"أستانا 9": هل حسمت تركيا مصير إدلب؟

2018-5-14 |

بقلم: خالد الخطيب / صحيفة "المدن"

دخل رتل عسكري تركي، فجر الاثنين، من معبر كفر لوسين شمال غربي ادلب، وتوجه نحو نقطة المراقبة الحادية عشرة التي أنشأها الجيش التركي في جبل شحشبو في ريف حماة الغربي، قرب قرية ميدان غزال شمالي قلعة المضيق. وضمّ الرتل أكثر من 50 آلية عسكرية، من بينها مدرعات ودبابات وناقلات جنود وآليات خاصة بالتحصين العسكري. ومن المفترض أن تؤمن نقطة المراقبة الجديدة مناطق في ريف حماة الغربي وسهل الغاب غربي إدلب.

نقطة المراقبة ال11، هي النقطة الثانية التي يقيمها الجيش التركي في ريف حماة، وسبقتها نقطة أولى شرقي مدينة مورك في ظهرة ميسون في ريف حماة الشمالي، بداية نيسان/أبريل، وهي من أكبر نقاط المراقبة التي أنشأها الجيش التركي. وكانت فرقة استطلاعية من الهندسة العسكرية التركية قد تجولت خلال الأيام القليلة الماضية في ريف حماة الغربي، يرافقها مقاتلون وقادة من "جيش النصر"، واستطلعت المنطقة القريبة من قلعة المضيق. وتبعتها جولة أخرى في منطقة جبل الأكراد في ريف اللاذقية. فرق الاستطلاع حددت مواقع نقاط المراقبة، وباشرت في عمليات التجهيز لاستقبال الأرتال في أسرع وقت ممكن.

وأكد مصدر عسكري معارض أن نقطتي المراقبة 11 و12 اللتين حددهما الجيش التركي، تم اختيارهما بشكل مفاجئ، برغم الفوضى الأمنية في ادلب. دخول الارتال العسكرية بهدف التمركز كان سريعاً على عكس ما جرى في نقاط المراقبة السابقة، ضمن مساعٍ تركية لإنهاء انتشار قواتها في كامل النقاط المتفق عليها سابقاً في أستانة، قبل بدء الجولة الجديدة من المفاوضات.

وتوقع المصدر أن يدخل الرتل الثاني للجيش التركي في خلال الساعات المقبلة ليتمركز في نقطة المراقبة 12 في جبل الأكراد، التي يفترض أن تغطي كامل ريف اللاذقية الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة وريف جسر الشغور الغربي في ريف ادلب. ويفترض أن تكون النقطتان 11 و12 آخر نقاط انتشار القوات التركية في المنطقة. كما يُفترضُ أيضاً أن يبدأ العمل بنشر نقاط أصغر، ما بين النقاط الكبيرة الـ12، على شكل مخافر.

ومع نشر آخر نقطتين مراقبة للجيش التركي، ستكون إدلب وأرياف حماة وحلب التي تحيط بها في مأمن من العمليات العسكرية التي لطالما لوحت بها مليشيات النظام في الآونة الأخيرة، ما يُغلق الباب أمام احتمال تقدم المليشيات في ريف اللاذقية أو منطقة جسر الشغور.

ورافق استعجال الجيش التركي نشر آخر نقاط المراقبة تصريحات لمسؤولين أتراك حول اقترابهم من عملية تأمين ادلب ومحيطها. وتزامنت المساعي التركية والتصريحات الأخيرة لمسؤوليها، مع تعاطٍ روسي أكثر ليونة بخصوص إدلب. إذ ألمحت قاعدة حميميم الروسية إلى تخلي روسيا عن فكرة اقتحام ادلب بهدف قتال "هيئة تحرير الشام" مقابل حل الأخيرة لنفسها بطرق سلمية تفادياً للمواجهة العسكرية التي ستكون كارثية على المنطقة. التلميحات الروسية تتوافق مع مساعٍ تركية للتخلص من "تحرير الشام" بأقل الخسائر الممكنة.

ومن المحتمل أن تأخذ تركيا معها إلى جولة مفاوضات أستانة الحالية، الإثنين، تصوراتها عن الخريطة العسكرية في ادلب، بغرض التفاهم على مرحلة ما بعد نشر نقاط المراقبة، وعملية تطهير المنطقة من التنظيمات التي تراها روسيا إرهابية لا يمكن بقاؤها في المنطقة؛ كـ"حراس الدين" و"تحرير الشام" و"لواء الأقصى" وغيرها من الخلايا والجماعات المرتبطة بـ"القاعدة" أو تنظيم "الدولة الإسلامية".

الخطوات الأولى لإعادة هيكلة الخريطة العسكرية في إدلب ستكون شبيهة إلى حد ما بنظيرتها التي جرت في منطقة "درع الفرات" قبل عام تقريباً، إذ تعمل تركيا على تجميع الفصائل المعارضة المطواعة في جسم عسكري واحد تديره مباشرة. التشكيل الجديد مهما كانت تسميته، سيصبح القوة الضاربة في إدلب.

ومن المفترض أن يبدأ التشكيل الجديد في عملية التوسع على حساب بقية الفصائل التي ما زال لديها هامش حرية خارج التوجهات التركية في المنطقة، بحيث تصبح الفصائل المستهدفة أمام خيارين؛ القبول بالشروط التركية والانضمام إلى التشكيل الجديد، أو الوقوع في فخ التضييق وقطع مصادر الدعم عنها ما يؤدي إلى تفككها وانضمامها على شكل مجموعات صغيرة للتشكيل الكبير. بطبيعة الحال، لا يشمل ذلك التنظيمات المرتبطة بـ"القاعدة"، أو حتى "تحرير الشام" الموضوعة أمام خيارين: القتال أو حل نفسها.

في "درع الفرات" تم تشكيل نواة "الجيش الوطني" فور الانتهاء من العملية العسكرية ضد تنظيم "الدولة"، وضم التشكيل حينها فصائل السلاطين التركمانية التي تديرها أنقرة مباشرة؛ "لواء السلطان سليمان شاه" و"لواء السلطان محمد الفاتح" و"لواء سمر قند" وغيرها. واستغلت أنقرة فرصة اقتتال الفصائل قبل شهور قليلة حول المعابر، لتفرض على الجميع الانضمام إلى "الجيش الوطني" على الرغم من أنه ما زال مظلة عسكرية غير فاعلة بالشكل المطلوب، إلا أن الخطوات التركية نحو تفعيلها جارية، بما يشمل تنظيم انتشار السلاح، وشروط الانتساب، وغيرها من القوانين التنظيمية التي بدأت بفرضها على الفصائل. وفي حال امتنع أحد الفصائل عن الامتثال للأوامر، تتم معاقبته بالفصل وقطع الدعم المالي عنه، وحتماً سيكون مصير الفصيل التفكك لاستحالة الحصول على مصادر دعم أخرى.

وقد تشهد إدلب في الأيام القليلة المقبلة الإعلان عن تشكيل عسكري تدعمه تركيا، ويتزعمه "فيلق الشام" الذي بقي بعيداً عن كل التحالفات في خلال الفترة الماضية، ربما من أجل هذه المهمة. ويبدو أن الفصائل التي من المفترض أن يضمها التشكيل الجديد، وهي 10 فصائل على الأقل، من بينها "فيلق الشام" و"جيش ادلب الحر" و"جيش النصر" و"الجيش الثاني" و"الفرقة الوسطى" و"الفرقة الساحلية الأولى"، وغيرها، قد اتخذت القرار فعلاً في الانضمام إلى التشكيل الجديد. وربما خلال الأيام التي ستلي جلسة المفاوضات الحالية في أستانة، ستشهد الإعلان عن التشكيل الجديد.

وصرح الناطق الإعلامي باسم "جيش النصر"، محمد رشيد، أن المشاورات بين الفصائل مستمرة حتى الآن، وهناك بعض التفصيلات التي يتم بحثها الآن في ما يخص آلية عمل دمج الفصائل، وبحث الأمور الإدارية والتنظيمية.

ولا تزال فصائل المعارضة المسلحة، التي يتوقع أن تدخل في التحالف العسكري الجديد إلى جانب "فيلق الشام"، تتلقى الدعم من غرفة عمليات "الموم"، البرنامج الذي يتوقع أن يتوقف قريباً، ما يعني أن الفصائل مضطرة للجوء إلى تحالف عسكري تدعمه تركيا، وإلا فستكون مهددة بالتفكك والزوال.

وأكد قائد "جيش حلب الشهباء" النقيب أمين ملحيس، أن فصيله لن يكون جزءاً من التشكيل العسكري الذي سيقوده "فيلق الشام"، وتوقع ملحيس أن تنقسم الخريطة العسكرية في إدلب والأرياف المحيطة بها إلى تشكيلين كبيرين، أي أن الفرضية التي تتحدث عن هيمنة متوقعة للتشكيل الجديد على كامل المنطقة مستبعدة. "جيش حلب الشهباء" لم يتلقَ دعوة للانضمام إلى التشكيل الجديد، مثله كمثل "جبهة تحرير سوريا" التي تضم فصائل كبيرة منها "أحرار الشام" و"حركة نور الدين الزنكي" و"صقور الشام".

في انتظار نتائج الجولة الجديدة من مفاوضات أستانة، قد يتحدد شكل المرحلة المقبلة في إدلب التي يعيش فيها أكثر من 3 ملايين سوري.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر