آخر الأخبار

لا ثورة جديدة من دون فكر وعقل جديد

2018-5-6 | خالد حسن لا ثورة جديدة من دون فكر وعقل جديد

أكثر الكتابات الفكرية اليوم إنما هي تكرار لما قد قيل وكُتب من حوالي عشرين سنة وربما أبعد من ذلك، لم تأت بجديد وليس شرط الكتابة الإتيان بالجديد ويكفي التذكير والترسيخ نعم، لكن ندور في الحلقة نفسها منذ عقود، وليس ثمة مراجعات عميقة لأنماط التفكير والتصورات.

وقد أُتيحت للأمة فرصة عظيمة ولحظة تاريخية نادرة بالثورات العربية، فكان التناحر وهيمنة عقلية الدكاكين والكيانات ومنطق الأعيان وأمراء الحرب والتخريب من الداخل، مما سهل على محاربيها مهمة الانقضاض عليه.

إذ الكتابات، حتى الآن، لم تعالج بعمق أمراض من يقاوم الطغيان ويتطلع إلى إزاحته ومن قاد الثورات إلى حتفها، أمراض لم نجد لها حتى الآن حلا، نجامل بعضنا بعضا ننحاز لهذا الطرف أو ذاك وفقا لمقاييس ومعايير ضيقة موروثة، لكنها مجاملات مهلكة لم تزدنا إلا انغلاقا.

الأفكار صنعت الثورات العربية، هذا مما لا يُستهان به ولا يُنكر، لكنها عجزت عن دفع الثورات في اتجاهات أكثر استيعابا ونضجا وعمقا وقدرة على المحافظة على المكاسب والإنجازات، وهذا يفرض عقلا جديدا يتجاوز إرث وانغلاق الأفكار المريضة التي فتكت بالثورة.

الأفكار التي فجرت الثورات عجزت عن دفعها نحو مسارات أوسع وأرحب، وأغرقتها في الانتصار لفصيل والانحياز لطرف بعينه والانغلاق على خياراته، فأصبح المفكرون والمثقفون (الثوريون) وأصحاب الرأي يفكرون بمنطق وعقل قادة الفصائل؟؟

أظهرت الثورة السورية، تحديدا، أن المثقفين والمفكرين، وكان لهم إسهام في تفجير الثورات، فشلوا في اختبار توجيه الثورة بمنطق المشروع والقضية الكبرى والتحول التاريخي الحاسم وانتهى بهم الأمر إلى الانحياز ومجاملة مثقفي الفصائل؟؟

لم نتقدم خطوة في معضلتنا الكبرى: تنحية الاستبداد. وقضايا الحريات والنظام السياسي والدساتير قُتلت بحثا وتنظيرا وما اختلفت إلا الصياغات فقط، وهذا مكسب ومغنم، ولكنها أحاديث "ما بعد" إزاحة الطغيان، فماذا عن قضية إزاحته ابتداء، لم تُعالج بعمق، خُضنا تجاربها وفشلنا فيها كلها تقريبا.

ليس العيب في الفشل، فأسبابه كثيرة ولعل أهمها تواطؤ الغزاة والأصدقاء مما لا طاقة للثوار بتحمله، والحديث عن الجوانب الذاتية منه، وإنما العيب في الانغلاق والإصرار على تجاهل الدروس القاسية المريرة التي مرت بنا والقدرة على التحطيم الذاتي، حتى ما عاد "الثوار" يتفقون حتى على إدارة حي واحد، ويقتتلون حتى في المربع الأخير المحاصرين فيه، نعم لهذا سوابق تاريخية، لكن هل نستسلم للماضي؟ وهل هو أمر حتمي حتى نلوذ إلى وقائع التاريخ كلما التهم هذا المرض الفتاك ثورات الشعوب؟

الأفكار المريضة قادت الثورة إلى مسارات ضيقة وانتصرت للكيانات والموجات الصاخبة وانساقت وراء ادعاءات الفهم والبصيرة، فكان هذا الهوان الذي نراه اليوم.

والخلاصة أن لا ثورة جديدة من دون فكر وعقل جديد. فليس ثمة حتمية تاريخية، فقد يتقدم بنا الوعي في فترة أو حقبة ثم يتراجع لننهض مجددا بأفكار جديدة حية وهكذا، فالتاريخ ليس خطا ثابتا حتميا. وإسهامات المفكرين والرواد ملهمة ومحفزة ودافعة لكنها ليست وصية على حركة التاريخ والإنسان، إذ الأفكار قد تتحول إلى أصنام وأقفاص عبودية جديدة، ولا بد، حينها، من تحطيمها أو تجاوزها.

ومن حرر عقله من سيطرة التبعية والانغلاق وأغلال التعصب ولم يلزم نفسه بالانتماء الضيق والتكلف في التبرير والتسويغ لمن ينتصر له وتخفف من قيود المجموعات والتنظيمات، أمكنه طلب الصواب وإنكار الباطل والخطأ والعدل في الشهادة على النفس والأقربين والمفضلين.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر