أمريكا أخطأت التقدير: الروس ليسوا ضعفاء ولم يغادروا ولديهم إستراتيجية وقوة باقية

2018-4-5 | أمريكا أخطأت التقدير: الروس ليسوا ضعفاء ولم يغادروا ولديهم إستراتيجية وقوة باقية

بقلم: ستيفن كوك / باحث في مجلس العلاقات الخارجية (*) (فورين بوليسي)

عندما تدخلت روسيا في سورية في سبتمبر من العام 2015، كان ذلك التدخل مفاجأة للجميع. كانت روسيا تعيش منذ وقت طويل أحوالا داخلية صعبة ومتقلبة حتى إن فكرة أنها تستطيع ممارسة القوة خارج "جوارها القريب" لم تخطر على بال أحد على مدى 25 عاما تقريبا. لكن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التدخل لإنقاذ بشار الأسد من نفسه غير كل ذلك.

منذ ذلك الحين، ظهر تصوران مختلفان اختلافا جذريا للقوة الروسية: في داخل دوائر واشنطن، فهم العديد من المحللين الاستعراض الروسي للقوة والنفوذ في الشرق الأوسط على أنه إشارة إلى أن التنافس العالمي الذي كان قائما بين واشنطن وموسكو في الماضي لا يزال حاضرا. ومع ذلك، ظلت هناك مجموعة صغيرة من المعارضين لهذا الرأي، من المختصين في الشأن الروسي والمسؤولين الأميركيين السابقين. ويعتقد هؤلاء أن الروس هم في الحقيقة ضعفاء جدا، ومفلسون ماليا، وعالقون في سورية. وأفضل ما يمكن قوله، حسب هؤلاء المعارضين، هو أن بوتين يلعب بأوراق سيئة بطريقة جيدة.

مهما بدا هذا الزعم المناقض للحدس سائغا، فإنه غير دقيق. إن لدى الروس إستراتيجية وقوة باقية. والسؤال هو: ما الذي ينبغي أن تفعله الولايات المتحدة إزاء ذلك؟

في 26 ديسمبر 1991، تم إنزال مطرقة ومنجل الاتحاد السوفياتي من على سارية العلم فوق الكرملين للمرة الأخيرة. وكان ذلك يوما رهيبا بالنسبة لبوتين، ليس لأنه شيوعي غير متجدد، وإنما لأنه قومي فخور. الآن، حان الوقت لتسديد دين نحو ثلاثة عقود من إذلال موسكو. وأي مكان يمكن البدء منه أفضل من الشرق الأوسط، حيث الولايات المتحدة تُقابل بمشاعر الاستياء، حتى بين حلفائها أنفسهم؟

منذ بدء استعراض موسكو للقوة (بمساعدة إيران) في سورية، رسّخ الروس أنفسهم كبديل موثوق للأميركان مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. وبمزيج من مبيعات الأسلحة، والصفقات الاقتصادية، والمناورات الدبلوماسية، كانت روسيا فعالة في سحب تركيا ومصر -ولو بشكل جزئي- أبعد عن الولايات المتحدة وأقرب إلى المدار الروسي.

وقد سافر ملك المملكة العربية السعودية، سلمان، إلى موسكو في أكتوبر الماضي –في أول زيارة يقوم بها ملك سعودي إلى روسيا على الإطلاق- من أجل الحديث عن أسعار النفط والتحوط ضد استراتيجيه الخفض الأميركية. والآن وقد أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للبترول في العالم، من المرجح أن يكون هناك المزيد من التعاون بين الروس ودول الخليج العربية في جهد يرمي إلى ضمان أن تكون أسعار النفط العالمية مواتية لمصالحهم. وحتى الإسرائيليين يُقال إنهم قطعوا الطريق إلى موسكو مرارا وتكرارا على مدى السنوات القليلة الأخيرة، على أمل إقناع بوتين بالعناية بمصالحهم في سورية.

لا شك في أن هذا يشكل سجلا قويا من الإنجاز. ففي فترة تقل عن عقد من الزمن، تحول الشرق الأوسط من منطقة كانت فيها الولايات المتحدة مهيمنة بشكل غامر إلى واحدة تتنافس فيها واشنطن وموسكو. وفي سورية، أظهر الروس الإرادة السياسية والقوة الباقية. وهذا الواقع أكثر أهمية من حجم الاقتصاد الروسي، على سبيل المثال، الذي كان يُستخدم دليلا على ضعف موسكو. ويعرض الاعتقاد بأن القوة الروسية طارئة وسريعة الزوال خطر تبني الأفكار والافتراضات عن العالم من النوع الذي يولّد الرضا عن الذات، وتحتاج واشنطن إلى العكس تماما.

وإذن، ما الذي ينبغي أن تفعله الولايات المتحدة إزاء روسيا في الشرق الأوسط؟ قبل عمل أي شيء، يجب على واضعي السياسات الاعتراف بالواقع: إن الروس لن يذهبوا، ولديهم إستراتيجية لإضعاف الغرب، وهي تبدأ في الشرق الأوسط. وبالإضافة إلى ذلك، لم تعد لدى موسكو نظريات الشيوعية البالية، وهو ما يجعل من الأسهل عليها أن تشق لنفسها طرقا في المنطقة.

الخطوة التالية هي أن يطرح هؤلاء المسؤولون على أنفسهم سؤالين: أولا، ما هو الشيء المهم بالنسبة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ والإجابة عن هذا السؤال واضحة إلى حد ما: احتواء إيران ومكافحة الجهاديين والمساعدة في ضمان أمن إسرائيل، والتأكد من أنه لا يهيمن أي بلد على المنطقة. ثانيا، ما هو ذلك الشيء الذي يجعل القادة في المنطقة يسعون إلى إقامة علاقات أوثق مع موسكو؟ والإجابة هنا أقل وضوحا وأكثر جدلية إلى حد ما، لكنها تتلخص في شيئين: القيادة والالتزام.

إن الأتراك والمصريين والإسرائيليين والسعوديين والإماراتيين هم مراقبون متطورون للسياسة الأميركية. وهم يدركون أن الاختلال الوظيفي السياسي لواشنطن يمكن أن يؤثر في العلاقات الثنائية. وعلى مدى العقد الماضي، أصبحت كل من مصر والسعودية وإسرائيل موضوعات مثيرة للانقسام في الولايات المتحدة. كما إن هناك أيضا حالة من عجز الفروع التشريعية والتنفيذية للولايات المتحدة عن التعامل مع أكثر مهام الحكم روتينية من دون التورط في حرب أيديولوجية، وهو ما يجعل القادة في الشرق الأوسط، الذين اعتمدوا منذ وقت طويل على الأمن الأميركي، يشعرون بالتوتر من احتمال أن تكون الولايات المتحدة في تراجع، ولذلك شرعوا في السعي –ولو مؤقتاً- إلى خيار آخر: روسيا.

ولذلك، فإن واحداً من أفضل الأشياء التي يستطيع الأميركان فعلها لمواجهة الروس في الشرق الأوسط هو أن يضعوا جانباً هذه الحرب الحزبية التي تضعف الولايات المتحدة وتزعزع استقرارها. وبالنظر إلى الظروف الحالية، فإن هذه مهمة تبدو صعبة. ولكن، ما لم يصبح الكونغرس والبيت الأبيض جديَّين إزاء التهديد الروسي، فإنهما سيسلِّمان أجزاء من الشرق الأوسط لموسكو فيما سيكون بالتأكيد واحداً من أعظم الأخطاء التي تُرتكَب طوعاً في السياسة الخارجية الأميركية.

في الوقت نفسه، تحتاج واشنطن إلى الالتزام بضمان أمن أصدقائها وحلفائها، حتى لو أن ذلك يتطلب قدرا معينا من التنازل الأخلاقي. وإذا كانت هذه البلدان تشترك في المصالح العريضة للولايات المتحدة، فإن من المهم عندئذ أن تدعمها واشنطن بالأقوال والأفعال. ولا يعني ذلك بيعها "أسلحة جميلة" فحسب، كما لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب علنا في خلال زيارته للسعودية في ربيع العام 2017.

إنه يعني أيضا اتخاذ قرارات صعبة، مثل القبول بالموقف التركي ودعمه، وليس بشأن حزب العمال الكردستاني فحسب، وإنما أيضا بخصوص تابعته، وحدات حماية الشعب الكردية، التي كانت حليف واشنطن الرئيس في الحرب ضد "داعش" في سورية. وسوف يتطلب ذلك، في المقابل، نشر المزيد من الجنود الأميركيين في سورية لحماية الجبهة ضد بقايا "داعش" ومن أجل ردع إيران.

وهو يعني أيضاً استئناف تقديم المساعدات العسكرية لمصر، على الرغم من وحشية حكم عبد الفتاح السيسي، ومنح الإسرائيليين ضوءاً أخضر لعمل ما يعتقدون أنه ضروري لحماية أنفسهم من إيران وحزب الله في سورية ولبنان، وبطريقة تلغي حاجة القادة الإسرائيليين إلى السعي المتواصل لطلب مساعدات موسكو.

وأخيراً، سوف يعني هذا أيضا استخدام القوة العسكرية الأميركية لتدمير قدرة الإيرانيين والحوثيين في اليمن على تهديد أمن السعودية، وبالتالي السماح للسعوديين باستخلاص أنفسهم من مستنقع الصراع المدمر. ولا يشكل ترك السعوديين ينزفون في اليمن كسبا إستراتيجيا لطهران وحدها، وإنما لموسكو أيضا، والتي ستكون سعيدة جداً برؤية حليف واشنطن العربي الرئيسي عالقا هناك، ومحتاجا إلى حبل نجاة يبدو صانعو السياسة الأميركيون مترددين في تقديمه.

لا شك أن الروس الآن أقوى مما كانوا في العقود الأخيرة، لكن ذلك لا يعني أنهم أقوياء. فعرض موسكو للقوة العسكرية في سورية يجري بشكل أساس ضد ميليشيات سيئة التدريب، وعصابات من المتطرفين، وضد الأطفال الأبرياء. ويشير حادث تبادل إطلاق النار الذي وقع بين "المرتزقة" الروس والجنود الأميركيين في فبراير، والذي قيل إنه قتل معظم القوات الروسية ولم يسقط فيه أميركي واحد، إلى أنه مهما كانت القوة العسكرية التي تستطيع روسيا جلبها، فإنها ببساطة ليست نداً للولايات المتحدة. وهذه حقيقة يجب أن يقوم سفراء الولايات المتحدة ومبعوثوها والأصهار بإيصالها إلى صانعي القرار في القاهرة، وأنقرة والعواصم الشرق أوسطية الأخرى حيث تقوم موسكو ببيع معداتها العسكرية.

للتأكيد على هذه النقطة، يجب على الولايات المتحدة الإيحاء بأنها تمتلك الأوراق الكاسبة وإجبار موسكو على كشف أوراقها. وكانت هناك الكثير من المرات عندما احتجت واشنطن، من موقف الضعف، على "المناورات غير الآمنة" التي يجريها الجيش الروسي في الجو أو في أعالي البحار. ومثل حادثة تبادل إطلاق النار في الصحراء السورية، يجب على الولايات المتحدة أن توضح بما لا يقبل اللبس أن مثل هذا التصعيد العسكري ينطوي على عواقب.

وبطبيعة الحال، ثمة خطر استدراج التصعيد في هذا النهج، لكن هناك أيضاً عيوباً كبيرة في طريقة إظهار الضعف أمام الاستفزازات الروسية. وأخيراً، سوف تفعل الولايات المتحدة لنفسها خيراً إن هي انخرطت في حملتها الخاصة من الحرب الإعلامية -بالتركيز على عدد السوريين والروس الذين قتلوا، وكَم من المسلمين ذبحهم فلاديمير بوتين في الشيشان، وكم عدد المتطرفين الذين خلقتهم موسكو في هذه العملية.

إذا كانت الولايات المتحدة قد أصبحت -كما أكد وزير الدفاع جيمس ماتيس في يناير الماضي- في عصر جديد من التنافس بين القوى العظمى، فإن الوقت قد حان لكي تتعامل الولايات المتحدة مع هذا الوضع بما يليق به من الجديّة. ويجب تخليص بوتين من وهم فكرة أن الشرق الأوسط هو المكان الأكثر ملاءمة للبدء في إضعاف الغرب والولايات المتحدة. وكان الأميركيون قد تمكنوا في السابق من احتواء نفوذ موسكو في المنطقة وردِّها على الأعقاب؛ وما مِن سبب للاعتقاد بأنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك مرة أخرى –وإنما فقط إذا كانت لديهم الحكمة لإدراك ما هو مهم في العالَم الآن، والجرأة الجماعية على مواجهة التحدي. ولم يعد من الواضح الآن بالنسبة لأولئك في الشرق الأوسط أن أميركا والغرب يفعلون ذلك بالذات.

 (*) ترجمة: صحيفة "الغد"

** رابط المقال الأصلي:  http://foreignpolicy.com/2018/03/16/the-middle-east-needs-a-steady-boyfriend/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر