خيارات القيصر: فوز بوتين قد يكون بداية الصراع على مستقبل روسيا ومن سيخلفه

2018-3-25 | خدمة العصر خيارات القيصر: فوز بوتين قد يكون بداية الصراع على مستقبل روسيا ومن سيخلفه

كتبت مجلة "إيكونوميست" البريطانية أن فلاديمير بوتين ما عاد، بعد 18عاما في السلطة، رئيسا بل قيصرا، ولهذا كانت انتخابات الأسبوع الماضي أقرب إلى استفتاء على فترة حكمه، والنتائج هنا ليست مهمة، فالانتخابات لم تكن اختبارا ديمقراطيا حقيقيا بقدر ما هي إجراء لتثبيت من يتحكم في السلطة والتأكيد على حضوره الطاغي، فلطالما استخدمت الأنظمة الديكتاتورية صناديق الاقتراع لإضفاء الشرعية على الحاكم، إلا أن فوز بوتين، وفقا لمقال المجلة، قد يكون بداية الصراع على مستقبل روسيا، فمن الناحية القانونية لا يسمح الدستور لبوتين خوض السباق الرئاسي لعام 2024، وهو أمام خيارين: مثال تشي جينبنغ الذي اقنع قيادة الحزب الشيوعي الصيني إلغاء المدة الزمنية للرئاسة وتنصيبه رئيسا مدى الحياة. أما الثاني، فيمكن لبوتين أن يتبع أنموذج دينغ زياو بينغ والتقاعد عن المسؤوليات اليومية على أمل التأثير على السلطة من وراء الستار، لكنه سيصبح خارج اللعبة إن لم يظهر تصميما ودهاء في التحكم باللعبة السياسية وكشف عن مظاهر ضعف تسمح لمنافسيه والذين ينتظرون انتهاز الفرصة والانقضاض.

وفي أسوأ الحالات، قد تتبنى روسيا أنموذجا متطرفا من القومية التي غلبت على السياسة التي انتهجها بوتين، محاولا إقناع الروس أن بلادهم تتعرض لهجوم الأعداء وليست بحاجة لمزيد انفتاح وديمقراطية. وترى المجلة أن هذا الموقف دفع باتجاه نوع من الحرب الباردة التي قادت إلى التلاعب بالانتخابات والاغتيالات في الخارج، وإلى حروب حقيقية في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا وسوريا.

ومع ذلك، تقول المجلة، هناك خيار بديل آخر: نخبة روسية في الثلاثينات من عمرها، ترى في طريقة حكم بوتين قديمة ولا تعجبها أجندته المحافظة، قيمه التقليدية، ارثوذكسيته وميوله للعزلة. وعليه، فقد يكون لهذا الجيل تأثير في تشكيل المرحلة التي ستعقب نهاية فترة بوتين في الحكم. وتضم هذه النخبة حكام مناطق ورجال أعمال وساسة مستقلين. وهم وإن اختلفوا وتنافسوا فيما بينهم، إلا أن ما يجمع بينهم كثير. وعلى خلاف جيل الاتحاد السوفييتي، فعادة ما ينظر هذا الجيل لنهاية الحرب الباردة انتصارا للحس العام وليس هزيمة. وهم متعلمون ويعرفون الحياة والعالم بفعل الأسفار ولا يعانون من عقدة نقص مثل التي قادت بوتين وجيله لتقليد الغرب ومن ثم مهاجمته.

وترى مجلة "إيكونوميست" أن السنوات الست المقبلة من حكم بوتين ستشهد تأكيد هذا الجيل حضوره في كل مجالات الحياة الروسية. وتعكس مراكز الأبحاث والصحافة ، ومن بين 85 حاكما إقليميا هناك ستة أعمارهم تحت سن الأربعين. وبدأ بوتين بتوظيف التكنوقراط الشباب في مراكز الكرملين والوزارات، مدفوعا على ما يبدو بأن يحافظ هؤلاء على ميراثه السياسي، والمشكلة هنا هي عدم وجود المؤسسات لنقل السلطة بطريقة سلمية من زعيم إلى زعيم، فمن يرحل عن السلطة لا يعرف ماذا سيحصل له. ومن هنا، فالجيل الجديد الذي يحاول بوتين رعايته وتقديمه في المناصب قد يرفضه في النهاية، تماما كما فعل هو نفسه مع بوريس يلتسين الذي جلبه إلى السلطة.

ولكن لا يوجد ما يضمن نجاح الجيل القادم في إضفاء التناغم على علاقة روسيا مع الغرب، خاصة أن تاريخها يحفل بالمحاولات المتعددة للتقارب معه وظلت تدور بين الطموح والمواجهة. فقد أدت عقلية "الحصن" التي عمل بوتين على تقويتها إلى ظهور حس من الحسد والنقمة والشعور بالضحية. وكما قال اليكسي نافلني، المعارض الذي منع من المشاركة في الانتخابات، فإن عدوه ليس بوتين وشلته ولكن حالة الإجهاد التي تعتري معظم الروس بأنهم غير قادرين على عمل شيء.

ومن سيقرر نتيجة الصراع على مستقبل روسيا هم الروس أنفسهم، إلا أن الغرب، وفقا لتقدير المجلة البريطانية، يمكنه التأثير في المصير الروسي تماما كما أثر أثناء الحقبة الروسية، ثقافيا وإعلاميا واجتماعيا وليس عسكريا، وهذا بعد عقود، لكن روسيا بوتين اليوم ضعيفة اقتصاديا، غير أن الغرب يواجه مشكلة لدى الروس، فهو لم يعد الأنموذج الذي يُحتذى. وفاقم ترامب من الوضع عندما هنأ بوتين بالفوز الجديد بدون أن يشير للانتهاكات التي تمارسها روسيا في الداخل والخارج. والرسالة هي ان القوة على حق بشكل يمنع بروز الجيل الجديد ويبرر النزعات العدوانية لمعارضيهم.

**

وفي السياق ذاته، كتبت مجلة "فورين أفيرز" أن أمام بوتين ستة أعوام لترتيب عملية نقل السلطة، وكلما اقتربت نهاية فترته زاد قلق الروس العاديين والنخبة. ويواجه بوتين والحالة هذه عددا من الخيارات لكي يظل في دائرة الضوء، منها اختيار خليفة له وترتيب انتخابات لإضفاء الشرعية على ربيبه، وهو ما فعله عام 2008 عندما اختار ديمتري ميدفيديف كمرشح للرئاسة وتولى هو منصب رئيس الوزراء.

الخيار الثاني أمام بوتين هو تغيير الدستور وتقوية البرلمان وتغيير صفته الرسمية كما فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي دعا لاستفتاء عام، من أجل بناء نظام رئاسي قوي. واستقال من منصبه رائيس للوزراء وانتخب رئيسا عام 2014. وعلى ما يبدو يحاول سيرج سارغسيان الرئيس الأرمني السير على الطريق نفسه. ويمكن لبوتين السير على هذا الطريق، إذ يملك دعم ثلثي البرلمان لتغيير الدستور.

أما الخيار الثالث، فهو تغيير الدستور كما فعل الرئيس الصيني والرئيس اليوغندي يوري موسيفني ورئيس بيلاروس الكسندر لوكاشينكو. والمشكلة أن تمديد أو إلغاء مدة الرئاسة قد تؤدي إلى احتجاجات كما حدث في بوركينا فاسو عام 2014 عندما حاول بليز كومباري تمديد فترة حكمه حيث أجبرته الاحتجاجات على الخروج من السلطة بعد 27 عاما في الحكم. وربما تعلم بوتين من نجاح الرئيس الصيني وحاول إلغاء مدة الحكم في أقرب وقت.

ويلاحظ مقال المجلة الأمريكية أن التوجهات الدولية تدعم ميل بوتين، حيث تكشف البيانات عن محاولات القادة البقاء أطول مدة في الحكم بالتخلص من المدة التي تحدد فترة ولايتهم. ويكشف "مشروع الدستور المقارن" أنه ومنذ نهاية الحرب الباردة هناك زيادة بأربعة أضعاف لتمديد مدة حكم الديكتاتوريين.

ولو قرر بوتين المضي في هذا الطريق فهناك احتمال أن يظل في السلطة حتى وفاته. وتكشف الدراسات أن رحيل الديكتاتور وهو في منصبه يسهل من عملية نقل السلطة. فدراسة لـ 79 حالة ديكتاتور حكموا في الفترة ما بين 1946- 2012 أظهرت أن النظام حافظ على استقراره بعد وفاة الديكتاتور بنسبة 92 في المئة وتقدم حالة كل من إسلام كريموف حاكم أوزبكستان وسابرامرات نيازوف حاكم تركمنستان مصداقا لهذه النظرة. والمشكلة تنبع حالة شعر الرأي العام الروسي أو النخبة المقربة منه بالملل، فعندها يبدو مصير النظام كئيبا.

وتكشف البيانات من 1946- 2012 أن خروج الديكتاتور من السلطة بطرق غير الوفاة الطبيعية أدى لانهيار النظام معه بنسبة 74 في المائة. وفي هذه الحالة، لن يظهر مكانه نظام ديكتاتوري جديد بقدر ما يتجه المسار السياسي نحو "اللبرلة". ومن هنا، فخيار إطالة حكم بوتين قد يكون جذابا للحلقة القريبة منه إلا أنهم على المدى البعيد سيجدون أنفسهم عرضة للانكشاف بتداعيات غير مرغوبة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر