آخر الأخبار

هل تخطط إيران لتكرار تجربة جنوب لبنان في الجولان السوري؟

2018-5-12 | وائل عصام هل تخطط إيران لتكرار تجربة جنوب لبنان في الجولان السوري؟

شكّلت تجربة حزب الله في لبنان أنموذجا للأسلوب الإيراني في التعامل مع إسرائيل، على طريقة حياكة السجاد الإيراني، حثيث لكن بنفس طويل. ونتحدث هنا عن أداء الحزب في شقه المواجه لإسرائيل، وليس الطائفي الموجه للداخل اللبناني ثم السوري لاحقا، رغم أن هذا الأخير، يمثل نمطا إيرانيا آخر، غاية في الأهمية، في كيفية حيازة واحتكار "شرف المواجهة مع العدو"، واستثماره دعاية عالية الربحية  للمشروع الطائفي الداخلي، بحيث يتحول مقاوم درزي يساري كسمير القنطار إلى مناصر لحزب ديني ويقتل في صفوفه.

القنطار، الذي اغتالته إسرائيل في سوريا عام 2015، كان يعمل على تشكيل فصائل "مقاومة" في الجولان الذي يقطنه تجمع كبير من أبناء طائفته الدرزية، بحسب مصادر متعددة، أحدها محلل أمني نشر تقريره حينها في الصحافة الإسرائيلية، ويمثل القنطار على ما يبدو أحد حلقات الوصل بين أنموذج حزب الله في لبنان والأنموذج الذي بدأت إيران ومنظومتها بالعمل عليه منذ سنوات، وهو إنتاج نسخة من حزب الله في الجولان السوري.

فحزب الله مشروع مربح لإيران في المنطقة مقارنة بكلفته، حتى إذا نظرنا للكلفة المادية في ظل معاناة إيران من نظام العقوبات الاقتصادية لسنوات، فعلى مدى 15 عاما، لم تنفق إيران على حزب الله بقدر ما أنفقت السعودية على صفقة سلاح واحدة مع الولايات المتحدة، سلاح يتحول إما لقطع حديد صدئ أو يعجز عن حسم معركة مع مقاتلين جبليين من أقلية حوثية، لم يكلفوا إيران ربع ما أنفقته الرياض للآن على حربهم الفاشلة. لذلك، فإن التنظيمات الشيعية الموالية لإيران تحقق لها قوة ردع ونفوذ ما يماثل ربما القنبلة النووية! 

وإذا عدنا إلى مقارنة أنموذج جنوب لبنان، فسنجد أنه، وفي مناسبتين، تمكن حزب الله من تحقيق قدر ما من الندية في المواجهة مع إسرائيل الدولة النووية، الأولى كانت عند انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، والثانية في حرب يوليو 2006، فالأولى جاءت بعد سنوات من اشتباكات متواصلة استنزفت الجانب الإسرائيلي وشكّلت رأيا عاما ضاغطا في إسرائيل يدعو للتخلص من عبء جبهة الجنوب، حتى جاء رئيس الوزراء ايهود باراك وجعل الانسحاب من جنوب لبنان أحد وعوده الانتخابية، لينفذه بعد انتخابه عام 2000.

ويمكن للقارئ المتتبع أن يجد في مذكرات الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في جنوب لبنان ما يشير إلى حالة التململ في صفوف القيادة الإسرائيلية من حرب العصابات المكلفة، كما ذهب عدد من المحللين الإسرائيليين حينها، للحديث عن حالة "ردع متبادل"، رغم تفاوت القدرات العسكرية التقليدية، وجاءت المواجهة الثانية في حرب يوليو، لتؤكد ما سبق اختباره على مدى سنوات التسعينيات جنوب نهر الليطاني، بأن الجيوش النظامية لا تملك حلولا حاسمة في مواجهة حروب العصابات، إن تآزرت معها ظروف محلية معينة كما تضافرت بجنوب لبنان.

هذه التجربة إذن، مثلت أول أذرع ومخالب طهران في المشرق، ومعها جاءت حالة الحوثيين، والحشد الشيعي، وكلها تستند إلى مقومات مشتركة من الأحزاب العقدية إلى الأسلوب القتالي الخاص بالقوى المسلحة الشعبية غير النظامية المستندة إلى حواضن خصبة. 

وتشترك حالة الجولان السوري مع جنوب لبنان بأن المواجهة إن حصلت، فهي تتطلب حسابات شديدة التعقيد، لأنها مع قوة إقليمية متفوقة كإسرائيل، ومن ورائها قوة عظمى كالولايات المتحدة، لا تريد إيران الدخول معها في حرب "كسر عظم" غير قادرة عليها، لذلك فإن الأسلوب الذي يمكن لإيران إتباعه هو دعم قوة مسلحة محلية والتنصل من التبعات السياسية للمواجهة المباشرة، ومن ثم استثمار نجاحاتها، وهو ما يمكن ملاحظته في تصريح الإيرانيين قبل أيام عن الهجوم الصاروخي على الجولان، حيث نفوا مسؤوليتهم عنه، وهم يتبعون الأسلوب القديم نفسه مع حزب الله، الذي لم يكن إيرانيا بشكل رسمي، ولكنه في الوقت نفسه عضو أصيل في منظومة إيران على عدة أصعدة، وهم بذلك يستثمرون ثغرات في قواعد اللعبة الدولية التي لا تعترف إلا بشخصية الدولة القطرية، ولم تعد تستوعب وجود كيان عسكري وعقدي واحد في أربع دول مختلفة!

وهكذا، فإن ملامح النسخة السورية لحزب الله في الجولان، التي قد تعمل إيران على تشكيلها العامين المقبلين، خصوصا بعد الانتهاء من إكمال مهمتها بدعم استعادة سيطرة الأسد على مناطق المعارضة، ستعتمد على ميليشيات مسلحة تنفذ عمليات خاطفة عبر الحدود في الجولان، ولكنها في الوقت نفسه محدودة، بحيث تضمن بالمقابل محدودية رد الفعل الإسرائيلي، قد تتركز على قصف مواقع في الجولان، طائرات مسيرة، مهاجمة جنود في نقاط حراسة وثكنات بالجولان في عمليات استنزاف متقطعة قد تستمر لسنوات.

وكما كانت دفعة الصواريخ الأخيرة الموجهة نحو الجولان حصرا، فإنه من المرجح أن إيران تريد إيصال رسالة أن هدفها هو الوصول في نهاية المطاف إلى تسوية تعيد الجولان لحليفها الأسد وليس الهجوم على إسرائيل أو تهديد أمنها الداخلي، وبالمقابل فإن إيران وحلفاءها اليوم ليسوا في وضع يسمح لهم بمواصلة الاشتباك مع إسرائيل قبل إتمام تثبيت سلطة الأسد في سوريا، وهذا كان واضحا في الهجوم الأخير الذي كان خجولا وضعيفا، مقابل رد إسرائيل الواسع، فهو كان مجرد رد رمزي لحفظ ماء وجه إيران لا أكثر.

وهنا يتبادر للأذهان التساؤل عن توجه إسرائيل والولايات المتحدة لحسم المواجهة مع إيران وأذرعها في المنطقة، وتدمير كل الشبكات المرتبطة عضويا بطهران، ومنها هذا المشروع المفترض في الجولان، وهو بلا شك طرح يثار حاليا بعد إعلان ترامب إلغاء الاتفاق النووي، ومغادرة سياسة الاحتواء الأمريكي لإيران في ساحات العراق وسوريا، التي اضطر إليها الأمريكيون لعدم قدرتهم على مواجهة عدوين في آن، بعد احتلال العراق، إيران والمقاومة السنية والجهاديين من بعدهم في العراق، ومن ثم سوريا، إلى أن تم إجهاض التهديد الجهادي في العراق، وإزالة الفوضى الثورية التي كانت تشكل خطرا على استقرار النظام الأقل خطرا عليهم من الأسد، لتبدو المرحلة الآن أكثر تهيؤا لاستدارة إستراتيجية أمريكية إسرائيلية لقصقصة أجنحة طهران.

لكن، وبعيدا عن الخوض في طبيعة المواجهة المرتقبة وإمكانيات كل طرف، فإن شكوكا تحيط بإمكانية حسم المواجهة بسهولة مع الحلف الإيراني، خصوصا إذا تذكرنا أن محاولة كهذه حصلت بالفعل مع إحدى أذرعها في جنوب لبنان عام 2006، وها هو حزب الله بعد 12 عاما أكثر قوة. وفي الوقت نفسه، فإن إيران أكثر قوة متحررة من قيود العقوبات الاقتصادية الخانقة، وأذرعها أكثر تمددا، وتكلفة مواجهتها من صنعاء حتى بغداد وبيروت باتت أعلى. وبالمقابل، فإن هيمنة أمريكا في الشرق الأوسط اليوم أكثر تراجعا من أي وقت مضى أمام روسيا التي رسخت أقدامها، وهي الشريك الإيراني في مناهضة النفوذ الأمريكي.

صحيح أن روسيا لن تقف مع إيران ضد إسرائيل في أي مواجهة، لكن الصحيح أيضا أنها تمثل "خط رجعة" جيد لطهران و"مطفأة حريق" لأي تصعيد خطر محتمل ووسيطا دوليا قد يلعب دورا في إتمام تسويات مقبلة.

التوازنات لا توحي، إذن، بإمكانية حسم هذه المواجهة سريعا مع إيران، بل هي حرب باردة جديدة ستدوم على الأغلب لسنوات، بانتظار توازنات جديدة ترجح قوة طرف على الأخر، وإلى ذلك الحين فإن صاحب القدرة على المطاولة سيمتلك فرصة كبيرة، خصوصا إن أتقن حياكة خططه كصناعة السجاد الإيراني: حثيث وبنفس طويل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر