آخر الأخبار

لم تستسلم كوريا الشمالية مقابل الدولار: القوة وحدها هي التي تجبر الآخرين على الإنصات وليس الخضوع

2018-4-27 | لم تستسلم كوريا الشمالية مقابل الدولار: القوة وحدها هي التي تجبر الآخرين على الإنصات وليس الخضوع

بقلم: أحمد ماهر العكيدي / مدون وكاتب عربي

احتضنت المنطقة العازلة المنزوعة بين الكوريتين عند خط عرض 38 احتضنت لقاء كيم جونغ اون والرئيس الجنوبي موون، بين الخطين الأزرقين المنتصف في حدود المنطقة المعزولة السلاح (هانگول وهانجا) عند قرية بان مونجوم وسط زقرقة العصافير في أجواء ربيعية ساحرة، حيث أنصت زعيم كوريا الشمالية، كيم، أكثر مما تكلم.

وثمة سؤال مُلحَ يُطرح بعد القمة التاريخية التي جمعت بين جونغ أون وبين موون جئ إن: هل يمكن لدولة هامشية استثمرت بالنووي ككوريا الشمالية أن تتنازل طوعا عن سلاحها النووي -درة تاجها- بعد أن قارعت كبرى دول العالم عسكريا واقتصاديا؟

في تعليقه على انعقاد القمة بين زعيمي الكوريتين، غرد "ترامب" قائلا: بعد إطلاق صواريخ وتجارب نووية مرعبة أشياء طيبة تحدث الآن .. لكن الأيام سوف تنبئ! كما رحبت بريطانيا بالقمة وطلبت كوريا الشمالية اتخاذ خطوات صلبة ومحسوسة ..ودعا أيضا رئيس الوزراء اليابانى الشمالية إلى القيام بـ"أعمال ملموسة" لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية .. وكذلك رحب الكرملين .. كما شكر ترامب الصين على جهودها.

بدأ اللقاء بانتظار تاريخي للرئيس الجنوبي موون في المنطقة العازلة شديدة التحصين، إذ انطلق الزعيم الشمالي جونغ أون في سيارته المرسيدس يحيط به حراسه الاثنا عشر يركضون حول سيارته. ثم ترجل الزعيم الشمالي من سيارته، وانضم إليه أركان قيادته: مستشاره وأخته وساروا جميعا يسبقه حراسه في درع بشري حصين.

والتقى الزعيمان في المنطقة العازلة منزوعة السلاح، كلَ على أرضه، وتصافحا مدة طويلة وتبادلا الحديث قبل أن يعبر جونغ أون الخط الفاصل إلى الجنوبية ليبدأ زيارته للجنوبية ثم في لفته كريمة يدعو الزعيم الجنوبي موون لزيارة الشمالية ويأخذ بيده ليعبر بخطوة واحدة إلى الشمالية ثم يعودان معا! ثم قام الزعيمان بزراعة شجرة صنوبر في قرية "بانمونجوم" على الحدود شديدة التحصين التي تفصل بين بلديهما، وكشفا عن حجر كتب عليه "زرع السلام والازدهار" فوق اسميهما وألقابهما الرسمية والتقطا صورا تذكارية.

ثم مشيا في الغابة الجبلية في قرية بانمونجوم حيث كان جونغ أون ينصت لموون جيه إن أكثر مما يتكلم وجلسا في مقعدين خشبيين زهريين متلاصقين في المتنزه واحتسيا شايا أخضرا بحسب تقاليد الضيافة الكورية. وقال كيم في تصريح مقتضب أنه يشعر بـ"فيض من التأثر" بعد أن عبر الفاصل الأسمنتى الذي لا يتجاوز بضع سنتيمترات ويشكل ترسيم الحدود، ليصبح أول زعيم كوري شمالي يطأ أرض الجنوب منذ الحرب الكورية 1950-1953، ثم توجها سيرا على الأقدام إلى بيت السلام (مشيد من زجاج)، حيث تم توقيع الهدنة. ثم توجها سيرا على الأقدام إلى بيت السلام (مشيد من زجاج) حيث تم توقيع الهدنة.

وكانت "يو جونغ" ومسؤول الوحدة والعلاقات بين الكوريتين ملاصقين لجونغ أون في كل خطوة من خطوات اللقاء، أما موون، فكان بجانبه رئيس استخباراته ومدير مكتبه من الجنوب وشاركوا جميعا في اللقاء الرسمي الذي اقتصر عليهم قبل لقاء الوفدين الموسع.كما حظي جونغ أون بترحيب حار واصطحبه موون جي إن في جولة تاريخية مشيا علي الأقدام في الجزء الجنوبي من قرية بانمونجوم  وسط مظاهر حفاوة بالغة وأزياء تاريخية أشارت إليها وسائل الإعلام الغربية بدهشة.

في المؤتمر الصحفي الذي عقده الزعيمان، قال كيم جونج أون إن الكوريتين ستتعاونان لتنفيذ سياسية جديدة تنهى سنوات الفرقة وسيبدأن صفحة جديدة تقوم على الوحدة وتنفيذ الالتزامات المشتركة، مؤكدا سعيهما لإنجاح المفاوضات مع كوريا الجنوبية، مشددا على أن أخطاء الماضى لن تتكرر. كما صدر بيان مشترك أشار إلى عدة نقاط:

- سنعتمد سياسة جديدة ترتكز على التعاون بعد سنوات من الفرقة.

- الكوريتان شعب واحد ولن يفرق بينهما شيء بعد اليوم.

- نأمل أن تعيش شبه الجزيرة الكورية وضعا جديدا من السلام.

- لن نعيد ارتكاب أخطاء الماضي وسنعمل على تحقيق مصلحة البلدين.

ونقل البيان أنهما سيعلنان نهاية الحرب الكورية هذا العام وسيغيران اتفاق (الهدنة) وقف إطلاق النار القائم منذ 1953 إلى اتفاقية سلام دائم، وأكدا أنه لن تنشب حرب أخرى في شبه الجزيرة الكورية، (وأن الحرب الكورية 1950-1953 هي آخر الحروب). كما اتفقا في البيان على البدء في محادثات لوقف كل الأعمال العدائية تماما برا وبحرا وجوا، وتحويل المنطقة المنزوعة السلاح إلى "منطقة سلام". وأوضح البيان أنهما سيواصلان المحادثات للحد من التسلح تدريجيا مع بناء الثقة وخفض التوترات العسكري.

**

وللتذكير، فإن رئيس كوريا الشمالية أملاه الفراغ والضرورة، بعدما أخوه جواز سفر ياباني وزار "ديزني لاند" في أمريكا، فاعتقلته المخابرات اليابانية وسلمته إلى كوريا الشمالية، وأبوه عفا عنه بعد فترة، لكن كان فقد كل مميزاته. وعلى هذا، لم يكن أمامهم غير الابن، كم جونغ أون، وأخوه الأكبر منه، غير أن هذا الأخير كانت له ميول مثلية فاستبعدوه. وتبقى أخت الزعيم الكوري الشمالي صاحبة نفوذ أقوى داخل العائلة.

وتسيطر اللجنة المركزية لحزب العمال (الحزب الحاكم) على القوات المسلحة والاستخبارات وتدار كل شيء بقدر من الشفافية والمساءلة داخل هياكل الحزب. والترقي والتدرج يبدأ من المدرسة، حيث يتم تصعيد القيادات ذات الكفاءة والقدرة والإخلاص للحاكم وحزبه، وهناك عشرات الاختبارات والامتحانات للتصعيد، هي منظومة صُممت لتفرز أجود القيادات الوفية لأسرة "كيم ايل سونغ" المؤسس، إذ إنه بمثابة إله أو شبه إله، وكأنها ملكية كاملة صُنعت لتستمر.

أما عن قوة شقيقة الحاكم، إنها تستمدها من كونها عضوا في اللجنة المركزية وجنرال في اللجنة العليا للدفاع وقوات الشعب المسلحة وتدير ملفات كوريا الجنوبية واليابان وروسيا، وتحظى باحترام الجميع، كما إنها، وهو الأهم، تدير محفظة استثمارات كوريا عبر العالم، وهذه هي رأس مال كوريا الشمالية الحقيقي!

**

رغم أن "كيم جونغ أون"، كما يصفه الإعلام الغربي، شخصية شريرة تحكم بلدا فقيرا محاصرا، إلا أنه خطف الأضواء وصار وبلده حديث الدنيا، بل فاقت شهرته الرئيس الجنوبي المنتخب ديمقراطيا مع أن بلده السابع بين أقوى اقتصاديات العالم! العالم يأبه لمن يصنع التاريخ لا من  يستخرج النفط!

يصدر لنا الإعلام العربي الممول سعوديا أن كوريا الشمالية استسلمت ومن دون أن تطلق طلقة واحدة لأمريكا وحلفائها، وأن النووي والبالستي قد استسلم مقابل الدولار والطعام والنفط ليبرر ما فعله ويفعله بن سلمان وبن زايد من تضييع ورهن مقدرات الشعوب لمصلحة أعدائها.

والرسالة التي يحاول الإعلام الممول سعوديا تسويقها جعلت البعض يعتقد أن كوريا الشمالية أظهرت ضعفا بعد فترة استعراض كبيرة للقوة، وهذا افتراض خاطئ، فالرسالة الواضحة التي أرسلها الزعيم الشمالي أن القوة والقوة وحدها هي التي تجبر الآخرين على الإنصات وليس الشعارات والأكاذيب والادعاءات. أما إن قدمت لهم فروض النفط والدولار والولاء والطاعة..فأنت في نظرهم وفي أعينهم: "لولاهم لما بقيت في الحكم أسبوعا". والحكمة الجلية التي وعاها العرب اليوم من كيم جونغ أون: دعَس بالقوة غرور خصومك..ولو كنت لوحدك ..يأتونك بفروض الولاء والطاعة سعيا.

في الثامن من فبراير الماضي، شهدت بيونغ يانغ عرضا عسكريا بمناسبة ذكري  تأسيس جيش العمال الكوري وجه فيه الزعيم الكوري كيم جونغ أون كلمة قال فيها إن القوات المسلحة الكورية ذات مستوى عالمي، وأننا أصبحنا قادرين على أن نثبت للعالم وضعنا قوة عسكرية كبرى على المستوى العالمي. وكانت كوريا الشمالية قد أعلنت فيما يشبه المفاجأة عن رغبتها في حضور الأوليمبيات الشتوية في بيونغ تشانغ جنوب شرق سيئول العاصمة ورغبتها في تشكيل فريق موحد لخوض الألعاب الخطوة التي لفتت نظر المراقبين .. واتفق وقتها على تشكيل فريق موحد لهوكي الجليد لخوض البطولة.

وكانت مصادر مطلعة قد ذكرت وقتها أن العرض العسكري الذي أُقيم في ميدان كيم إيل سونغ بقلب العاصمة بيونغ يانغ قد قُلَص في اللحظة الأخيرة من أجل تهيئة الأجواء لحضور شقيقة كيم جونغ أون على رأس وفد عال افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في بيونغ تشانج في اليوم التالي للعرض.

وفيما يشبه المفاجأة، حطت طائرة رئيس مجلس الدولة الكوري الشمالي كيم يونج نام في مطار ليتشيون في كوريا الجنوبية برفقة أخت الزعيم الكوري، كيم يو جونغ، في زيارة إلى كوريا الجنوبية لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية بحضور مارك بينس نائب الرئيس الأمريكي ترامب، وحظيت بترحيب كبير.

والتقت كيم يو جونغ مسؤولين كبار من كوريا الجنوبية، بدءا من "موون جيه إن"، رئيس الجمهورية مرورا برئيس الوزراء ورئيس الاستخبارات وقائد الجيش، وجلست لا يفصلها إلا ثلاثة مقاعد، فقط، عن مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي .. فمن كان يتصور حدوث ذلك؟ فهل التقت كيم يو جونغ مايك بينس .. لا أحد بجزم بحدوث ذلك.

 لكن على غير ما هو معتاد، أبرزت "رودونج سينمون" صحيفة حزب العمال الرسمية في كوريا الشمالية  الاستقبال الحافل الذي لقيه الوفد الشمالي لحضور الألعاب الأوليمبية الشتوية في بيونغ تشونغ بكوريا الجنوبية. كما كان لافتا حضور نائب رئيس اللجنة المركزية لحزب العمل الكوري الشمالي، كيم جونغ شول. (المتهم بالمشاركة في العديد من الهجمات على كوريا الجنوبية).

في الخامس من مارس الماضي وبعد الاختراق التي حققته في العلاقات بين الكوريتين ومشاركتها في أنشطة بيونغتشانع 2018، شاركت كيم يو جونغ شقيقة الزعيم بجوار أخيها في المحادثات مع مبعوث الرئيس الكوري الجنوبي إلى بيونغيانغ ومن هنا تسارعت الخطوات. وكانت قناة CBS الأمريكية قد ذكرت أن كيم جونغ أون قد أبلغ مبعوث الرئيس الكوري الجنوبي عدم نيته مطلقا استخدام أي سلاح ضدهم،  وأنه مستعد للتخلي عن النووي بوجود ضمانات أمنية ويأمل في توحيد الكوريتين.

هذا، وقد انتهجت واشنطن في تعاملها مع كوريا الشمالية من عهد أوباما سياسة عُرفت بـاسم "الصبر الإستراتيجي" تقوم علي تشديد العقوبات الاقتصادية، إذ اعتمدت إدارة أوباما سياسة الإقصاء السياسي والنبذ وتجفيف موارد كوريا الشمالية والحصار الاقتصادي كفيل بتحطيم طموحاتها النووية والصاروخية.

ولم يخطئ الأمريكان في حساباتهم وقدرتهم على تعطيل برامج كوريا الشمالية، فحسب، بل إن تلك السياسة قد أعطت بيونغيانغ فرصة لتطوير برنامجها النووي والصاروخي، الذي اختتمته بتجربة نووية العام الماضي سجلت 6 درجات ونصف على سلم ريختر وإطلاق صاروخي عابر للقارات حقق 11 الف كم مدى! وكانت دورية "بيزنيس إنسايدر" قد ذكرت في تقرير لها العام 2017 أن كوريا الشمالية تأمل في أن يساعدها نجاح تجاربها النووية والصاروخية في جلب الولايات المتحدة لطاولة المفاوضات، وكان لها ما أرادت!

وقد تساءلت قبل عدة أشهر مستفهما: هل يتحقق الردع المتبادل في الحالة الكورية الأمريكية ما يجبر الطرفين للجلوس لمائدة المفاوضات ؟ نعم قد تحقق، وسيجلس الطرفان للتفاوض. فماذا تأمل كوريا من وراء المفاوضات؟

في الحد الأدنى: انتزاع بعض التنازلات من المجتمع الدولي والاعتراف بها دولة نووية وسط مجموعة الكبار وتأمين مجالها الحيوي ودرء الأخطار التي تهددها من القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان والمحيط الهادي.

ولابد من الإشارة هنا إلى أنه لا مصلحة لأي من الدول الإقليمية أن تتحد الكوريتين قبل نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية، لأن كوريا الجنوبية المتطورة تكنولوجيا والقوية اقتصاديا إذا ما اتحدت مع النووية الشمالية، فإن ذلك يشكل خطرا على المصالح القومية للولايات المتحدة والصين واليابان. كما إن إسقاط النظام الكوري الشمالي أو تدجينه يشكل خطرا على الصين.

وعليه، فمن المستبعد إيجاد حل للأزمة في شبه الجزيرة الكورية مقابل تمسك كل طرف بشروطه المناقضة للطرف الآخر. وقناعتي أن واشنطن ستبقي التوتر في المنطقة والتصعيد مع كوريا الشمالية لأهداف إستراتيجية، تبيع الأسلحة المتطورة لحلفائها هناك وتعسكر آسيا باسيفيك لاحتواء التنين الصيني الخصم اللدود، خاصة بعدما أطلقت حوار "الهند-باسيفيك"، وهي إشارة واضحة لجذب الهند إلى  معسكرها للحد من نفوذ الصين.

روسيا ستعزز علاقاتها مع الصين بعد المحاولات أمريكية إلى عزلها أوروبيا. أما اليابان، فستمضي في تطوير قدراتها العسكرية الهجومية. وتدرك "سيول" أن الدبلوماسية الهادئة تجدي نفعا، لأن الشعوب لا تختار جيرانها، ولكن تبحث عن قواعد مشتركة للتعايش السلمي وهذا ما حدث اليوم.

هذا، وقد نشر البيت الأبيض، أمس، صورتين لوزير الخارجية الجديد، وكان حينها مدير الاستخبارات المركزية، بومبيو، مع كيم جونغ آون زعيم كوريا الشمالية، واجتمعا في لقاء سري في عطلة عيد الفصح قبل أسابيع، ولا أحد يعلم ما جرى تحت الطاولة، والأيام القادمة قد تحمل مفاجآت.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر