مذهب السيف في الصراعات السياسية

2018-4-18 | خالد حسن مذهب السيف في الصراعات السياسية

أكثر الحسم العسكري اليوم، وبالأمس أيضا، بواعثه وأبعاده سياسية وإن أخذ طابعا إيديولوجيا ومذهبيا وفكريا. ولهذا، فاستدعاء التراث والتاريخ والنص كان موجها لهدم الحركة المعادية أكثر من الانتصار لمذهب أو فكرة. حتى في الثورات وما بعدها، في الانقلابات وما بعدها، في صعود الدول وانحسارها، يظل الباعث السياسي حاضرا بقوة، مشهَرا سيف الفكرة والمذهب والنص.

كانت أبرز محاور الصراع التي اشتد حولها الجدل السياسي بين محمد بن تومرت، مؤسس دولة الموحدين التي حكمت بلاد المغرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وبين فقهاء دولة المرابطين، هي مسألة الخروج على السلطان، وكان الأمر نقاشا بين اتجاهات سياسية متناحرة، معارضة وموالاة، أكثر منه صراعا مذهبيا أو فكريا.

رأى ابن تومرت في المرابطين "مميَعين" و"مبدَلين" للدين، ورأوا فيه "خارجيا" صداميا غلبت عليه النزعة التسلطية. قيل عن ابن تومت إنه قد "غلبت عليه نزعة خارجية" أو تسلل إلى عقله "نوع من رأي الخوارج الذين يرون السيف ويكفرون بالذنب". ولكن "خارجيته" كانت لصيقة بمدلول الخروج السياسي غير معنية بتبني الفرقة الخارجية في أصولها المذهبية، فلم يكن الرجل من العلماء المُبرَزين في الفقه وأصوله، وإنما كان ثائرا انقلابيا، وكان متبوع الرأي مسموع القول، فالمواصفات القيادية الشخصية كانت أكثر ما أغرى مريديه وأتباعه للانقياد إليه.

وربما كان ابن تومرت داعية محرضا أكثر منه رجل دولة، ومن أتى بعده أسس للدولة وتمددها وتوسعها. وحتى اختياراته الفقهية والعقدية كانت أقرب إلى التوفيق والتلفيق، فلم يكن من اهتمامه تأسيس مذهب جديد وربما لم يفكر في ذلك ابتداء، فقد كان "أقرب إلى المالكيَة في أصولها عند مؤسسيها".

وأكثر ما ظل يهيمن على ابن تومرت هو إسقاط الحكم القائم وضرب التحالف المالكي المرابطي، وهو في ذلك لم يعتمد على السجال الفكري، بقدر ما راهن خلفاؤه على الحسم العسكري في صراع دموي عنيف سجلته كتب التاريخ.

وتهمة "الخارجية"، في مدلولها السياسي، كانت الأكثر حضورا فيما طبع به الفقهاء حركة ابن تومرت، ولكن في العمق كان صراعا سياسيا أكسبه المتناحرون بعدا إيديولوجيا، طلبا للحشد والتعبئة وانتصارا للموقف.

إذ يُستبعد أن يكون للبواعث المذهبية تأثير بيَن في توجيه الموقف المالكي على اعتبار أن ابن تومرت لم يكن من أهدافه المعلنة ولا المخبوءة طرح مذهب جديد، وكل ما في الأمر أن الأبعاد السياسية طغت عليها الصياغة الإيديولوجية ليتقمص السياسي عباءة الفكري.

وحتى موقف فقهاء المالكية المعادي آنذاك للحركة الموحدية، بقيادة ابن تومرت، كان محكوما ببواعث سياسية وربما حتى شخصيَة، إذ رأوا في حركته "خوارج بغاة" لا همَ لهم إلا إسقاط حكم يدين له الفقهاء بالولاء ويدين لهم بالبقاء، وبثوا دعاية مناهضة له، فكانت لهجته في تقريعهم حادة فوصفهم بـ"المكاَرين" و"المُلبَسين".

وابن تومرت، بتعبيرنا اليوم، كان يريد إسقاط منظومة حكم سياسية مرتبطة ببيئة اجتماعية )المرابطون( والإطاحة بحكمها لتحلَ "التومرتية" محلَها، وعمل على إنجاح مشروعه من دون هوادة، بالدرس والسيف، وكان صاحب همة، بحيث "يهون عليه إتلاف عالم في بلوغ غرضه"، "إتلاف عالم" دلالة على القسوة في سعيه لإسقاط خصومه، إذ المهمَ في ذلك أن يبلغ غرضه، وعلى هذا فالسيف خادم للسياسة، والسعي في بلوغ المرام لا يردعه رادع.

وحتى فكرة "المهدويَة"، التي تبناها ابن تومرت، يراها بعض الدارسين أنه "كان مضطرا لاصطناع فكرة المهدي ليشبع رغبة دفينة لدى جمهور البربر الذين افتتنوا به، وأرادوا أن يكون زعيمهم فوق مستوى البشر". بما يعني أن هذا كان يعبر عن "ظاهرة محلية عريقة" أكثر من ارتباطه بالدعوة الشيعية، لكن البعد هنا سياسي، أيضا، أكثر منه عقدي إيديولوجي، فقد وظف ابن تومرت "المهدويَة" توظيفا سياسيا، وحقق من ورائها أهدافا سياسية منسجمة مع السياق الديني والبيئة الاجتماعية المحلية.

فالقدرة على التوظيف والتقمص والتأثير والمهارات القيادية التنظيمية والبيئة المحلية المُهيأة عبَدت الطريق لتمكَنه. ولهذا، لم ينشغل الدارسون كثيرا بـ"خارجية" ابن تومرت إلا فيما ندر، وإنما غلب عليه تطرف الخوارج، كما هو الحال عند فرقة "الأزارقة"، وليس القول بأصول مذهبهم.

وإيراد "الأزارقة" في هذا السياق ليس أكثر من محاولة الربط بين ما اتَسم به ابن تومرت من قسوة بالغة ودموية وبين ما عُرفت به فرقة "الأزارقة". ووصفه لخصومه المرابطين بـ"المجسمين" لم يكن إلا ردَ فعل على اتهام المرابطين له ومن معه بـ"الخوارج"، رغم أنهم يدركون قبل غيرهم بأنه لا علاقة للرجل بأصول هذه الفرقة وما تعتقده.

فلم يكن اعتراض فقهاء المالكية عليه حينها زمن المرابطين، وكانوا من المقربين للحكام ومن المبجلين، موقفا مبدئيا بقدر ما كان يعبر عن الاعتراف بشرعية واقعية، ثُمَ، وهذا مهم وقلما يُنظر إليه، كانت وراءه دوافع شخصية، أملتها رغبتهم في الاحتفاظ بالمكانة التي حظوا بها في ظل الحكم المرابطي، فإنهم كانوا، حسب ابن خلدون: "يُؤنسون من ملوك لمتونة –أعداء ابن تومرت- تجلَة وكرامة، لم تكن لهم من غيرهم".

وفي الأخير، يكاد يتفق المؤرخون القدامى على أنَ ابن تومرت مات "ولم يفتح شيئا من البلاد" أو "يملك شيئا من المدائن"، وإنما "قرر القواعد ومهَدها ورتب الأحوال ووطَدها" لخليفته عبد المؤمن، الذي كانت له "الفتوحات والممالك".

وحتى بعد وفاة الخصم المؤسس، حرص الحكم المرابطي على دعم الواجهة الدينية، الحضور المالكي، طلبا للتحصين والحشد والتعبئة في صراع سياسي، فيما عمد الموحدون من جهتهم إلى نوع من الدعاية السياسية في وضع النبوءات والترويج للمهدوية إمعانا في التضليل والتمويه في حرب التأثير النفسي.

ولم تزد سنوات العداء السياسي المرير المواقف إلا تصلبا وانغلاقا، فظهر أن خيار المواجهة المسلحة هو الأسرع حسما والأكثر فاعلية، وهنا أبدى الموحدون من دركات القسوة والغلو في التنكيل بخصومهم ما تناقلت أخباره كتب التاريخ بفزع وهلع، حتى كُتب أنه حين تمكن عبد المؤمن، خليفة ابن تومرت، من السيطرة على مدينة وهران، في الغرب الجزائري، "قتل فيها ما لا يُحصى"، بل حتى الناجين منهم، ممن نزلوا على حكمه، "استُؤصلوا عن آخرهم كبارا وصغارا"، وعمل السيف أيضا في أهل تلمسان وفي مكناسة، وأكبر مقتلة التي خلَدت "الهجمة الموحدية" كانت في اجتياح مراكش، عاصمة المرابطين.

وكان الفشل الباعث الأساس تقريبا في نقمة الموحدين والاستهانة بأرواح "غير الموحدين"، وهذا مما زرعه فيهم ابن تومرت. وعلى هذا، فأكثر الصراعات السياسية لا تخرج عن طرفي نقيض: نمط مهادن للسلطة تبنى أصحابه نزعة تبريرية انقيادية، ونمط مناوئ لها تبنى خطابا صداميا معاكسا وأعمل السيف في صراعه.

وقد أذعن في الأخير فريق من فقهاء المالكية وتحالف مع السلطة الموحدية، بعد أن كان يصفها بـ"الخارجية" ومنحها الولاء والتأييد، وثمة اعتبارات أملت عليهم هذا التحول في الموقف، ومنها التصدي لتحديات الخطر الخارجي.

ويظهر من قصة هذه الحرب العنيفة أن الخلاف المذهبي أو الفكري لم يكن هو الدافع الأكبر للصراعات الدموية داخل المجتمعات الواحدة، وإنما الذي حدَد وجهة الصراع ورسم مساره الصدامي هو المفارقة السياسية التي استخدمت أكثر الأدوات تأثيرا في الجمهور، وهي هنا الخطاب الديني، للحشد والتحصين، حتى بدا أنه صراع مذهبي لشدة تأثير الحضور المالكي في مختلف مراحله.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر