الحشد الشعبيّ: مهام عابرة للحدود ونسخة حشدية في سوريا

2018-4-10 | رائد الحامد الحشد الشعبيّ: مهام عابرة للحدود ونسخة حشدية في سوريا

بقلم: رائد الحامد (*)/ كاتب وباحث عراقي

* خلفية:

ظهرت قوات الحشد الشعبي بعد ثلاثة أيام من أحداث الموصل 2014؛ وبعد يومين فقط من دعوة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لتشكيل "جيش رديف" لتدارك حالة الانهيار غير المسبوقة في صفوف القوات الأمنية البالغ تعدادها أكثر من 70 ألف مقاتل فروا أمام مئات المقاتلين من تنظيم الدولة الذين سيطروا على مدينة الموصل في العاشر من يونيو 2014 وأجزاء من محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك والأنبار وبعض الضواحي غرب العاصمة.

وقدمت إيران الدعم الفوري للحكومة العراقية بعد أحداث الموصل 2014 مباشرة، فيما ساهمت بتشكيل قوات الحشد الشعبي ودعمه بالتدريب والتسليح ورفده بمقاتلي الفصائل المسلحة الحليفة لها، مثل منظمة بدر وحركة عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله العراقي وغيرها من الفصائل التي تشكلت خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، أو الأخرى التي تشكلت بعد غزو العراق في 2003؛ ويدين بالولاء المطلق لإيران. فـقد "أعلن "41 فصيلا بيعتها الشرعية للمرشد الأعلى علي خامنئي من أصل 72 يشكلون هيئة الحشد الشعبي"، وترتبط هذه الفصائل تنظيمياً بالحرس الثوري الإيراني و"شرعياً" بالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي.

* مهام الحشد الشعبي خارج العراق:

لا تخفي قيادات الحشد الشعبي الحليفة لإيران احتمالات انتقال مقاتليه إلى سوريا "لملاحقة مسلحي تنظيم داعش في سوريا، وفي أيّ مكان تنطلق منه عمليات تهدد الأمن العراقي"، ويعكس هذا الموقف حاجة إيران للحشد الشعبي في ساحات صراعها المتعدد الأوجه في ساحات متباعدة أو متقاربة جغرافياً.

لكنّ الحكومة العراقية تعلن بشكل رسمي رفضها لأي دور تعلبه الفصائل المنتمية لهيئة الحشد الشعبي خارج الحدود لكونها "قوات عراقية لا يسمح الدستور العراقي بمشاركتها في القتال خارج حدود العراق" دون اكتراث من قيادات الحشد الشعبي التي تؤكد على استعدادها "للدخول إلى مناطق الصراع في سوريا حيث تتداخل الساحتين السورية والعراقية".

تتوافق سياسات الحشد الشعبي مع دعوات وجهها الرئيس السوري بشار الأسد بشكل مباشر دون تنسيق مع الحكومة العراقية "لدخول سوريا بعد إكمالها تحرير العراق"، وجاءت دعوة الرئيس السوري بعد أكثر من أسبوع على قطع طريق الإمدادات بين مدينتي الرقة والموصل في العاشر من نوفمبر 2016.

وسبق للمسؤول العسكري لحركة النجباء من سوريا أن أعلن تشكيل لواء تحرير الجولان في مارس 2017 "وهو تشكيل نوعي تسلح بخلاصة التجربة القتالية لمقاتلي الحركة في لبنان وسوريا والعراق للدفاع عن محور المقاومة والممانعة ولمساندة الجيش العربي السوري بتحرير أراضيه المغتصبة ورفع المظلومية عن الشعب السوري، وتحرير المقدسات في فلسطين المحتلة".

وتشكلت حركة النجباء من منشقين عن حركة عصائب أهل الحق، وتمارس الحركة نشاطاتها القتالية خارج الأراضي العراقية في سوريا منذ عام 2013 كجزء من نشاط أوسع يقوده الحرس الثوري الإيراني لدعم قوات النظام السوري. وترتبط الحركة بعلاقات متينة مع حزب الله اللبناني الذي يقاتل هو الآخر إلى جانب قوات النظام منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا؛ ويتواجد لواء الجولان التابع لحركة النجباء على الحدود السورية مع إسرائيل في هضبة الجولان المحتلة.

 * دور الحشد الشعبي في سوريا:

اتجهت الحكومة السورية بقيادة بشار الأسد إلى تعزيز التحالف الإستراتيجي مع ايران التي دعمته في الجوانب الاقتصادية ووفرت له حاجته من الاستشارات والأسلحة والمقاتلين في مواجهة المعارضة المسلحة بعد عام 2011، إذ لعبت إيران دوراً مباشراً في منع سقوط دمشق و"ضرب وحشية وهمجية التيارات الإرهابية"، ومن هذه التيارات، فصائل المعارضة السورية المسلحة.

قدمت إيران بشكل مباشر الدعم المالي والمقاتلين من الحرس الثوري، والدعم اللوجستي لقوات النظام السوري وقوى حليفة له تمثلها المجموعات الشيعية المختلفة المحلية وغير المحلية، مثل حزب الله اللبناني والحشد الشعبي وغيرهما من المجموعات التي تقاتل على الأراضي السورية في مواجهة فصائل المعارضة السورية المسلحة التي تلقت دعماً من الولايات المتحدة والدول الحليفة لها في المنطقة والاتحاد الأوربي بمستوى متدنٍ حافظ فقط على وضع قرار المعارضة المسلحة تحت دائرة سيطرتها.

وتقاتل المجموعات الشيعية المسلحة في سوريا منذ بدايات الثورة السورية دفاعاً عن وجود النظام الذي "لو لم تكن تلك المجموعات متواجدة في سوريا لأطاح تنظيم داعش بنظام الأسد، ولتغيرت كل خريطة الشرق الأوسط".

لا توجد إحصائيات مؤكدة لأعداد مقاتلي الحشد الشعبي الذين يقاتلون في سوريا، لكن بعض التقارير أشارت إلى "وجود أكثر من 35 ألف مقاتل شيعي من أفغانستان والعراق وإيران ولبنان والبحرين يقاتلون إلى جانب قوات النظام"، من بينها حزب الله اللبناني وعصائب أهل الحق وحركة النجباء المكونان من مقاتلين عراقيين ولواء فاطميون المكون من مقاتلين أفغان ولواء زينبيون المكون من شيعة باكستانيين وفيلق القدس الإيراني ومجموعات أخرى تواجدت في وقت مبكر منذ بدايات عام 2013. فيما ذهبت تقديرات أخرى عام 2014 إلى وجود "نحو أربعين ألف مقاتل جنبي إلى جانب النظام السوري جاءوا من إيران والعراق ولبنان واليمن وأفغانستان وأذربيجان تلقوا تدريبات على أيدي ضباط فيلق القدس وحزب الله اللبناني".

وشهدت الحرب الأهلية السورية مشاركة محدودة من عدد من المجموعات الشيعية العراقية المسلحة منذ بداياتها الأولى قبل تشكيل قوات الحشد الشعبي وانضوائها ضمن تشكيلاتها، لكن الاتجاه العام بعد الانتهاء من قتال تنظيم الدولة في العراق يسير نحو مشاركة أوسع على شكل قوات منظمة تقترب في توصيفها من الجيوش شبه العسكرية، مثل حزب الله اللبناني.

شكّل ظهور لواء أبو الفضل العباس في شتاء 2012 "أول ظهور" لمجموعات شيعية مسلحة تتشكل من مقاتلين عراقيين ولبنانيين وسوريين "لحماية مرقد السيدة زينب جنوب دمشق"، وهذا اللواء هو واحد من المجموعات المرتبطة بشكل مباشر بحركة عصائب أهل الحق التي تُعد من أهم وأكبر فصائل الحشد الشعبي.

ومع تراجع الحاجة إلى المزيد من مقاتلي الحشد الشعبي في المعارك ضد التنظيم في العراق، قبل خسارته كامل مناطق سيطرته منتصف نوفمبر 2017 بعدة أشهر، اتجه مقاتلو الحشد في هجرة معاكسة نحو الأراضي السورية، أو قريباً من حدودها، من رؤية مسبقة لقياداتهم تفيد "بتداخل ساحتي القتال السورية والعراقية" وما تفرضه هذه الرؤية من ضرورة الزج بمزيد من المقاتلين من الحشد الشعبي مثل حركة النجباء التي "أرسلت أكثر من ألف مقاتل آخر إلى الأجزاء الجنوبية من مدينة حلب" لتعزيز مواقع تحالف قوات النظام التي كانت تخوض معارك عنيفة لاستعادة المدينة من أيدي المعارضة المسلحة منذ بداية معركتها في 19 يوليو 2016 وحتى استعادتها بالكامل في 22 ديسمبر من العام نفسه.

وفي مقابل وجود قوات الحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية شمال مدينة القائم، وفي توقيت متزامن، اتجهت قوات تحالف النظام السوري انطلاقاً من مدينة تدمر التي استعادتها من تنظيم الدولة في مارس 2017 للسيطرة على الحدود السورية العراقية في منطقة التنف السوري التي تتواجد فيها قاعدة عسكرية لقوات التحالف الدولي وفصائل حليفة من المعارضة السورية المسلحة، فيما انتشرت على الجانب الآخر من الحدود قوات تابعة لفصائل الحشد الشعبي من شمال منفذ الوليد، مقابل التنف السوري، إلى جنوب منفذ القائم، مقابل منفذ البو كمال السوري للدفاع عن أمن العراق من "مصادر الإرهاب خارج الحدود".

* معركة الموصل محطة الانتقال إلى سوريا:

تصاعدت وتيرة تصريحات قيادات الحشد الشعبي بالذهاب إلى سوريا والقتال إلى جانب قوات النظام بعد بدء معركة استعادة الموصل في 17 أكتوبر 2016 ووصول قوات الحشد الشعبي إلى المحور الغربي من المدينة بعد اعتراضات أمريكية وحكومية عراقية. واستطاعت قوات الحشد الشعبي تثبيت مراكز سيطرة ونفوذ في معظم مناطق شمال غربي العراق في محافظة نينوى على الحدود الغربية كنقاط تمركز "للتحرك نحو سوريا بعد تحرير الأراضي العراقي من قبضة تنظيم الدولة للمشاركة في القتال إلى جانب القوات الحكومية التابعة للرئيس السوري بشار الأسد".

ومنذ نهاية مايو 2017 "انتشرت قوات الحشد الشعبي لأول مرة في قرية أم جريص" قرب منطقة البعاج على الحدود العراقية السورية، 15 كيلومتراً جنوب شرقي بلدة الهول في ريف الحسكة الشرقي "للبدء بعملية عسكرية لتطهير وتأمين الحدود باتجاه قضاء القائم" أكثر من 200 كيلومتر باتجاه الجنوب.

وتنتشر على الجانب العراقي قوات تابعة لفصائل الحشد الشعبي من شمال منفذ الوليد، مقابل التنف السوري، إلى جنوب منفذ القائم، مقابل منفذ البوكمال السوري "للدفاع عن أمن العراق من مصادر الإرهاب خارج الحدود"، ونجحت هذه الفصائل بالسيطرة على منفذ القائم الحدودي بمشاركة القوات الأمنية العراقية في 4 نوفمبر 2017 بالتزامن مع "تركيز القوات السورية المدعومة بفصائل من الحشد الشعبي جهدها العسكري للسيطرة على مدينة البوكمال السورية" التي استعادتها بالكامل في 19 نوفمبر الثاني وفرضت سيطرتها على الطرق البرية المتجهة نحو محافظتي حمص والعاصمة.

وتعد مشاركة حركة النجباء في معارك البوكمال الأخيرة هي المشاركة القتالية الاوسع إلى جانب مجموعات شيعية أخرى "يقودها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني الذي ظهر في ضواحي المدينة إلى جانبه مقاتلين من حركة النجباء منتصف نوفمبر 2017".

سجلت فصائل الحشد الشعبي أول تواصل جغرافي عابر للحدود بين العراق وسوريا بعد سيطرة القوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي على مدينة القائم على الجانب الآخر من الحدود بتوقيت متزامن مع سيطرة تحالف قوات النظام على مدينة البوكمال إلى جانب مجموعات شيعية أخرى بإشراف قائد فيلق القدس الإيراني اللواء قاسم سليماني ليكون الطريق سالكاً بين إيران وسوريا عبر محافظة الأنبار بمحاذاة نهر الفرات الذي تشكل مدينة القائم بداية دخوله إلى العراق.

وللمرة الأولى تتمكن إيران من رفد القوى الحليفة لها بالإمدادات عبر منفذ البوكمال بعد توقف الممر البري الذي يمر عبر منذ التنف السوري في عام 2013 بعد عودة تنظيم الدولة من معسكراته الصحراوية، واستمرار توقف هذا الممر باستمرار وجود القاعدة العسكرية لقوات التحالف الدولي في منطقة التنف السوري.

وتهتم قوات النظام والقوات الحليفة بعد استعادة البوكمال بإعادة تأهيل الطريق البري الذي يربط محافظة دير الزور على الحدود مع العراق بمدينة تدمر على مسافة أكثر من 220 كيلومتراً ومنها إلى حمص ثم الحدود اللبنانية أو من مدينة تدمر باتجاه العاصمة دمشق ومنها إلى الحدود اللبنانية أيضاً.

ويربط منفذ البوكمال إيران بالبحر الأبيض المتوسط مروراً بثلاث عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت، وهي عواصم خاضعة للنفوذ الإيراني من خلال القوى الحليفة سواء على مستوى الأنظمة أو على مستوى المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران في البلدان الثلاث.

* إنتاج نسخة حشدية في سوريا:

يُعتقد -وفقاً لمصادر استخبارية إسرائيلية وصور أقمار صناعية- وجود ما لا يقل عن عشر قواعد عسكرية إيرانية في سوريا تأوي عشرات الآلاف من المقاتلين من مختلف الجنسيات تحت قيادة ضباط في الحرس الثوري الإيراني، يديرون عمليات الدعم اللوجستي من "المركز الرئيس لقيادة الحرس الثوري الإيراني في سوريا يقع داخل أحد المجمعات في حرم مطار دمشق الدولي، ويعرف باسم المبنى الزجاجي".

وتضطلع القواعد العسكرية الإيرانية بمهام تدريب المقاتلين والدعم التسليحي للمجموعات الشيعية المسلحة وتسهيل نقل الصواريخ والمعدات القتالية إلى حزب الله في لبنان؛ وتغطي عموم جغرافية سورية، وتتوزع قرب تدمر في محافظة حمص وفي قاعدة الشعيرات وفي درعا جنوب سوريا لدعم عمليات تلك المجموعات في جنوب غرب سوريا على الحدود مع الأردن وإسرائيل.

ترفض إيران بشكل قاطع الدعوات التي أطلقتها كيانات سياسية عراقية ودول عدة من بينها الولايات المتحدة وفرنسا لحل الحشد الشعبي بعد ان انتهت مهامه في قتال تنظيم الدولة الذي خسر جميع مراكزه الحضرية في العراق.

وتناور إيران لإبقاء قوات الحشد الشعبي قوة فاعلة وقوية "وعدم إضعافها خشية ضرب استقرار العراق كونها القوة الأساسية القادرة على صد الجماعات السُنيّة المتشددة"، كما إن حزب الله اللبناني -أحد أهم أذرع إيران في المنطقة- يرى في الحشد الشعبي القوة الأساسية في مواجهة تنظيم الدولة بما يشكله من تهديد "على قصور وعروش الأنظمة العربية".

وأشرفت إيران بشكل مباشر منذ عام 2013 على تشكيل قوات الدفاع الوطني، وتشير تقديرات لكبار قادة الحرس الثوري الإيراني إلى وجود "أكثر من 100 ألف عضو حالياً في قوات الدفاع الوطني من الشبان السوريين من أهل السنة نجحوا في تحرير مئات المناطق، وهؤلاء الشبان يعشقون الثورة الإيرانية وقائدها"، وهذا الأخير يرى أن قوات النظام السوري "تقاتل نيابة عن إيران".

* استنتاجات:

أولاً: مع زيادة وتيرة هجرة سكان البلد الأصليين واستقرار أوضاعهم في بلدان أخرى، وغياب آفاق استعداد المجتمع الدولي لإعادة إعمار البنى التحتية للمدن المدمرة، ومع التشديد على أن سيطرة القوى الحليفة لإيران على المشهد الأمني حتى بعد عقد التسوية السياسية برعاية أممية، وقياساً على ما جرى في بلدات القصير والزبداني ومناطق أخرى في محيط العاصمة من عمليات تهجير قسري وإحلال سكان بدلاء من انتماءات مغايرة للسكان الأصليين ضمن إعادة التركيبة السكانية وفق ما يخدم المشروع الإيراني، فإنه من المتوقع أن تتم عملية توطين لعائلات مقاتلي الحشد الشعبي والمجموعات الشيعية الأخرى لفرض تركيبة سكانية موالية وقادرة على ضمان المصالح الإيرانية على المدى البعيد.

لذلك، ستشهد الأراضي السورية زيادة في هجرة مقاتلي الحشد الشعبي وعوائلهم إلى سوريا لإنفاذ المشروع الإيراني طالما لم تعد هناك حاجة لأعداد كبيرة منهم في العراق لقتال تنظيم الدولة بعد إعلان النصر في 8 ديسمبر 2017.

ثانياً: تصر إيران على عدد من الثوابت في أي تسوية للحرب الأهلية السورية، فهي ترفض أي حديث يتعلق بإزاحة حليفها الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة، كما إنها ترفض كل الدعوات التي تدعو لانسحاب كامل للحرس الثوري من سوريا، بما فيها التلميحات الروسية.

كما إن إيران ترفض بشكل قاطع وقف دعم القوى الحليفة لها فيما تعمل على إنتاج نسخة محلية من حزب الله اللبناني أو الحشد الشعبي العراقي من خلال دعم وتمويل قوات الدفاع الوطني التي تتشكل قياداتها من أبناء الطائفة العلوية في معظمها وتضم مقاتلين من العرب السنة.

وفي سبيل ذلك، ستواصل إيران دعم زيادة نشاطات الحشد الشعبي والقوى الحليفة في الأراضي السورية لفرض وقائع جديدة على الأرض والمساهمة في الضغط باتجاه تسوية أممية للحرب الأهلية السورية بما يتوافق مع المصالح الإيرانية في صياغة المستقبل السياسي لسوريا.

ثالثاً: تأمين انتقال البضائع باتجاهي الحدود وإعادة "الحياة التجارية بين العراق وسوريا، وتأمين مرور صهاريج نقل النفط العراقي إلى سوريا من محطة إعادة الضخ "تي وان" 24 كيلومتراً شرق مدينة القائم، وتسهيل مرور "خط أنابيب نقل الغاز القادم مستقبلاً عبر أراضي محافظة الأنبار من "إيران إلى الشواطئ السورية ومنها إلى أسواق الطاقة العالمية".

بيد أن هذا يتعارض مع محاولات روسيا لاحتكار سوق الغاز في دول الاتحاد الأوربي، كما إن خطوط أنابيب نقل الغاز لا بدّ أن تمر في مناطق النفوذ التقليدي لروسيا التي تستحوذ على مناطق الساحل السوري حيث تتواجد أكبر قواعدها البحرية في طرطوس وأكبر قاعدة جوية سورية في محافظة اللاذقية المعروفة باسم قاعدة حميميم؛ ما قد يؤدي إلى تصاعد حدة الخلافات والتنافس مع إيران التي يميزها عن روسيا وجود قوى حليفة على الأرض قادرة على فرض الأمر الواقع، وهو ما تدركه روسيا جيداً.

ولا يقتصر الأمر على الاعتراضات الروسية لوجود مثل هذه القوى الحليفة التي تهدد نفوذها ومصالحها الاقتصادية، إنما ينعكس ذلك أيضاً على الولايات المتحدة التي تفكر في تمركز عسكري بعد التوصل إلى التسوية الأممية مستظلة بالقوات الكردية الحليفة لها التي تمثلها قوات سوريا الديمقراطية التي تطمح الولايات المتحدة لمنح هذه القوات مستقبلاً نوعاً من الإدارة اللامركزية لمناطق الكثافة الكردية في شرق نهر الفرات ومناطق ريف دير الزور جنوب الحسكة التي تحتوي على حقول النفط والغاز، ما يعني تنافساً بين كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة على حقول النفط والغاز من المحتمل أن ينتهي لصالح إيران في حال تخلت الولايات المتحدة عن دعم الحليف الكردي، وهو ما يمكن توقعه بعد الفراغ بشكل نهائي من قتال تنظيم الدولة والتنظيمات القريبة منه.

 رابعاً: لضمان نفوذ إيراني مستقبلاً وتأمين المصالح الإيرانية في سوريا على المدى البعيد، ستعمل إيران على إنضاج قوات الدفاع الوطني واستمرار دعمها لتكون نسخة عن الحشد الشعبي العراقي في ممارسة النفوذ والتغلغل في مفاصل الدولة السورية على ذات ما هي عليه فصائل الحشد الشعبي في العراق.

وبينما يشير السياق العام إلى احتمالات فوز قيادات الحشد الشعبي في الانتخابات العراقية المقبلة المقررة في مايو المقبل بعد أن التفت على قانون الأحزاب العراقية وفكت شكلياً ارتباط الأجنحة السياسية بأجنحتها العسكرية، فإن نجاح تجربة الحشد الشعبي من شأنه أن يدفع إيران لتكرار هذا النجاح في سوريا التي تشير مسارات التسوية الأممية إلى نظام تعددي يعتمد آليات الانتخابات والتداول السلمي للسلطة.

إن نجاح إيران في دفع القوى المحلية الحليفة لها إلى السلطة سيخلق أجواء ملائمة لسيطرة هذه القوى على الملفين الأمني والسياسي من أجل إجراء تغييرات في التركيبة السكانية لصالح المكون العلوي والقوى الأخرى غير المحلية التي تمثلها المجموعات الشيعية المسلحة الوافدة من لبنان والعراق وأفغانستان وإيران وباكستان ودول أخرى ستشكل بمجموعها قوة وازنة قادرة على فرض الأمر الواقع وفق رؤية إيران لمستقبل سوريا بما يخدم مصالحها الحيوية.

(*) مركز العالم للدراسات

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر