آخر الأخبار

"فورين بوليسي": أردوغان "يسقط" في مادة الاقتصاد

2018-6-9 |

نشرت دوريه فورن بولسي مقال بعنوان "اردوغان يسقط في مادة الاقتصاد 101 " (المترجم: يبدو انه عنوان اختير عوضا عن العنوان الذي يمكن مشاهدته في الرابط: اردوغان اقتصادي مجنون وتركيا معمل تجاربه) لكاتبه بوزو دارغاي ناقش فيه تأثيرات الخطابات السياسية لاردوغان على الاقتصاد التركي عموما وعلى وضع الليرة التركية خصوصا، وما ترتب على ذلك من قلق في  أوساط المستثمرين.

ترجمه بتصريف: رامي القباطي

اجتماع اردوغان مؤخرا على مأدبة غداء مع رجال مال بريطانيين بدا وكأنه فكرة جيدة لطمأنة المستثمرين القلقين على استقرار وحيوية الاقتصاد التركي، وخصوصا بعد أن رفع البنك المركزي التركي أسعار الفائدة إلى مستوى أعلى من المتوقع، وهو 75 نقطة أساسية.

كل ذلك تبخر بعد مقابلة اردوغان الصحفية مع قناة "بلومبرغ" يوم 4 مايو الماضي، والتي أظهر فيها امتعاضه من أسعار الفائدة واستقلالية البنك المركزي، ملمحا في الوقت ذاته إلى إجراءات اقتصادية صارمة إذا فاز في انتخابات 24 يونيو القادمة.

الأسواق المالية لا تعرف الرحمة. 10 أيام تلت تلك المقابلة هبطت الليرة التركية إلى مستوى حاد لتبلغ 5 ليرات مقابل الدولار، وقد كانت 1.6 في عام 2011. تدخل البنك المركزي ليرفع أسعار الفائدة بقوه 300 نقطه أساسية أو بلغة أخرى رفع أسعار الفائدة من 13.5 إلى 16.5 نقطه مئوية، وهو ما أدى إلى توقف التدهور واستقرار العملة، ولكنه لا يكفي لتبديد المخاوف المتعلقة بأداء الاقتصاد التركي.

على وقع كلمات ألقاءها اردوغان أثناء حملة انتخابية يوم الأربعاء 23 مايو، انخفضت الليرة مجددا في اليوم التالي، وكان أثر تلك الكلمات عميقا وسلبيا في المستثمرين القلقين أساسا. "إن توجه اردوغان إلى التحكم في النظام المصرفي وتقليص استقلالية البنك المركزي كان أمرا يتابعه المستثمرون منذ وقت"، يقول بول جرير وهو خبير مالي مقيم في لندن ومتخصص في الشأن الاقتصادي التركي. يضيف "بول": "إذا كان هدف اردوغان (من هذه التصريحات) هو إرضاء وطمأنة المستثمرين، فإن هذه التصريحات كان تأثيرها عكسيا تماما".

بتمويل عبر قروض دولية وبفوائد منخفضة وانطباع دولي إيجابي تجاه الأسواق الناشئة، ازدهر الاقتصاد التركي بشكل متوال منذ قدوم اردوغان وحزبه -العدالة والتنمية- بعد أزمة اقتصاديه شهدتها تركيا في بداية الألفية الجدبدة. محاطا باقتصاديين متميزين من أمثال علي باباكان، والذي عمل نائبا لاردوغان الشؤون الاقتصادية، كسب اردوغان سمعة طيبة لإتباعه سياسات اقتصاديه إيجابيه جلبت المستثمرين إلى تركيا.

لكن شخصيات هامة مثل بابكان ابتعدت عن اردوغان في السنوات الأخيرة والأمور سارت في منحى سقيم. فقدت العملة التركية 60% من قيمتها في السنوات الخمس الأخيرة. الليرة التركية انخفضت بمعدل 20% مقابل الدولار الأمريكي هذه السنة. الدين الخارجي التركي ارتفع بشكل كبير ليصل إلى 45.3 مليار دولار. الميزان التجاري التركي بين الصادرات والواردات لعام 2017 سجل عجزا بمبلغ 47.1 مليار دولار في مقابل 32.4 مليار دولار لعام 2016.

الاقتصاديون والمستثمرون يرجعون الأمر، إجمالا، إلى النفور الحالي من الأسواق الناشئة، ولكنهم في حالة تركيا يضيفون السياسة الاقتصادية غير التقليدية التي ينتهجها اردوغان. "آراؤه (اردوغان) مهمة الآن أكثر منها في أي وقت في خلال العشر سنوات الماضية"، يقول باول ماكنمار، وهو مدير الاستثمار لدى (جي أ ام )، وهي شركة لإدارة الأصول في زيورخ. يضيف ماكنمار: "في الماضي كان اردودغان يقول ما يقوله لأسباب سياسية ليتدخل البنك المركزي بعدها ويرفع أسعار الفائدة، أما الآن، فمثل هذه التصرفات لا تجدي نفعا".

وقد علق خبراء على بعض تصريحات اردوغان الاقتصادية، والتي لا تتناسب مع المقاييس الاقتصادية المتعارف عليها دوليا:

1- "الفوائد -على القروض- هي أم كل الشرور":

كرر اردوغان اعتقاده أن أسعار الفائدة العالية تسبب التضخم. هذا الاعتقاد يتعارض مع المبدأ الاقتصادي أن تشديد التدفق المالي يخفض من التضخم. بعض المدافعين عن اردوغان يقولون إن هذه الفكرة متأصلة في أطروحات الاقتصادي، ارفنج فيشر، والذي تمسك بفكرة أن بلدا ما يستطيع الخروج من حالة الركود برفع أسعار الفائدة. اردوغان عارض "لوبيات" أسعار الفائدة منذ بدايات وصوله للسلطة، لكن الآن، يبدو الأمر وكأن شجب اردوغان للفائدة مبني على الرؤية الإسلامية والنصرانية للربا على أنه ذنب. والأدهى من ذلك، والذي يقلق المستثمرين، هو تكراره رغبته في تقويض استقلاليه البنك المركزي. "الكثير من المستثمرين الأجانب اعتقدوا طيلة السنوات الماضية أن موقف اردوغان تجاه أسعار الفائدة المرتفعة هو موقف انتقادي تقليدي لسياسي"، يقول أنان ديمر، اقتصادي لدى شركة نوميرا المالية اليابانية. ويستدرك قائلا: "لكن في الفترة الأخيرة، خصوصا، أصبح كثير من المستثمرين في لندن يرى أن الأمر مختلف، وهو متجذر في اعتقاداته".

2- "نمو نمو نمو":

الجانب الأكبر في النمو الاقتصادي الذي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة، مرده إلى السيولة المالية الضخمة، التي حدثت عبر القروض السهلة وكانت تذهب إلى شركات أعمال البناء والتطوير، والتي تعد من الحلفاء السياسيين لاردوغان. ويرتبط إيمان اردوغان الظاهر بالقروض الرخيصة بقناعة تامة بأن تركيا يمكن أن تنمو دون أي حدود. ويبدو أن اردوغان على قناعة أن الاقتصادي التركي قادر على النمو بمعدل 7 بالمائة سنويا دون أي تأثيرات جانبية.

لكنَ الاقتصاديين يحذرون من أن أي نمو لا يُتحكم فيه، سيسرَع في دخول الاقتصاد التركي إلى وضع الركود آخذين في الاعتبار نسبه التضخم الحالية، والتي تقدر بـ10%. في مثل هذه الحالة، فإن مدخرات المواطنين ستكون عرضه للتآكل. ويرى صندوق النقد الدولي واقتصاديون أن نسبه النمو السنوي المناسبة للاقتصاد التركي لابد أن لا تتجاوز 4%. وفي هذا يقول "اتيلا يسيلادا"، وهو استشاري اقتصادي في اسطنبول: "كل اقتصاد يمكن أن ينمو وفق نسبة معينو، وإن حاولت التعجيل بالنمو ستصنع تضخما، لكن علم الاقتصاد الاردوغاني يرفض ذلك".

3- "سيأتي المستثمرون مهما كان الأمر":

تدفق موجة من الاستثمار الأجنبي إلى قطاعات عديدة داخل الاقتصاد التركي في السنوات المنصرمة، وأحدثت هذه انتعاشا باهرا للاقتصاد التركي. لكن عدد الاستثمارات الأجنبية في تركيا في تناقص مستمر مع انخفاض سعر الليرة. اردوغان لم يتحرك لحل المشكلة، وعمل على الدخول في صراعات مع دول تستثمر بقوه في الاقتصاد التركي، منها ألمانيا وفرنسا وهولندا. ولم يعمل اردوغان على تبديد مخاوف الشركات الأجنبية من أن تتجه تركيا أن تكون بلدا غير مستقر سياسيا، وخصوصا بعد محاوله الانقلاب عام 2016، والتي تلها مصادرة أصول شركات لشبهة الارتباط بالانقلاب وفقط.

4- "إقرار ضرائب إضافية على الطبقة الوسطى":

ترى الكثير من الدول المتقدمة في الطبقة المتوسطة العجلة المحركة للاقتصاد والإبداع. لكن تركيا في عهد اردوغان شهدت سياسات ضريبية صارمة، كافأت الفقراء والأغنياء على حساب المستهلكين وموظفي الخدمة العامة ومعظم الطبقات العلمانية والحضرية، والتي لا تصوت عادة لحزب اردوغان. ضريبة استهلاك بنسبه 18 بالمائة تمول معظم الاقتصاد التركي، بينما تخصم ضرائب موظفي الخدمة المدنية وعمال الأجر من الراتب. وتمثل ضرائب الاستهلاك غير المباشرة، والتي تُجبى من المستهلكين تمثل في حوالي 70 بالمئين من الضرائب التركية.

وفي الوقت ذاته، فإن الفقراء وذوي الدخل الضعيف يستفيدون من خدمات توفرها لهم منظمات محلية تدعمها حكومة اردوغان. "مؤيدي اردوغان في العادة من ذوي الأعمال التجارية الخاصة، وهؤلاء على أي حال يدفعون ضرائب منخفضة. أضف إلى هذا أن ضرائب الدخل في تركيا يقدمها المرء (المترجم: يقصد أنه لا توجد آلية تتبع الدولة للتحقق السنوي من ضرائب دخل المواطنين. فبالتالي يسهل التهرب الضريبي)"، يقول سليم زازاك وهو خبير في معهد ديلما في واشنطن (معهد ديلما هو بيت خبره يتبع اماره ابوظبي).

ثم إن الإعفاءات الضريبية على الشركات الكبرى أزاحت الثقل عن كاهل الأغنياء. وهذا من شانه أن يقوي العلاقة بين كبار رجال المال والحزب الحاكم في تركيا. إذ منذ وصول اردوغان إلى السلطة في 2002 قدمت الحكومة 7 إعفاءات ضريبية، و"إذا كررت مثل هذه التصرفات، فانك تكرس انطباعا بأنني لست في حاجه لدفع الضرائب"، يقول يسيلدا. ويقول سليم زازاك: "الأمر برمته يمثل إستراتجية "روبن هوود"، خذ من عدوك وامنح مؤيديك".

حتى وبعد أن تنحى اردوغان جانبا ليسمح لفريقه الاقتصادي برفع هام لسعر الفائدة، إلا أنه غلف الأمر ليبدو وكأنه حرب ضد الدولار. المسؤلون الأتراك وصفوا حالة الألم التي تمر بها الليرة التركية على أنها جزء من مؤامرة من جهات لم يسموها، هدفها تشويه سمعه اردوغان. فيما يبدو أنها محاولة للعب بورقة القومية التركية.

وفي هذا، قال نائب رئيس الوزراء التركي، بكير بوزداك: "أولئك الذين يعتقدون أنه مضاربتهم بأسعار الصرف سيصلون إلى نتيجة تضر الأمة وستغير نتيجة الانتخابات، هم مخطئون". وفي السياق ذاته، قال صهر اردوغان ووزير الطاقة التركي، بيرات البيارق، واصفا وضع الليرة المقلق: "أمر خطط له خارجيا".

ومقارنة بالسعودية، فإن تركيا لا تملك احتياطات نفطية هائلة أو فائضا في العملة الأجنبية لتمويل المشاريع الطموحة، ومع هذا فإنها أنشأت في 2016 صندوقا سياديا يستخدم الأصول العامة ضمانا لتمويل المشاريع، ولم يحقق هذا أي نجاح. استخدمت تركيا أملاك الدولة، وخصوصا الأراضي لتوفير سيولة مالية، وفي هذا يقول ديمر: "تركيا ليس لديها الآن أي فائض مالي، وليس لديها موارد طبيعية، ويصعب فهم كيف لبلد في مثل هذا الوضع أن ينشئ صندوقا سياديا".

في يناير الماضي أعلنت وكاله "فيتش للتقييم المالي، أنها أغلقت مكتبها في تركيا بعد تصريحات سلبية لاردوغان استهدفت وكالات التقييم المالي، مثل فيتش ومودز وستاندر وبورز بعدما قامت بتخفيض مستوى تركيا الائتماني. رد اردوغان على التخفيض بالقول إنه يتوجب على المستثمرين إهمال مثل هذه التقييمات التي وصفها بأنها ذات دوافع سياسية.

وجه أردوغان، العام الماضي، كلامه لوكالات التقييم المالي، قائلا: "ليس من شأنكم أن ينجز أو لا ينجز الاستفتاء على التعديلات الدستورية: من أنتم؟". ومثل هذه التصريحات تقلق المستثمرين. "هذه التصريحات غير مشجعه." يقول تيموثي اش، إستراتيجي مالي متخصص في الأسواق الناشئة لدى بلوباي لإدارة الأصول المالية. ويضيف: "لوكالات التقييم المالي وظيفة معينة، ومواجهتها بهذه الصورة ليس بالتصرف الحكيم". يقول خبير مالي أخر من شركه فيدليتي الدولية: "أرقام التقييم لا تكذب. مهاجمة وكالات التقييم تعطي الانطباع بان السلطات التركية لم تتعرف بعد على الاختلالات."

وراء عداء اردوغان لوكالات التقييم المالي والتوظيف المفرط لنظرية المؤامرة والإشارة إلى أن الضرر الاقتصادي الحالي في تركيا سببه قوى أجنبية، يكمن الاستياء من المستثمرين الدوليين الذين أسهموا وبقوة في انتعاش الاقتصاد التركي ويتبنون الآن رأيا آخر.

الرابط: http://foreignpolicy.com/2018/05/25/erdogan-is-a-mad-economist-and-turkey-is-his-laboratory/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر