آخر الأخبار

تأثير مخابرات مصر في "حماس" محدود: جدوى "مسيرات العودة" بلا حماية من المقاومة؟

2018-5-14 | خدمة العصر تأثير مخابرات مصر في

تحدثت تقارير صحفية عن زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، إسماعيل هنية، إلى القاهرة لساعات قليلة أمس، بعدما اشترط أن يغادر في اليوم نفسه، وذلك قبل وقت قصير على بدء "مسيرات العودة الكبرى" التي ستنطلق صباح اليوم في المناطق الحدودية لقطاع غزة كافة. وقال "هنية"، الذي وصل إلى القاهرة على متن طائرة عسكرية مصرية من مدينة العريش، إنه ذهب استجابة لعرض مصري قُدّم منذ مدة، لكن الحركة اشترطت أن تكون الزيارة سريعة بعدما كانت قد رفضت دعوات سابقة.

وأشارت تقديرات صحفية إلى أن "العرض المصري جاء دون المستوى الذي جاء به القطريون إلى حماس قبل عدة أيام"، إذ إنه مقابل وقف "مسيرات العودة"، تتعهد السلطات المصرية بفتح معبر رفح بصورة دائمة مع السماح بإدخال البضائع بأنواعها كافة إلى غزة، إضافة إلى توفير الاحتياجات العاجلة للقطاع، بما في ذلك الكهرباء. وأوضحت المصادر أن "اللهجة المصرية كانت حادة مع حماس، فقد أُخبرت الحركة أن إصرارها على السير في مسيرات العودة سيؤدي إلى صدام عسكري كبير مع إسرائيل حال تعرض الأخيرة لأضرار وضغط كبير من الفلسطينيين".

وقد سبقت هذه الزيارة عروض عدة قدمتها أطراف مختلفة، أبرزهم المبعوث الأممي لـعملية السلام"، نيكولاي ملادينوف، والسفير القطري، محمد العمادي، غير أن الأخير يطرح قضية المسيرات بصراحة، مكتفياً بالمساعدة المالية للتخفيف من حدة أزمات الحصار.

أما ملادينوف، الذي سبقه بأسابيع، فذكرت تقارير أنه جاء مستفسراً عن "مسيرات العودة" وإلى أين يمكن أن تمضي، لكن من دون أن يقدم أي عرض حقيقي جادَ، إذ إن الوفود التي تزور غزة "تستطلع آراء وتنقل رسائل ولا تقدم أي رؤية سياسية متكاملة". كذلك، قال القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» خالد البطش.

ويستعد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في القطاع للذهاب إلى المناطق الحدودية، في وقت أعلنت فيه المؤسسات الرسمية والأهلية إجازة عن العمل. كما أعلنت "الهيئة العليا لمسيرات العودة" تسيير قوافل تحمل اسم قرى العودة (المحتلة)، تقود المشاركين إلى المناطق الحدودية. ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن جنود الاحتلال لن يخرجوا لعطلة حالياً، وستنشط نحو 11 كتيبة عسكرية على الحدود، أي أكثر من عدد القوات التي تعمل غالباً هناك، خاصة أن الجيش يتوقع مشاركة نحو مئة ألف فلسطيني في التظاهرات التي قد تؤدي إلى اختراق السياج الحدودي.

ويبقى الهدف الرئيس من المسيرة التي تقام للأسبوع السابع على التوالي، ويشارك فيها الفلسطينيون في غزة والضفة والقدس والأراضي المحتلة عام 1948، وكذلك في الشتات ومخيمات اللجوء، فهو رفض التنازل عن حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم التي هجّروا منها بالقوة قبل سبعين عاما، بالإضافة إلى المطالبة بإنهاء الحصار المفروض على القطاع منذ 12 عاماً، ورفض محاولات تصفية القضية الفلسطينية تحت عنوان "صفقة القرن".

فمنذ فترة طويلة أغلقت ميناء ومطار غزة والحدود البرية. والعرب يتجاهلونهم. تعرب روسيا والصين عن تعاطفهما، ولكن لا تفعلان شيئا. لما استعصى عليهم إغراق غزة في البحر أرادوا أن يغروها في اليأس. فأحكموا الحصار عليها، حتى إن 65 بالمائة من سكان غزة الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا عاطلين عن العمل، كما تعاني الرعاية الصحية من نقص المعدات والأدوية، لا يستطيع الناس المغادرة للبحث عن عمل في الخارج ويعيش الأطفال تحت الصدمة لا يعرفون أبداً متى ستُقصف منازلهم.

ويمكن رصد وجهتي نظر تجاه مسيرات العودة، فالأولى ترى أن أفضل ما يمكن لهذه المسيرات تحقيقه هو التعبير عن الغضب من القرارات الأميركية، ولا سيما تلك المتعلقة بالقدس، وأن هدف المسيرات تسجيل موقف شعبي رافض لتلك القرارات. وعليه، يرى أصحاب هذه الوجهة أن المسيرات، رغم ما يصاحبها من تضحيات، ستضعف وتخبو بعد احتفالية نقل السفارة وذكرى النكبة، ولا سيما مع دخول شهر رمضان. وتراهن إسرائيل على تعميم وجهة النظر هذه، وعلى استعجال عودة الهدوء أو على الأقل تراجع زخم المسيرات بعد تمرير احتفال نقل السفارة وذكرى النكبة. وعلى هذا، ترى وجهة النظر هذه أنه لا جدوى من المسيرات سوى تعريض المدنيين العزل لنيران الاحتلال من دون حماية فعالة من قوى المقاومة.

في المقابل، كما أوردت تحليلات، تراهن وجهة النظر الثانية على أن "مسيرات العودة" لديها ما يمكّنها من الاستمرار والتحدي، وترى أن ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تكالب وتآمر لإنهائها، يقابله إرادة فلسطينية صلبة ترفض التنازل والتخلي عن حقها في مقاومة الاحتلال والعودة، لكن هل هذه المسيرات مجرد هبة غضب عابرة وورقة ضغط وتنفيس أم يمكن التعويل عليها للضغط على المحتل والمعنيين بالصراع؟  لكن هل تملك مسيرات العودة من القوة ما يدفع للتعويل عليها؟ وأيهما أجدى: القبول بتحقيق انتصار جزئي في تخفيف الحصار عن غزة وأهلها ورفع المطالب إلى مستوى إنهاء الحصار كاملاً، أم رفض هذا العرض والرهان على تصعيد مسيرات العودة؟

ومع أن كثيرين يرون أن المسيرات أحيت مُجددا قضية الصراع مع العدو وأعادته إلى وأصله، كما يملك شعار العودة قوة توحيدية هائلة لفلسطينيين يتجاوز كل الانقسامات السياسية والفصائلية، ويعيد اللحمة إلى الشعب في مواجهة قرارات دونالد ترامب والانقسام السياسي الفلسطيني والتواطؤ الرسمي العربي وغلبة التوجه نحو تفادي دخول المقاومة في مواجهة عسكرية غير متكافئة مع الاحتلال، إلا أن العدو لا يفهم إلا منطق القوة، ولا يردعه سوى الإثخان والضربات الموجعة، وهو ما أثبتته حقائق الصراع قديما وحديثا.

وبينما يرى مؤيدو خيار تحريك المسيرات أنها فرضت حالة من الإرباك على الاحتلال، وهو يحاول مواجهتها واستنفار القوى الغربية وبعض الأنظمة العربية لدفعها ووقفها. مع ما قد يثيره مواجهة طوفان اللاجئين بالنيران من موجات غضب قد تسعّر المسيرات وتخرج عن نطاق السيطرة، يبقى المطلوب بإلحاح وهو ما لم يتضح أمره حتى الآن: حماية مسيرات العودة، فهل المقاومة جاهزة للتدخل لردع الاحتلال الصهيوني عن ارتكاب الجرائم ضد مدنيين عزل؟

وفي السياق ذاته، كتب المحلل الإسرائيلي، يوسي ملمان، أن  الأنظار باتت موجهة تنظر مرة أخرى إلى الساحة الفلسطينية. يقع تطوران حدثان اليوم وعدا: احتفال تدشين السفارة الأميركية في القدس ومسيرة العودة يوم النكبة في غزة. كلاهما حدثان متفجران على نحو خاص، وثمة تمهيد لهما واستعداد متعاظم لم يسبق أن شهدناه منذ زمن بعيد..

وقال إن الخوف أن تنجح حماس، التي تقف خلف المظاهرات على جدار الحدود في غزة، في أن تخرج المتظاهرين إلى شوارع القدس والضفة الغربية أيضا، وأن يقتحم المتظاهرون الجدار الحدودي مع غزة ليتسللوا بالمئات وربما أكثر إلى أراضي إسرائيل (المحتلة) وأن يقتل في الصدامات عشرات عديدة وربما مئات بنار الجيش الإسرائيلي.

لقد سبق أن رأينا إمكانيات التفجر في أيام الجمعة الأخيرة وفي الحالة أيضا. صحيح أن عدد المتظاهرين على حدود غزة انخفض إلى 15 ألفا، ولكن غضبهم العظيم أخرجوه على القسم الغزي من معبر البضائع في كرم سالم. مئات المشاغبين اقتحموه مرة أخرى، دمروا وأحرقوا كل ما وقع في طريقهم. وحتى حماس، وفقا لما أورده الكاتب الإسرائيلي، التي أطلقت المارد من القمقم، تجد صعوبة في أن تعيده وتسيطر على المتظاهرين، وهم يخططون لأن يوجهوا طاقة وغضب المتظاهرين إلى المس بالجدار الحدودي، مواقع الجيش الإسرائيلي وإذا نجحوا أيضا فالتسلل إلى البلدات.

وربما سمع هنية من رئيس المخابرات المصري، كامل عباس، بأن على حماس أن تستخدم صلاحياتها كي تلجم المتظاهرين وتمنع خطر أن تخرج الأحداث على نطاق السيطرة. مصر هي عمليا قناة الاتصال المركزية التي تحاول التوسط بين إسرائيل وحماس. ولكن تأثيرها على حماس محدود.وختم المحلل الإسرايلي مقاله بالقول: باختصار، جهاز الأمن يسير نحو المجهول.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر