لماذا بدأ النظام السوري معركة درعا قبل إدلب؟

2018-6-23 | وائل عصام لماذا بدأ النظام السوري معركة درعا قبل إدلب؟

المتتبع لسياسات النظام وحلفائه في استعادة مناطق المعارضة السورية، سيجدها تنحو بلا شك نحو أولويات محددة، تبدأ بالحفاظ على مراكز السيادة في المدن الكبرى، والمواصلات الرئيسة بين المحافظات داخل سوريا، وصولا للأرياف والضواحي التي تحمل اعتبارات إقليمية، مرتبطة بحلفاء الأسد في طهران وبيروت، فتجد أن النظام، في بدايات الثورة، ترك معظم الأرياف، كالغوطة وريفي حمص وحماة، لكنه سارع إلى استعادة مركز مدينة حمص ذات الموقع الإستراتيجي البالغ الأهمية وسط خط حلب درعا الحيوي، الذي يضم أكبر كتلة سكانية، ومن ثم انتقل مع حزب الله إلى مناطق ريفية كالقصير وغيرها، لارتباطها بمحور مهم يصله غربا بحليفه الوازن داخل الحدود اللبنانية، حزب الله.

وكما عمل لعامين على استكمال سيطرته على مدينة حلب، كانت معظم أريافها خارج سيطرته، وقبل أن يلتفت إلى غوطة دمشق، المركز المهم للمعارضة المسلحة، صب جهوده على منطقة نائية تصل بادية الشام بالحدود السورية العراقية، حيث ريف دير الزور، وكان هذا لاعتبارات تتعلق بتهديد روابطه بحلفائه شرقا في بغداد وطهران، الذين استشعروا خطر ترك هذه المنطقة لسيطرة أمريكية، كانت معدة لتتمدد من موقع التنف الحدودي، شمالا نحو الحدود السورية العراقية.

وبالطبع، ما كان النظام وحلفاؤه قادرين على انتقاء الجبهات، واختيار توقيت المبادرة بالهجوم، لولا ضمانهم عجز المعارضة عن التفكير بعقل جماعي، يضمن مشاغلة النظام في أكثر من جبهة في الوقت نفسه، بل ضمان مهادنة قيادة القوى المسلحة للمعارضة للنظام، حتى يتم التفرغ لها واحدة تلو الأخرى، حربا أو إبعادا، وقُنَنت هذه العملية من خلال اختراع يسمى "مناطق خفض التصعيد"، تم إنتاجه في مؤتمر أستانه، الذي سن سنة عجيبة، تقضي بقبول طرف في الصراع، وهو المعارضة، لدول راعية للمحادثات السياسية هم أنفسهم طرف مباشر في الحرب، روسيا وإيران! ودولة ثالثة تتلخص مهمتها في نصب نقاط مراقبة تحصي مرات "التصعيد" والمجازر في إدلب، من أريحا حتى زردنا، من دون إمكانية "خفض التصعيد".

وفي هذا السياق، يأتي كلام رئيس النظام الأسد، الذي قال بشكل واضح في مقابلة مع قناة "روسيا اليوم" قبل أسابيع، إن "دخول الجيش في معركة في أكثر من جبهة أمر منهك"، طبعا موسكو وطهران، وكما ساندوه عسكريا، ساندوه من خلال الاستانة في تخفيف الضغط العسكري عليه.

ومع التعقيدات المثارة حول معركة درعا، والمتعلقة خصوصا بموقعها الحساس المجاور لإسرائيل، ومراعاة موسكو لمطالب تل أبيب، بعدم تمركز ميليشيات موالية لإيران قرب حدودها، فإن الوقائع تشير إلى أن معركة درعا قد بدأت بالفعل، وأن نتائجها لن تختلف عن سابقتها في الغوطة، بل ربما يتكرر "السيناريو" نفسه في تسلسل المواجهات في الغوطة، إذ تتم التسوية مع فصائل الجيش الحر المرتبطة بالدول الداعمة بعد معارك محدودة، ومن ثم تأتي المعركة المكلفة للنظام في مناطق تنظيم "الدولة"، في جيب صغير يسيطر عليه جيش خالد بن الوليد المبايع للتنظيم.

وحتى ذلك الحين، سيبقى الكثير من سياسيي المعارضة مشغولون بالحديث عن نوبة نقاش جديدة لا قيمة جوهرية لها، وكأن انسحاب الميليشيات الإيرانية وسيطرة النظام في جنوب سوريا يعني اختلافا فارقا بالنسبة للمعارضة،

كما يثار نقاش حول خلاف مفترض بين روسيا وإيران حول سحب القوات، مع أن تصريحات روسيا تطابق أفعالها في سوريا، فهي لم تطالب أبدا في أي موقف رسمي بسحب الوجود الإيراني في سوريا بشكل محدد، بل طالبت بسحب القوات الأجنبية جميعها، جاعلة الإيرانية في النهاية، بعد الأمريكيين والأتراك، ذرَا للرماد في العيون، وهو ما يعني أن خروج الضباط الإيرانيين بعد الخروج الأمريكي والتركي، حسب التصريحات الروسية الرسمية، يعني أنه تصريح مخادع، يهدف للمساومة على الوجود الإيراني نحو هدف مشترك لطهران وموسكو، بخروج الأمريكيين من سوريا، لأنه لا حاجة أصلا لبقاء النفوذ الإيراني في سوريا بعد انتفاء الحاجة إليه بتثبيت النظام، كما إن الوقائع تشير إلى أن إيران وروسيا حليفين عسكريين منذ سنوات في سوريا، وان دورهما يكمل بعضهما بعضا لتثبيت سلطة الأسد، وأن إيران هي التي بادرت إلى استقدام القوات الروسية لسوريا، لتمتين درعها الإقليمي في دمشق بقوة دولية تناطح واشنطن في سوريا، موسكو.

 إدلب، تُركت حتى الآن لأسباب كثيرة، من ضمنها أنها من حيث موقعها وتأثيرها في مجريات النزاع، الأقل أهمية مقارنة بالمواقع الأخرى التي استبقاها النظام، ولأن النظام يدرك أن الجهاديين في ادلب ستكون معركتهم مكلفة وصعبة، يحاول النظام أن يتركها للنهاية، تماما كما فعل في ريف دمشق، عندما ترك المعركة الأصعب مع جهاديي تنظيم "الدولة" و"النصرة" في اليرموك للنهاية، وبما أن جهود الإخوة الأعداء في إدلب مستمرة في إنهاك بعضهم بعضا بمعاركهم ونزاعاتهم المتواصلة، من دون أي عمليات ضد النظام منذ شهور، فالوقت إذن لصالحه، ونتحدث هنا عن الاقتتال بين "أحرار الشام" و"تحرير الشام".

إلا أن سببا آخر يجعل بقاء أدلب للنهاية مهما للنظام، ومعها مناطق درع الفرات، وهي أنها تحولت لمحطة الباصات الرئيسة للمعارضة المنسحبة من المناطق التي يهاجمها النظام، ومركز لتجميع الفصائل المنسحبة في جيب واحد، وهو أيضا ما أشار إليه الأسد صراحة، مبديا ارتياحه لتجميع المعارضة في مكان واحد.

البعض يعتقد أن تسوية سياسية ما، تقوم بها تركيا من خلال استانة، ستجنب إدلب المعركة، ورغم أن هذه الاحتمالات باتت مجرد نوبات موسمية تسبق كل معركة، ويثبت في كل مرة أنها كانت موجودة فقط في أذهان قائليها، إلا أن المبادرة السياسية في ادلب، وحسب التوازنات الحالية المائلة لكفة النظام في سوريا، يمكن أن تنجح في صيغة واحدة فقط، وهي رفع راية النظام فوق مبنى محافظة ادلب، ودخول قواته لمركز المدينة سلما، وهذا ما لن تقبل به على الأغلب "النصرة" وأشقاؤها في الحزب التركستاني وأنصار الدين، وإن افترضنا، قبول الجهاديين بعد تراجع قوتهم في ادلب بصيغة ما تقتضي "دخول تركي محايد" أو انتشار لقوات تركية في إدلب يترافق مع نزع سلاح الجهاديين، نتيجة تسوية ما "مفترضة"، يعمل عليها "أحرار الشام" وحلفاؤهم المقربون من تركيا، وهم يسيطرون على نحو ثلث محافظة أدلب حاليا، فإن النتيجة ستؤول في النهاية إلى المحصلة ذاتها، إذ سيعمل النظام على بسط سيطرته على "إدلب التركية" من خلال استانة، كما دخلها الأتراك عبر بوابة استانة، لأن تمدد النفوذ التركي المفترض في إدلب، وإن تم ضمن توافقات حلفاء النظام في استانة، لن تقبل به دمشق سوى في هذه المرحلة المؤقتة، التي ما زالت فيها أجزاء مهمة من سوريا خارجة عن السيطرة وخصوصا درعا. 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر