"لو فيغارو": كيف سيتقاسم الروس والأتراك والإيرانيون مناطق النفوذ في الشمال السوري؟

2018-4-5 | خدمة العصر

كتب مراسل صحيفة "لو فيغارو" الفرنسي، جورج مالبرونو، أنه في منطقة الشمال السوري تنشأ آخر تحدّيات الصراع في سوريا، وهنا يريد الفائزون، أي الروس والإيرانيون والأتراك، الذين اجتمعوا أمس في أنقرة، تقاسُم مناطق النفوذ الأخيرة.

وبعدما انتُزعت من داعش معظمُ وسائل عمله في شرق سوريا، واضطرّ المتمرّدون بالقرب من دمشق، تحت النيران، لمغادرة معقل الغوطة، تتّجه كلّ الأنظار إلى الشمال السوري، من منطقة إدلب في الشمال الغربي، آخر مقاطعة بأيدي الثوار المناهضين للأسد، مروراً بعفرين التي تستولي عليها أنقرة، حتّى مناطق أخرى تقع في الشرق ويَحكم فيها الأكراد، على طول الحدود التركية وفي الصحراء المجاورة لنهر الفرات.

ولاحظ دبلوماسيّ الأمم المتحدة الذي يتابع الحرب يوميّاً أن "مناطق النفوذ القديمة في الشمال تغيّرت مع آخر تدخّل عسكري تركي في عفرين. ويجب إجراء تعديلات والتطلّع إلى المستقبل عن طريق طرح أسئلة لمعرفة ما سيفعله الأتراك والإيرانيون والروس في منبج... كيف سيديرون مدينة تل رفعت ونظامَ الأسد الذي لم يشبع بعد من استعادة السيطرة على الغوطة، وسيبحث عن مناطق أخرى لتوسيع نطاق سيادته".

ويقول الكاتب إن الأمريكيين والأتراك استكملوا مناقشاتهم حول منبج، المدينة التي تسكنها أغلبية من العرب ويديرها الأكراد، على أمل إتمام صفقة يقوم بموجبها الجنود الأميركيون والأتراك بدوريات مشتركة في المدينة، لكنّ البنتاغون، وخصوصاً القيادة المركزية الأميركية، يرفض التخلي عن الوحدات الكردية التي تشكّل طرفا أساسا في الحرب ضدّ داعش. ومع استقباله وفداً كردياً الأسبوع الماضي، اقترَح إيمانويل ماكرون أن تتدخّل فرنسا في المناقشات الأميركية – التركية، لكنّ أنقرة رَفضت العرض.

وتحاول الإستراتيجية التركية، وبأيّ ثمن، إجبار الأميركيين على تركِ حلفائهم الأكراد. وفي حال رفضوا ذلك، فهي على استعداد لعملية عسكرية. وكشف الدبلوماسي، وفقا لما نقله عنه المراسل الصحفي الفرنسي، أن "القاعدة الأميركية بالقرب من عين العرب (كوباني) تعرّضت لهجوم منذ بضعة أيّام". وقتل الأسبوع الماضي جنديان، أمريكي وبريطاني، بعبوة ناسفة أثناء قيامِهما بدوريات في جنوب منبج. وفي أعقاب انتصارها في عفرين، جَعلت أنقرة من تل رفعت الهدفَ التالي من هجومها المعادي للأكراد. ولكن كما هو الحال في عفرين، فإنّه من الضروري الحصول على الضوء الأخضر من موسكو التي تسيطر على المجال الجوّي.

وهنا تقع المشكلة: لم تتّفق تركيا بعد مع روسيا على تل رفعت، بل على العكس، فإنّ الموالين لبشّار الأسد هم من استولوا على المدينة من جديد بعد انسحاب سريع للوحدات الكردية. ويتعلّق النزاع بقاعدة منغ الجوّية، بالقرب من تل رفعت، والتي لا يريد الروس أو دمشق التنازلَ عنها لتركيا والمتمرّدين ضدّ الأسد المقرّبين من أنقرة.

ثم تساءل الكاتب: هل التعاون الذي نجح في عفرين بين أنقرة وموسكو سيستمرّ في شرق الفرات؟ نعم، ولكن بشرط أن تتوصّل تركيا لاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن رجال الميليشيات الكردية. وإلّا، فلا يمكن استبعاد فكرة اشتباكات مسلّحة بين حلفاء "حلف شمال الأطلسي"، ولا سيّما أنّ في الشرق على الحدود مع العراق، تكاد الميليشيات الشيعية العراقية تدخل سوريا لمطاردة مجموعات تابع لتنظيم الدولة.

كما إن وصول الميليشيات الشيعية العراقية إلى شرق سوريا يعزّز المحور الإيراني الذي تعهدت الولايات المتحدة بأنّها ستُعرقله. لكن هل ستسحب واشنطن، كما يؤكّد دونالد ترامب، 2000 جندي من سوريا؟ يعتبر الدبلوماسي أن "ترامب يَسعى إلى أن يدفع السعوديون فاتورةَ الوجود الأميركي في سوريا وإعادةَ إعمار الشمال. ووليّ العهد الأمير بن سلمان يُعتبَر أنّه وافقَ على ذلك عندما طلب من الأميركيين البقاء في سوريا".

وتحتاج تركيا أيضاً إلى وجود أميركي مطوّل في سوريا حتى لا تكون وحيدةً في وجه الروس والإيرانيين في المطالبة برحيل الأسد. ولكن بانتظار عقدِ اتفاق مع واشنطن بشأن رجال الميليشيات الكردية، تُعبّر أنقرة عن عزمها على مواصلة هجومها ضدّ الأكراد في الشرق.

وقد بدأ الأتراك تفكيكَ أجزاء من الجدار الذي يفصل بينهم وبين سوريا باتجاه رأس العين وتل أبيض، ما يدلّ على احتمال وقوع هجمات جديدة. ومن ناحيةٍ أخرى، لا تترك مشترياتهم من المعدّات العسكرية المتطوّرة مجالاً للشكّ في الغاية من شرائهم هذا.

ويؤكّد دبلوماسي الأمم المتحدة أنّه منذ أسبوع تقريباً "يقوم جنود فرنسيون بدوريات في الشمال مع العَلم الثلاثي الألوان، وبما أنّ أنقرة غاضبة بسبب اجتماع ماكرون مع الأكراد، سرَّبت السلطات التركية للصحف موقعَ القوات الخاصة الفرنسية الـ 70 في المنطقة. وأفاد مصدر أمني في باريس أنه "إذا ساعدنا الأكراد عبر إرسال جنود آخرين، سيكون لدينا مشاكل مع الأتراك. فأجهِزتُهم هي التي أطلقت سراح رهائننا الأربعة من سوريا في عام 2014". ولكن في شمال سوريا، تريد فرنسا أن يكون لها دور. ويحلّل خبير آخر قائلاً: "يريد الجيش الفرنسي مراقبة الجهاديين المسجونين من قبَل الأكراد أو الذين لا يزالون طليقين في هذه المنطقة".

وأين إيران في هذه المعادلة الجديدة؟ ابتعدت طهران عن القتال في الغوطة، يقول المراسل الصحفي، كما عبّرت أيضاً عن حيادها في مسألة الهجوم التركي على عفرين. ويودّ الأتراك والروس أن يستمرّ ذلك. وفي جنوب حلب، حيث نشَرت أنقرة عسكرها، فتركيا بحاجة ماسّة للحدّ من وجود إيران وحليفها "حزب الله".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر