"أبو" القنبلة الإيرانية: شيوعي سابق مناصر للشاه لا يزال يدعم نووي بلاده لأسباب قومية

2018-5-13 | خدمة العصر

كتب جيل تروي، أستاذ التاريخ في جامعة "ماكجيل" الكندية، في مقال نشره موقع "ديلي بيست"، أن الرجل الذي يعتبر تقليدياً العقل المدبر للأسلحة النووية الإيرانية هو شيوعي سابق مناصر للشاه غادر إلى المنفى، وهو ناشط سلام ما زال يدعم برنامج إيران النووي.

وبينما استخلصت الاستخبارات الإسرائيلية مؤخراً أن "محسن فخرزاده" هو "أبو" البرنامج النووي الإيراني، وينتمي إلى فيلق الحرس الثوري الإيراني، فإن الذي يُعتبر تقليدياً "الأب الروحي" للأسلحة النووية الإيرانية، يبدو أكثر غموضا، وهو شيوعي سابق غادر إلى منفى، مناصر للشاه وناشط سلام لا يزال يدعم برنامج إيران النووي لأسباب قومية، إنه العالم النووي الإيراني، الدكتور "كبر اعتماد، الملقب بـ"أبو" البرنامج النووي الإيراني.

وقد عاش الدكتور اعتماد ثلاث حقب مختلفة. وقد أثبت أول تحوله من مناضل شيوعي إلى عالم نووي وبيروقراطي أن بعض العقول شديدة الاتساع بحيث لا يمكن احتواؤها بأي أيديولوجية واحدة. وبروزه ناشط سلام بعد الثورة الإيرانية، وفقا لما أورده الكاتب، يشير إلى أنه ينتمي إلى جمهورية العلوم، مثل روبرت أوبنهايمر، العالم المنشق الذي رفض الأسلحة النووية التي ساعد في تصميمها. لكن موقف "محسن فخرزاده" الثابت كإيراني فخور يوحي بأنه حتى لو سقط نظام الملالي، فإن طموحات إيران النووية ستستمر.

ورغم سنوات الابتعاد واضطراره للتخلي عن مشروعه الذي بدأ علي يديه فإن الشيء الواضح من أحاديثه أنه لا يشعر بالمرارة تجاه بلاده, وما زال يلوم الغرب بسبب الأزمة الحالية, معتبرا أنه لا يحترم السيادة الإيرانية. وقد دافع ولا يزال عن حق بلاده في إجراء التجارب النووية، معربا عن سعادته بقدرة الجيل الجديد من العلماء الإيرانيين على تطوير التكنولوجيا النووية من دون مساعدة الغرب, مؤكدا أنه لا مجال حاليا لتراجع إيران عن المضي قدما في برنامجها.

وفي الواقع، تبدأ قصة النووي الإيراني مع نجم مشارك غير متوقع في إطلاق برنامج إيران النووي: الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور. ففي الخمسينيات من القرن الماضي، افترض برنامج "آيزنهاور" من أجل السلام أن الطاقة النووية يمكن أن تحفز النمو العالمي وتوفر طاقة رخيصة وفعالة. هذه الرؤية أثارت شاه محمد رضا بهلوي. وبدأ برنامج إيران النووي ببطء وبصورة متقطعة حتى عام 1974، عندما وفَرت الزيادة في أسعار النفط لإيران الميزانية اللازمة لامتلاك الطاقة النووية، إذ قدم الدكتور أكبر اعتماد (أول رئيس لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية)، لإيران المعرفة التقنية بعد عودته من الدراسة بجامعة لوزان وتخصص في هندسة الكهرباء، حيث أظهر تفوقا ملحوظا، وتدرب على يد الباحثين السويسريين. ويُذكر أنه استكمل الدراسة العليا أيضا بجامعة لوزان، فحصل على الدكتوراه عام1963.

وقد ولد أكبر اعتماد عام1933 بمدينة همذان لأسرة ميسورة الحال كانت دائما جزءا من النخبة السياسية والاقتصادية بالمدينة التي كانت في تلك الفترة واحدة من أكثر المدن الإيرانية ازدهارا وتنوعا ثقافيا ودينيا.

واجهته عقبتان في التوظيف في بلده، كانت الأولى زوجته، إذ لم تكن ترغب في ترك حياتها النشطة في سويسرا، حيث كان رئيسًا لمجموعة الدرع النووي للمعهد الفدرالي السويسري لأبحاث المفاعلات النووية. وكان "اعتماد" قد نجح في حل هذه المشكلة بطلاقه والعودة إلى الوطن في عام 1965، واختاره القوميون الإيرانيون ليصبح عالما مغتربا.

وسرعان ما أثبت جدارته وأهليته للشاه بعد أن سمع في جامعة طهران بتخبط مشروع المفاعل النووي الإيراني. وكما ذكر، وضع "جميع شهاداتي في حقيبة"، وعرض المساعدة.

في عام 1973، ساعد "اعتماد" في إنشاء جامعة أبو علي سينا في مدينة همدان. ورفض اعتماد التقليد المستمر في إيران للنماذج الغربية، وأدمجت الثقافة الفارسية والأساليب الفكرية الفارسية في جامعته.

والعقبة الثانية كانت أكثر صعوبة: الحصول على تصريح أمني من شرطة الشاه السرية المخيفة، السافاك. كان "اعتماد"، في وقتين حرجين، مناضلا في حزب "توده" الشيوعي الإيراني. وقد استقال مرتين بسبب انغلاق الحزب. وكان يرى في نظام الشاه حداثيا ولكنه قمعيا.

ومع ذلك، كان الشاه براغماتيا. كان مستشاروه لا يعرفون أي إيراني أتقن أسرار الانشطار الذري ببراعة مثل "اعتماد". "الماضي ليس مهما"، أعلن الشاه. "إنه يريد أن يخدم وطنه الآن ويجب أن نستخدمه." وفي توليه الإشراف على هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، سيحظى "اعتماد" بتفويض شامل: "المضي في جميع التقنيات التي يمكن تخيلها في مجال التكنولوجيا النووية".

وهكذا، وفقا للكاتب، بدأت واحدة من الدروس الغريبة في تاريخ العلم. لم يكن "اعتماد" متأكداً مما إذا كان الشاه يريد إنتاج الطاقة النووية أو الأسلحة. بدأ العالم لقاء أسبوعيًا مع الشاه، فشرح أولاً العلم، ثم أوضح الدوافع. وبدا الشاه متحمسا مندفعا ملتزما ببرنامج "الاستخدام المزدوج" في الوقت الذي ينكر فيه ذلك علنا، واعتمد ميزانية ضخمة وصلاحيات واسعة للعالم النووي.

بعد عقود من الزمن، سيتعلم الملالي في إيران من الغموض المثير للشاه. إن ما اعتبره الإيرانيون بمثابة تنازل روسي وأمريكي أثار كبرياء "اعتماد" القومية وتجاوز معارضته للانتشار النووي. لم يفهم "اعتماد" لماذا يمكن لبلدان أخرى أن تمارس هذه السلطة وتُمنع منها بلاده. لقد أمضى أواخر السبعينيات في تطوير قدرة إيران النووية على أكمل وجه ممكن، حتى اتهمه الخصوم السياسيون بالاختلاس في عام 1978.

حرَفت ثورة إيران التي طردت الشاه عام 1979 برنامج "اعتماد" عن مساره مؤقتا. وأجبرته على الاختباء هربا من الديكتاتوريين الجدد، وهُرَب من بلاده تحت اسم مستعار، وراقب "اعتماد" من منفاه في فرنسا عملية إغلاق الملالي للبرنامج النووي، وعارض جمهوريتهم وأعداءها الغربيين في آن واحد.

ليكتسب نظام الملالي، تدريجيا، هوسه بالتحول النووي، خصوصا بعد حمام الدم الإيراني - العراقي في حرب الثمانينيات. واليوم، ومع معارضته لنظام طهران، يؤيد "اعتماد" حق بلاده في أن تكون على قدم المساواة على الساحة العالمية مع نظرائها الآخرين مثل الهند وباكستان. وهو يعتقد أن "إيران لديها كل الحق في السعي للحصول على الطاقة النووية": "إنها مسألة سيادة وطنية".

ومع مرور الوقت، استوعب "اعتماد" بعض توجهات النظام، متحديا صداقة الشاه مع إسرائيل والولايات المتحدة. لكن خلافاً للتعصب الإيديولوجي للملالي وخطبهم النارية، فإن عداء "اعتماد" يعكس صدى خط مسيرته المهنية، وهو السعي وراء الكبرياء الإيراني. "طول حياتي كان أبي أنموذجي"، كما صرح، مستدركا: "أحاول أن أفعل ما تخيلت أنه سيفعله".

معفيا النظام من أي مسؤولية، فإنه يشعر بالاستياء من استعراض القوات الأمريكية والإسرائيلية عضلاتها ضد النظام في طهران بدوافع هجومية أكثر منها تهديدية: "إنهم [الإيرانيون] بحاجة إلى أن يكونوا قوة في الشرق الأوسط"، كما يصر على ذلك، موضحا: "إسرائيل لديها القنبلة، باكستان لديها القنبلة، الهند لديها القنبلة، روسيا لديها القنبلة".

ويقول الكاتب إن حياة "اعتماد" تسلط الضوء على الدوافع متعددة الأبعاد التي تغذي انشغالات إيران النووية، وهو ما يمكن فهمه من أيديولوجية "اعتماد" المناهضة للملالي وقوميته المؤيدة لإيران النووية، إذ لا يزال العديد من الإيرانيين الذين يكرهون الملالي يحبون البرنامج النووي لبلدهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر