آخر الأخبار

لم يحموا حتى حلفاءهم من المعارضة: ما باع الأمريكيون "درعا" والطائرات الروسية هي التي فرضت التسوية

2018-6-30 | وائل عصام لم يحموا حتى حلفاءهم من المعارضة: ما باع الأمريكيون

قبل كل عملية احتلال واحدة من معاقل المعارضة، بات من الرائج أن تنتشر عدة مقولات وتأويلات متشابهة، بل متطابقة في كل مرة، تبدأ بالتأكيد من قبل المعارضة على رفض التسويات والانسحاب، ودعوة "المجتمع الدولي" و"القوى الدولية" للتدخل.

وبعد أيام من المعركة والقصف الدموي للنظام، كما حدث مؤخرا في درعا، يبدأ الحديث عن "التخاذل الدولي" و"تخلي أمريكا" عن الثوار، وكأن قائل هذه العبارات تفاجأ بذلك أو أنه كان يعيش في كوكب آخر في السنوات الأخيرة من عمر النزاع في سوريا. والأهم أنه ما زال مقتنعا بأن نصرة المعارضة السورية يجب أن تكون أولوية لدى السياسة الخارجية الأمريكية، بل هي جزء من الأمن القومي الأمريكي ربما، ثم ننتهي بتأويلات عن "الصفقات الدولية الخفية" التي عقدت لـ"تسليم" تلك المدينة أو تلك المنطقة للنظام.

العجيب أن التصريحات الأمريكية الرسمية المعلنة والخاصة، والسياسات الأمريكية المتبعة في سوريا، واضحة ومباشرة في موقفها، بالإحجام عن دعم فصائل المعارضة السورية لإسقاط النظام منذ أكثر من ثلاث سنوات، فقد أبلغت كل الفصائل المنضوية في غرف الموك والموم (غرف التنسيق والتسليح الدولية للمعارضة) بذلك صراحة، وجُمد الدعم بشكل شبه كامل منذ أعوام أيضا من قبل الدول الحليفة، كقطر والسعودية، وخرجت للعلن تفاهمات دولية تتحدث بشكل مباشر عن بقاء مؤسسات النظام العسكرية والأمنية، كما صرح بذلك نصا وزير الخارجية السعودي الجبير ومسؤولون أمريكيون، حتى كلمات جون كيري للناشطين السوريين الذين اجتمع بهم في الولايات المتحدة وتسربت في تسجيل صوتي، كانت واضحة وقاطعة، عندما أجاب عن سؤال لناشطة سورية، وقبل نحو ثلاث سنوات، كررت فيه هذه الاسطوانة عن تدخل الولايات المتحدة لإسقاط النظام، قائلا بلهجة كلها استغراب: "من قال لك ذلك؟".

من لم يستمع لكيري في السر، كان يفترض به على الأقل أن يستمع لتصريحاته في العلن، عندما بدأ القصف السوري لمواقع الثوار في ريف أدلب وحماة عام 2015، إذ ظهر أن الأمريكيين أخفقوا حتى في حماية حلفائهم من فصائل الجيش الحر، التي تعرضت للقصف من قبل روسيا حينها، وتواصل استهدافها بموقف روسي واضح في مضمونه، وهو أن "من يقاتل النظام هو إرهابي"، ولم يتمكن الأمريكيون من توفير الحماية في سوريا سوى لفصائل المعارضة التي لا تقاتل النظام، كما في قاعدة التنف وشمال سوريا.

ومن هنا، يبدو غريبا الحديث عن "تسويات" أمريكية وتركية قبل سقوط المدن المعارضة بيد النظام، كما يدور الآن في إدلب، وكما قبلها في الغوطة وحلب.

ولا نتحدث هنا عن تفاهمات بين موسكو وواشنطن، وأنقرة وطهران، وهي موجودة بالفعل، لكنها اختطت بناء على توازنات الأمر الواقع التي أفرزت طرفا فائزا وآخر خاسرا، نتيجة حرب تدور رحاها الطاحنة منذ سنوات، وليس بناء على ما يروج من أن الأمريكيين باعوا "درعا" ليشتروا من الروس مكسبا آخر، فماذا يملك الأمريكيون في درعا؟ إذا كانوا غير قادرين على حماية فصائلهم في أدلب قبل ثلاث سنوات، وإذا كان أحد أبرز ممثلي فصائل درعا في غرف الدعم التسليحي قد انسحب منها قبل ثلاث سنوات لعدم قدرة الأمريكيين على دعمهم وضيق خياراتهم والخشية من الغوص في المستنقع السوري كما العراقي، وأبلغ زملاءه حرفيا "اغسلوا أيديكم من الأمريكيين".

عندما نتحدث عن تسوية، فهذا يعني أن هناك طرفين غير قادرين على حسم النزاع العسكري نتيجة تعادل قوتهما، فيتم اللجوء لـ"تسوية" سياسية، تنجز سلميا وتوافقيا وليس عسكريا، وإذا افترضنا صحة الروايات عن أن الأمريكيين عقدوا تسوية لتسليم درعا لروسيا، أو تركيا عقدت تسوية لتسليم حلب، فماذا تفعل الطائرات الروسية فوق درعا منذ أيام! لماذا يشن الروس الحرب على مناطق تمت تسوية بشأنها و"سلمها" الأمريكيون لهم بتفاهم؟

كثيرا ما يتم الحديث عن تسوية، لكن ما يحدث فعليا هو تسوية لبيوت درعا لا أكثر.

وما يحدث فعليا، هو أن "الصفقات الخفية" والاتفاقات الدولية تبقى تفسيرا مفضلا لمعظم الجمهور، الذي يصر على تجاهل ما يحدث فعلا على أرض الواقع، ويروق له اللجوء لتفسيرات كانت وستبقى فقط في عالم "مستتر"، إذ لم نسمع ولن نسمع بعد مضي كل معركة، عن أي بنود أو تفاصيل لهذه التسويات الدولية، التي ستبقى موجودة فقط على صفحات الجرائد ومواقع التواصل وخيال أصحابها، إذ إن التسويات السياسية بين "القوى الدولية" لا تنفذ بجنازير الدبابات وبراميل الطائرات، التي ما إن انهالت على رؤوس المدنيين في درعا، حتى اضطرت الفصائل للاستسلام بسرعة، وهي مهلهلة آيلة للسقوط أصلا منذ سنوات.

وبغض النظر عن انتقاد الفصائل المنسحبة من مناطق المعارضة، فلا يمكن تجاهل فارق القوى العسكرية الفائق لصالح النظام، الذي أجبرها على "تسوية" أوضاعها والخروج من مناطق المعارضة، إذن، التسوية الحقيقية إن حصلت فهي هذه التسويات مع النظام الناتجة عن خسارة الحرب، وهي حدثت في الغوطة وحلب وستحدث الآن في درعا بشكل معلن، ولا علاقة للأمريكيين بها، بل إن حدوث هذه الاتفاقات للانسحاب هو دليل على أن لا وجود لتسويات أمريكية روسية، ولو كانت موجودة لما كان هناك من داع لشن الحرب على درعا وللضغط على الفصائل تحت القصف لعقد التفاهمات مع الروس للانسحاب نحو أدلب، ولكان الأمريكيون هم من أنجزوا هذه التسوية نفسها مع الروس، لكن الطائرات الروسية وآلة حرب النظام هي التي فرضتها بالقوة، وبعد بدء المعركة وليس قبلها، وهذا ما حصل في حلب والغوطة والقلمون، وهي نتيجة مسبقة لتفوق القوة العسكرية للنظام وحلفائه على مدى السنوات الأخيرة التي اختبرت فيها قوة أطراف النزاع في عدة مواجهات، تم حسمها بالحرب وليس بالـ»تسويات».

إنها الحرب، لا تعترف سوى بقانون الغالب، منذ سبع سنوات والمعارضة تبرر تفككها ورداءة أدائها العسكري والسياسي بشتى الحجج، وهي تبرر أيضا معاركها الداخلية بين الفصائل بالمنحى نفسه، برمي كل فصيل لخصومه بأنه عميل لتلك الجهة الأجنبية. وحتى لو تتبعنا التفسيرات المتداولة من قبل بعض قادة الجيش الحر لما يحدث خلال المعارك، لوجدنا هيمنة لافتة للتفسيرات الشعبوية، أمس مثلا نقل عن قياديين معارضين منشورين عن سير المعارك  في درعا، أحدهما لعقيد سابق منشق عن جيش النظام، الأول يتحدث عن "الخسائر الاقتصادية التي حلت بروسيا ما اضطرها لعقد هدنة في درعا". والثاني يحلل أن روسيا اضطرت لعقد هدنة في جنوب سوريا لمدة 12 ساعة لأن "ذخيرة الطائرات نفدت، وهي بحاجة لهذه الساعات لإعادة التذخير"! وكأن فصائل المعارضة في درعا أصبحت قادرة فجأة على تهديد دمشق مثلا لتضطر خصومها لعقد هذه الهدنة المفترضة! هذا إذا نحينا جانبا تهاوي هذه الأطروحات من جوانبها الفنية واللوجستية.

اللافت هو رواج هذه التعليقات، والمثير أيضا هو ردود أصحابها على منتقديهم، بالقول إننا "نريد رفع المعنويات يا جماعة"! وكأنهم يريدون صناعة جمهور عربي تشحذ معنوياته بشحنات الوهم والخداع .. جرعات "ترامادول" مسكنة للآلام، كما وصفها أحد الناشطين الحمويين.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر