالا وجنوبا؟

ويأتي من يحدثك عن ضرورات تركيا وحساباتها في التحالف مع الروس لحماية المدنيين والثورة والفصائل؟؟ وهل تغير سلوك بوتين الإجرامي الوحشي بعد التقارب مع الأتراك؟ أم إنه زاد غطرسة وهمجية وأحرق الشمال والجنوب؟ الأتراك كبلوا الثورة بخفض التصعيد وسهلوا على الروس مهمة القضاء عليها.

ثم من قال بأن الأتراك لو لم يتحالفوا مع الروس هذا التحالف الدموي القاتل لواجهوا الأسوأ؟ لماذا نبرمج عقولنا على ثنائيات حدَية في التحليل والرؤية تسد المنافذ والثغرات وتضيق واسعا وتملأ العقول بفرضيات وظنون؟  ثم هل شرط الانتصار للتجربة والتوجه التعامي والتكلف في التسويغ؟ هل ننصر قضايانا وندافع عنها بمواقف انتقائية غير أخلاقية ومقارنات سطحية والمغالاة في التبرير؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر