المركز الثاني عالميا في الإنفاق على البحوث: الصين تتحدى الهيمنة الأمريكية على العلوم

2018-6-4 | خدمة العصر المركز الثاني عالميا في الإنفاق على البحوث: الصين تتحدى الهيمنة الأمريكية على العلوم

روت صحيفة "واشنطن بوست" قصة الباحث الإسباني الشاب الطموح، جاء خوسيه باستور-باريجا، وهو مثل العديد من العلماء الشباب الطموحينّ، سافر إلى الولايات المتحدة ليحقق نجاحًا كبيرًا في حياته المهنية. وعمل في المختبرات المتطورة لجامعة "ييل" وتعاون مع خبراء في مجاله ونشر في المجلات المرموقة.

لكن جاذبية أمريكا سرعان ما بدأت بالتراجع. كافح عالم الوراثة الإسباني ليجدد إقامته، حتى إنه احتُجز لساعتين في مطار مدينة في مدينة نيويورك بعد عودته من رحلة، وفي عام 2012، اتخذ القرار المفاجئ بترك منصبه البحثي والانتقال إلى الصين. وقال باستور باريجا "إنها فرصة لا يغتنمها كثيرون"، لكن من الصعب مقاومة الامتيازات، وهي عبارة عن مكافأة مربحة وضمان تمويل البحوث وفريق تقني وفرصة لبناء مركز أبحاث علم الوراثة من الصفر

بعد عقود من الهيمنة الأمريكية، صعد العلم الصيني، وهو يجذب العلماء، مثل باستور باريخا، بعيدا عن الولايات المتحدة. وحتى المزيد من العلماء المولودين في الصين يعودون من الخارج إلى فرصة علمية جديدة.

وتنفق الولايات المتحدة نصف تريليون دولار سنويا على البحث العلمي، أكثر من أي دولة أخرى على وجه الأرض، ولكن الصين اندفعت إلى المركز الثاني متجاوزة الاتحاد الأوروبي، الثالث، وتراجعت اليابان إلى المركز الرابع. وتبدو الصين في طريقها لتجاوز الولايات المتحدة بحلول نهاية هذا العام، وفقا لمجلس العلوم الوطني. في عام 2016، تجاوز عدد المطبوعات العلمية السنوية من الصين عدد المطبوعات من الولايات المتحدة للمرة الأولى.

"يبدو أن هناك تغييرا كبيرا في كيفية حديث الناس عن العلم الصيني"، كما قال آلانا كروليكوفسكي، وهو خبير في العلوم الصينية في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا. وكثير من المراقبين الأجانب "هم الآن في حالة رعب ممَا أنجزته السياسات الصينية".

التقدم العلمي هو جزء صغير من طموحات الصين الأكبر. إذ يتطلع الرئيس، شي جين بينغ، إلى إزاحة الولايات المتحدة من موقع الصدارة الاقتصادية في العالم في غضون ثلاثة عقود. وفي أكتوبر الماضي، تعهد "شي" بإنشاء "جيش من الطراز العالمي بحلول عام 2050".

في هذه الأثناء، تنفق الصين على البنية التحتية أكثر من الولايات المتحدة أو أوروبا. لقد تضخمت الطبقة الوسطى، مما يجعل الانتقال أكثر جاذبية. وقال "باستور باريجا": "المزيد والمزيد من الناس يستمرون في القدوم...فالصين، الآن، هي أفضل مكان في العالم لبدء مختبر خاص بك".

وفي ظل إدارة ترامب، يقول العديد من الباحثين الأمريكيين إن قيمة عملهم خُفضت، وهم مهددون بالتخفيضات في الميزانية وتعوقهم سياسات الهجرة الصارمة، التي يمكن أن تؤثر في التعاون الدولي وتدفق المواهب التي غذت الابتكار الأميركي لفترة طويلة..

ونقلت الصحيفة عن "دينيس سيمون"، الذي درس العلوم الصينية لمدة 40 عاما، وهو نائب المستشار التنفيذي لجامعة ديوك كونشان، أن البيت الأبيض، الذي يفتقر إلى المشورة العلمية لأكثر من عام، يفتقد إلى القيادة العلمية. وقال إن التعاون بين الباحثين الأمريكيين والصينيين يتعرض للتهديد، فالقيود الأخيرة على تأشيرات H-1B تبعث برسالة إلى طلاب الدراسات العليا الصينيين بأن "الوقت قد حان للرجوع إلى بلدك عند الانتهاء من شهادتك"، ومنذ عام 1979، حافظت الصين والولايات المتحدة على اتفاقية ثنائية والتعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا، والشراكة في تدريس الطب الحيوي والفيزياء عالية الطاقة. في الماضيـ كان توقيع الاتفاقية مسألة اعتيادية، كما قال سايمون، لكن لم يعد الأمر كذلك اليوم.

وقال باستور باريجا، الذي غادر "ييل" إلى "بيكين" (متخصص في دراسات بيولوجيا الخلية باستخدام ذباب الفاكهة) إن هذا التخصص يكافح في الولايات المتحدة، حيث انخفض التمويل. وأما في الصين، فهناك الآن 30 مختبرا لـ"ذبابة الفاكهة" في بكين، أكثر من بوسطن أو سان فرانسيسكو، وبدأ العلماء يجتمعون كل شهرين لمشاركة أحدث أعمالهم. "وعلى هذا المعدل، قد تتفوق الصين قريباً على الولايات المتحدة"، كما حذر النائب الديمقراطي في الأمريكي، بيل نلسون، حذر في جلسة استماع في الكونغرس في يناير حول وضع العلوم الأمريكية، مستدركا: "وسوف نفقد الميزة التنافسية في العالم".

وقالت الصحيفة إن السباق العلمي المزدهر مهم جدا لقادة الصين، ويرجع ذلك جزئيا إلى ما يُقال عن المكانة العالمية المتنامية للبلاد. ففي السنوات الأخيرة، استثمرت الحكومة في المساعي العلمية من أجل الحصول على الميزة الإستراتيجية.

يوجد في الصين 202 من أقوى 500 حاسوب في العالم، و60 نظاماً أكثر من الولايات المتحدة. وبنوا أكبر تلسكوب لاسلكي، طبق ضخم يبلغ طوله 500 متر، يُدعى "التلسكوب الكروي ذو الفتحة". وقد وجه الرئيس ترامب "ناسا" لإعادة رواد فضاء إلى القمر. لكن يمكن أن يكون القمر مزدحماً عند وصوله: تخطط كل من الصين والهند لإطلاق رحلات إلى القمر هذا العام. وتتعاون الصين مع وكالة الفضاء الأوروبية على قاعدة القمر المحتمل.

وهذه المتغيرات صنّفتها الصحيفة في سياق الخطة التي وضعتها الصين للتصدي لهيمنة الولايات المتحدة في مجالات السياسية والاقتصاد والتكنولوجيا، ولتخطّيها في نوعية وكميّة الإنتاج العلمي. على سبيل المثال، تمثّلت إحدى أهم إنجازات الصين في نجاحها لأول مرة في عام 2017 في إرسال رسائل "مضادة للاختراق" من قمر صناعي إلى الأرض. وجرت، حينذاك، حماية الرسائل من الاختراق من خلال استخدام الفيزياء الكمية التي تتيح إمكانية اكتشاف أي محاولة للتنصت على الرسائل، في تجربة قال الخبراء حينها إنها يمكن أن تفتح الباب على مصراعيه أمام تقنية "الإنترنت الكمي". وفي مجال علم الفلك أيضاً، دشنت منذ فترة قصيرة أكبرَ مرصد فلكي في العالم لرصد الموجات الراديوية القادمة من الفضاء لدراسة المجرات والثقوب السوداء وماضي الكون.

وفي مطلع العام الحالي، نجح باحثون صينيون لأول مرة في استنساخ اثنين من قردة "المكاك" بالطريقة نفسها التي استُنسخت بها النعجة "دوللي"، لتسجل بذلك إنجازاً علمياً في إطار تطوير الأبحاث المتعلقة بالأمراض الجينية للبشر، من بينها السرطان والاضطرابات المناعية. وكشف الزعماء الصينيون مؤخراً عن خطط لأن يصبحوا رواد العالم في الذكاء الاصطناعي، ويطمحون إلى تحويل هذا الحقل إلى صناعة بقيمة 150 مليار دولار بحلول عام 2030.

وفي العقد الأول من الألفية الثانية (سنة 2000 وما بعدها)، أعلن قادة الحزب الحاكم هدفًا طموحًا مدته 15 عامًا يتمثل في تخصيص 2.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للصين للبحث العلمي والتطوير بحلول عام 2020. وقد سنوا قواعد فرضت على الشركات الغربية، المتعطشة للوصول إلى سوق الصين، تبادل التكنولوجيا مع نظرائهم الصينيين. ووفقًا للوكالات الأمريكية، فقد سرقت أجهزة الجيش والمخابرات الصينية أيضًا الأبحاث من شركات وقطاعات التكنولوجيا الأمريكية الرئيسة.

 وفي عام 2015، أعلن لي كه تشيانغ ، رئيس الوزراء الصيني، خطة "صنع في الصين عام 2025" ، لتعزيز الطيران والروبوتات وغيرها من الصناعات ذات التقنية العالية، التي أصبحت في الآونة الأخيرة نقطة توتر بين الولايات المتحدة والصين، عندما اقترحت إدارة ترامب التعريفات الجمركية التي تستهدف هذه الصناعات. وكان أحد أكثر خطط الصين نجاحًا، داخل المجتمع العلمي، برنامج تجنيد قوي أطلق عليه "ألف موهبة".

على مدى العقد الماضي، استهدف البرنامج الصينيين الذين درسوا في جامعات النخبة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. واستقطب الخبراء المدربين في الخارج عبر إغرائهم ماليا. كما تقرب البرنامج من عدد من العلماء المولودين في الخارج الذين فازوا بجوائز مرموقة أو قدموا مساهمات علمية معترف بها دوليًا.

وأصبح أحد المجندين، وهو من سكان كاليفورنيا يُدعى "جاي سيغل"، عميد كلية العلوم والتكنولوجيا الدوائية في جامعة تيانجين. وقام بتشجيع العالم "فريزر ستودارت" من جامعة نورث وسترن، الذي حصل على جائزة نوبل في عام 2016 لعمله في مجال "لآلات الجزيئية"، لإنشاء مختبر في تيانجين كأستاذ زائر. وقال تسونغ تساو، الذي يدرس سياسة العلوم الصينية في جامعة نوتنغهام في نينغبو بالصين: "عندما ظهر البرنامج في عام 2008، كان التوقيت شبه مثالي بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية"، موضحا: "لقد نجح البرنامج الآن، وقد فاق التوقعات".

وقد جلب البرنامج أكثر من 7000 عالما ورجل أعمال إلى الصين، كما تقول الحكومة. ويُمنحون مكافأة توقيع بقيمة 160 ألف دولار، وكثيراً ما تضمن الحكومة تمويل الأبحاث لسنوات قادمة. وكثيراً ما يحصل العلماء المولودون في الخارج على امتيازات إضافية، مثل إعانات الإسكان والوجبات وإعادة التوطين والمكافآت الإضافية من الحكومة الإقليمية والوظائف المضمونة للزوجات والرحلات المنتظمة في الوطن.

وكانت جاذبية الصين المتنامية للباحثين واضحة عندما قررت جامعة "ديوك" افتتاح جامعة مشتركة جديدة للدراسات العليا والبحثية مع جامعة ووهان في مقاطعة هوبي بالصين في عام 2013، وسرعان ما تخطى المتقدمون للوظائف القليلة الأولى كل التوقعات. "كنا نبحث عن 20 شخصا ;حصلنا على 1300 طلب"، كما قال سايمون، مستشار جامعة دوك كونشان. مضيفا:  "عبر الناس من جميع أنحاء العالم عن اهتمامهم".

وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على زيادة كمية ونوعية موهبتها المحلية. ووفقًا لإحصاءات مؤسسة العلوم الوطنية، فإن الصين قد التحقت، تقريبا، بالولايات المتحدة في العدد السنوي لدرجات الدكتوراه في العلوم والهندسة، حيث بلغت 34000 مقابل 40000.

وفي المحصلة، فإن ازداد الإنفاق على الأبحاث والعلوم الأساسية أسهم في تحوّل الصين إلى مركز بحثيّ متطور، استطاع، في خلال العقد الأخير، أن يستقطب ويحتضن ويستثمر طاقات مواطنيه، الذين كانوا يتوجهون إلى أوروبا وأمريكا ليبقوا على تماس مع أهمّ وآخر الاكتشافات والأبحاث العلمية.

** رابط التقرير الاصلي: https://www.washingtonpost.com/national/health-science/china-challenges-american-dominance-of-science/2018/06/03/c1e0cfe4-48d5-11e8-827e-190efaf1f1ee_story.html?utm_term=.fda3106ffdfd


تم غلق التعليقات على هذا الخبر