آخر الأخبار

قوات عربية شمال سوريا: تأجيج لنزاع عربي تركي إيراني

2018-4-21 | وائل عصام قوات عربية شمال سوريا: تأجيج لنزاع عربي تركي إيراني

بغض النظر عن جدية تصريحات المسؤولين العرب والسعوديين خاصة، عن استعدادهم لإرسال قوات لشمال سوريا مكان القوات الأمريكية المنسحبة قريبا، إلا أن مجرد إعلان ذلك يشير إلى خلل في رؤية المنظومة الرسمية العربية، فمن حيث المبدأ، من المستبعد أن تسمح التوازنات شمال سوريا، باستيعاب قدوم قوات عربية، فمن سيقبل بها: إيران أم الأكراد أم تركيا أم النظام السوري؟ كلها أطراف تملك النفوذ الأكبر بالبلاد وتتعارض مصالحها مع هذا التواجد الرسمي العربي. أما الأمريكيون فلن يكونوا قادرين على تأمين مظلة حماية لهذا القوات وهم خارج سوريا في حال نفذوا انسحابهم.

لكن إن نحينا جانبا الطرف الكردي، على اعتبار أنه قد يقبل على مضض وجودا رسميا لقوات برعاية وإشراف الولايات المتحدة، الدولة الحامية لإقليمهم الكردي شمال سوريا من المتربصين بها، كالأتراك والإيرانيين، سيبقى أمامنا طرفان لا يمكن لهما قبول هذا الوجود، وهما أنقرة وطهران، ويمكن أن نضيف موسكو لاتفاقها مع الإيرانيين في الرؤية العامة في سوريا، بمعاداة أي قوى موالية للأمريكيين تبحث عن موطئ قدم قرب المياه الدافئة في المتوسط.

فطهران ترى أي قوات رسمية عربية حالها كحال المعارضة السورية، بل هي من دعمت المعارضة لفترة ما، هي مناوئة للنظام السوري، الذي سعت مع حليفتها روسيا لتثبيت أركانه على مدى السنوات السابقة، وهي إن تفادت المواجهة مع قوات دولة كبرى كالولايات المتحدة، فإن الأمر لن يكون كذلك مع قوات دول عربية، لم يعد لها أي اعتبار في الموازين الإقليمية، وإن استمدت شرعية وجودها من دولة كبرى كالولايات المتحدة.

أما تركيا، فالأمر بالنسبة لها أعظم وأشد، فهي بالكاد تحتمل الدور الأمريكي الراعي والداعم للأكراد، وتعض على جراحها التي نكأها الأكراد شمال سوريا، خشية المجازفة بإفساد علاقاتها مع واشنطن، لكن لا يمكن تصور أن تركيا ستحتمل تورط قوات عربية في حماية أعدائها من الانفصاليين الأكراد، فمثلا، سيكون من الصعب أن تتوقف القوات التركية عن مهاجمة تل رفعت ومنبج، لو إن فيها قوات عربية وليست أمريكية.

وإذا أضفنا إلى الأمر الخلافات والحزازات التركية القائمة مع الدول العربية، التي يفترض أن تشكل هذه القوات، وعلى رأسها الحكومة المصرية والسعودية، ستصبح الصورة أكثر وضوحا في ما يتعلق بالخطورة التي سينطوي عليها تطبيق مشروع كهذا، فهو سيشعل نزاعا بين تركيا والدول العربية.

وبناء على واقع هذه التجاذبات، فإن فكرة إرسال قوات من حكومات عربية كمصر والسعودية، إما أنها مجرد ثرثرة إعلامية اعتدنا عليها من وزير الخارجية السعودي الجبير، وإما أنها، إن طبقت، ستكون خطوة مآلها الفشل بعد إشعال نزاعات عبثية، خصوصا مع تركيا، لا ناقة ولا جمل للعرب فيها، وإنما هي ارتهان لقطيع "راعي البقر" الأمريكي.

أما الجانب الكردي، فهو يعمل على محاولة تأمين بديل لحمايته بعد خروج الأمريكيين، فالمشروع الكردي في شمال سوريا محاط بتكالب قوى عديدة، كلها تريد افتراسه بأسرع وقت، وما إن يخرج الأمريكيون حتى تبدأ تركيا وقبلها إيران بالعمل على وضع أرجلهم في المنطقة، ومن الواضح أن النظام السوري وطهران يملكان علاقات وطيدة بالقوى الكردية كالبي كي كي، ستمكنهم على الأغلب من إنجاز تسوية تضمن عودة المناطق الشمالية تحت خيمة دمشق، وإن احتفظ الأكراد بحد أدنى من بعض الصلاحيات الإدارية والتواجد الحزبي، وهذا سيكون حلا مقبولا لتركيا ما دام يضمن تقليص قوة وتواجد التنظيمات الكردية المسلحة جنوب الحدود، لكن من السابق لأوانه معرفة إن كان الأمريكيون قادرين على عقد توافقات إقليمية ما، مع تركيا خصوصا، قبل الانسحاب المزمع قبل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل.

أما الحديث عن جلب قوات عربية مكان القوات المنسحبة، فقد لا يعدو كونه "جس نبض" للأطراف الإقليمية، ولعله محاولة لـ"حلب" المزيد من أموال أصدقاء الولايات المتحدة الأثرياء في الرياض، ومن غير المستبعد أن الدول العربية التي تبرعت بالإعلان عن استعدادها لإرسال قوات عربية لشمال سوريا، قد لا تدرك أن ما واجهته الولايات المتحدة من صعوبات شمال سوريا، لن ينجحوا هم بتذليلها بإمكانياتهم المحدودة، فالحرب في سوريا، سبق أن اختبرت قدرة الدول العربية الداعمة للمعارضة سياسيا وعسكريا على إدارة المواجهة ودعم حلفائها من الجيش الحر ضد النظام، وبما أن النتائج لم تكن إيجابية في الماضي، فإنه من المرجح أن تكون كذلك مستقبلا حال إقدام الرياض والقاهرة على الانخراط في هذا المشروع الذي لا يزال في طور التصريحات الإعلامية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر