كان وراء الانسحاب من الاتفاق الإيراني: هيمنة بولتون على البيت الأبيض تعيق التسوية الخليجية

2018-5-15 | كان وراء الانسحاب من الاتفاق الإيراني: هيمنة بولتون على البيت الأبيض تعيق التسوية الخليجية

واشنطن - من حسين. ع

نقلت مصادر رفيعة داخل الإدارة الأميركية أن حظوظ التوصل إلى تسوية خليجية، بدفع من الولايات المتحدة، تراجعت إلى حدّها الأدنى، مع تقدم الجناح المتشدد، الذي يقوده مستشار الأمن القومي جون بولتون، داخل الإدارة.

وأشارت المصادر إلى أن قرار انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران أكّد مخاوف جناح المعتدلين في إدارة الرئيس دونالد ترامب من سيطرة نظرائهم المتشددين، بقيادة بولتون، على السياسة الخارجية الأميركية بشكل عام، لافتة إلى أن كيفية اتخاذ قرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق أظهرت بشكل واضح هيمنة مستشار الأمن القومي وفوزه باهتمام ترامب.

وكشفت في هذا السياق، أن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي لم يُناقش، حسبما تتطلب الأصول، داخل "فريق الأمن القومي" الموسع، الذي يضم عادة وزراء الخارجية والدفاع والخزانة وقائد الأركان وقادة الوكالات الاستخبارية، بل إن ترامب اتخذ قراره بعد مشاورات داخل حلقته الضيقة في البيت الأبيض، وهي مشاورات قادها بولتون.

ومع عدم انعقاد "فريق الأمن القومي" الموسع، غابت عن النقاش أصوات المعتدلين في الإدارة، أو من يطلق عليهم تسمية "المؤسسة الحاكمة" (استابلشمنت)، وفي طليعتهم وزير الدفاع جيمس ماتيس. حتى وزير الخارجية مايك بومبيو، المقرّب جداً من ترامب والمحسوب على الصقور داخل الإدارة، انهمك في الملف الكوري الشمالي، وغاب عن النقاشات التي سبقت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.

وقبل دخوله الإدارة، كان بولتون من الأصوات التي علت مطالبة بتبني الولايات المتحدة سياسة متشددة تجاه قطر. ويعتقد البعض أنه في فترة ما قبل دخوله الإدارة، كان بولتون يتمتع بخط اتصال شخصي مع ترامب عبر الهاتف الشخصي لهذا الأخير، أي أنها كانت قناة اتصال بعيدة عن أعين رئيس موظفي البيت الأبيض جون كيلي ومستشار الأمن القومي السابق هربرت ماكماستر.

ويعتقد المتابعون أن بولتون استخدم هذه القناة لدفع ترامب لاتخاذ موقف متشدد تجاه قطر في الأيام الأولى التي تلت اندلاع الأزمة الخليجية التي تقارب العام من عمرها. لكن مع توالي الأيام والأسابيع، تراجع نفوذ بولتون لأسباب غير معروفة، وأمسك بزمام السياسة الخارجية الثنائي المعتدل ماتيس ووزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون. ونجح الاثنان في دفع ترامب نحو الوسط في موضوع الأزمة الخليجية، وفي حمله على تبني سياسة الدفع باتجاه تسوية بين قطر، من ناحية، والسعودية والإمارات والبحرين ومصر، من ناحية ثانية.

ومع تقدم جناح ماتيس - تيلرسون، أقنع الوزيران الرئيس الأمريكي بضرورة تمديد الإعفاء من العقوبات الأميركية على إيران وبقاء الولايات المتحدة في الاتفاق النووي. لكن شخصية ترامب المتقلبة، التي يمكن أن تكون قد ترافقت مع بعض التحريض من بولتون، دفعت الرئيس إلى إقالة تيلرسون، والعودة إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه الاتفاق مع ايران، وفي وقت لاحق إلى الإطاحة بماكماستر وتعيين بولتون مكانه.

وبدخوله البيت الأبيض، نجح بولتون في الاستحواذ على اهتمام وثقة الرئيس الأميركي. ويقول العارفون إن بولتون "يعرف مزاج ترامب، ويعرف كيف يتكلم معه بلهجته، ويربط له الملفات الخارجية بشعبيته في الداخل وبتأييد مجموعات الضغط المختلفة له حسب اتجاه قراراته الخارجية".

وبعد تعيين بومبيو وزيراً للخارجية، قام الأخير بمحاولة أخيرة لرأب الصدع الخليجي، وزار المنطقة في محاولة لمتابعة رسالة سرية كان أرسلها الرئيس الأميركي إلى زعماء الخليج، حضهم فيها على تبني تسوية حدد إطارها في نقاط رسالته. وتصدر التسوية موضوع وقف الحملات الإعلامية المتبادلة بين قطر وخصومها. إلا أن وقت بومبيو واهتمامه كانا قصيرين، وكذلك المهلة التي حددها بولتون داخل الإدارة، والتي قضت بإنهاء الوساطة الأميركية في حال فشل مسعى بومبيو، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران بغض النظر عمّا يحصل في الخليج.

وفي وزارة الدفاع، بدا الاستياء على قادتها الذين تم استبعادهم عن قراريْ إنهاء الوساطة الأميركية في الأزمة الخليجية والانسحاب من الاتفاق مع إيران. لكن من يعرف واشنطن يعرف ان «شهر العسل» للأجنحة المختلفة داخل البيت الأبيض ما يلبث أن يمضي، خصوصاً إن لم يقدم نتائج مرجوة يمكن للرئيس الركون إليها وتقديمها بمثابة إنجازات تساهم في إعادة انتخابه لولاية ثانية.

في حالة بولتون، تبدو خطوة الانسحاب من الاتفاق مع إيران عقائدية أكثر منها واقعية، ولا يبدو أنها ستؤدي إلى التوصل للنتائج المطلوبة، خصوصاً إذا استمرت أوروبا وشركاتها في عصيان الموقف الأميركي بعد مرور 180 يوماً، وهي المهلة التي حددها البيت الأبيض لهذه الشركات للانسحاب من عقودها مع إيران، ما يحبط محاولات واشنطن لفرض أداء سلبي على الاقتصاد الإيراني.

فإذا ثبت عدم فاعلية الانسحاب الأميركي، قد يؤثر ذلك سلباً في موقع بولتون داخل الإدارة والحظوة التي ينالها في أعين الرئيس، المعروف بتقلباته وبملله من الشخصيات التي يقرّبها منه، ثم ما يلبث أن يتخلص منها عند اعتقاده أنها تؤذي صورته أو فرص إعادة انتخابه. وقتذاك، قد يعود المعتدلون إلى الصدارة، وقد تعود واشنطن إلى محاولاتها للتوصل إلى التسوية الخليجية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر