المشكلة في النظام السياسي وليس في "بولتون": مرحبا بكم في إدارة ديك تشيني

2018-3-23 | خدمة العصر المشكلة في النظام السياسي وليس في

رأى أستاذ الشؤون الدولية بكلية جون كنيدي جامعة هارفارد، "ستيفن وولت"، أن المشكلة مع جون بولتون ليست في أنه متطرف، وإنما في كونه يمثل التيار السائد المهيمن.

وكتب أن الحذاء الآخر سقط، ففي أعقاب إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون، قام دونالد ترامب بفصل مستشار الأمن القومي، ماكماستر، واستبدله بجون بولتون، سفير الولايات المتحدة السابق المتشدد في الأمم المتحدة. ونقل أحد الصقور، "مايك بومبيو"، من وكالة المخابرات المركزية إلى وزارة الخارجية، وحلَت محلت جينا هاسبل التي أدارت معتقلا للتعذيب في عهد لجورج بوش وأذنت بتدمير شرائط فيديو توثق ما تقوم به وكالة المخابرات المركزية.

يبدو أن هناك نوعين من ردود الفعل العامة على الاضطرابات الأخيرة في فوضى تعيينات ترامب:

أحد التفسيرات هو أن هذا التعديل يريد منه ترامب التخلص من "الكبار" الذين كانوا لا يروقون له واستبدالهم بمستشارين يرون العالم كما يراه الرئيس نفسه ويسمحون لـترامب بأن يكون ترامب. ومن وجهة النظر هذه، سيمكنه الفريق الجديد بدلاً من محاولة كبح جماحه، وهو ما شجع ترامب بأن يُجمّع أخيراً فريقه الذي طالما أراده.

التفسير الثاني أكثر إزعاجًا ويخبرك بشكل أساس أن تبدأ حفر الملاجئ في الفناء الخلفي. من وجهة النظر هذه، فإن مغادرة تيليرسون وماكماستر ووصول بولتون وبومبو وهاسبل تبشر بصعود فرقة متشددة من شأنها أن تمزق الاتفاق الإيراني وتعيد نظام التعذيب، وتبدأ في نهاية المطاف حربًا مع كوريا الشمالية وبعيدا عن "الأنف الدموي" البسيط. ومع وجود بولتون في البيت الأبيض، سيُنصح ترامب من قبل رجل لم ير حربا أبدا لا يحبها.

اسمحوا لي أن أكون واضحًا، يقول الكاتب: إن تعيين بولتون كان مقرونا بمعظم خيارات موظفي ترامب، وهذا يعني أنه من المحتمل أن يكون كارثة. إذ إن وجهات نظره حول السياسة الخارجية هي سياسة عدوانية وحربية، كما إن سجله مدافعا ومحللا للسياسة لا يبعث على الثقة والارتياح. ولا يبدو أنه تعلم شيئًا من أخطائه الماضية. وبينما فعل كل من ماكماستر وتيلرسون ما بوسعهما للحد من الأضرار التي أحدثها ترامب للسمعة الدولية لأميركا والشراكات المهمة، يبدو أن مهارة بولتون الخاصة باعتباره دبلوماسيا كانت تبحث عن طرق جديدة مبتكرة للإساءة إلى أصدقاء أمريكا.

وصول بولتون قد يعتبر عودة إلى ترامب الذي ظهر في حملة 2016. ترشح ترامب للرئاسة انطلاقا من مهاجمة مؤسسة السياسة الخارجية برمتها، مما يوحي بأنها كانت بعيدة كل البعد عن المس بها وغير خاضعة للمساءلة ومطيَة لخوض الولايات المتحدة حروباً لا طائل من ورائها.

لكن منذ توليه الرئاسة، زاد ترامب الإنفاق على الدفاع وتصاعد الوضع في أفغانستان، ومنح البنتاغون وبعض حلفاء الولايات المتحدة المتعطشين الضوء الأخضر لاستخدام المزيد من القوة في المزيد من الأماكن (مع نتائج مخيبة للآمال)، وعموما اعتمدوا أكثر على النهج العسكري (نفسه) المفرط في السياسة الخارجية الذي فشلت مراراً وتكراراً في عهد بيل كلينتون وبوش وحتى باراك أوباما.

لا يعد تعيين بولتون (إلى جانب تحولات ترامب الشخصية الأخرى) تحركًا جريئًا نحو "أمريكا أولاً" إذا كان هذا المصطلح يعني سياسة خارجية أكثر ذكاءً وأكثر تقييدًا من شأنها أن تقلل من الأعباء الخارجية الأمريكية وتحسين الوضع الاستراتيجي للبلاد وجعل الأمريكيين أكثر أمانًا وأكثر رخاء.

بدلاً من ذلك، فإن وضع بولتون وبومبو وهاسبل في المناصب الرئيسة يبدو أشبه بالعودة إلى عهد "تشيني"، ويعني به الكاتب سياسة خارجية تضخم التهديدات وترفض الدبلوماسية الجدية وتعتقد أن الحلفاء هم في معظمهم عبء، إنه ازدراء للمؤسسات،  يتصور أن الولايات المتحدة قوية جدا، بحيث يمكنها إصدار الإنذارات، فقط، وتوقع انهيار الآخرين ، وتعتقد أن الكثير من مشاكل السياسة الخارجية الشائكة يمكن حلها بمجرد نفخ شيء ما.

فإذا كانت هذه الصيغة قد أغرقت العالم في الفوضى في المرة الأخيرة التي جربتها الولايات المتحدة، فكيف برئيس لا يفقه في السياسة الخارجية يريد أن يجربها مرة أخرى؟

وهكذا، فإن الدرس الحقيقي لتعيين بولتون لا علاقة له ببولتون بنفسه، بل يرتبط أكثر حول ما يقوله عن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية. من المؤكد أنك سوف تقرأ الكثير من التعليقات في الأسابيع القليلة القادمة حول مخاطر تعيين صقر عدواني في مثل هذا المنصب الحساس، لكن الحقيقة الواضحة هي أن بولتون ليس نشازا داخل مجتمع السياسة الخارجية الأمريكية.

والأمر ليس كما لو كان ترامب قد عين للتو ميديا ​​بنيامين (من اليسار) أو راند بول (من اليمين) أو حتى من أحد المناضلين ذوي الخبرة والمعرفة، مثل تشارلز فريمان أو أندرو باسفيتش. نعم عين شخصاً لديه وجهات نظر متشددة بلا ريب ، ولكن لا يزال ضمن الإجماع "المقبول" في واشنطن.

انظر إلى تاريخ بولتون ومسيرته المهنية: تخرج من جامعة ييل وكلية القانون بجامعة ييل. عمل في Covington & Burling، وهي شركة محاماة عريقة، التي عمل فيها أيضا وزير الخارجية السابق، دين أشسون، أيضًا. وقد كان زميلًا كبيرًا لسنوات في معهد "أمريكان إنتربرايز" المحافظ والمهيمن. ويكتب في كثير من الأحيان، في صحف "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" وحتى مجلة السياسة الخارجية، فهل هذا غريب أو هامشي؟

صحيح أن بولتون كان مؤيدا صريحا لحرب العراق، لكن ذلك لا يجعله غريب الأطوار. فالكثير من الأشخاص الآخرين أيدوا هذه الحرب، ومنهم هيلاري كلينتون وجو بايدن وجيمس شتاينبرغ وآن ماري سلوتر وسوزان رايس وروبرت غيتس، وقائمة طويلة من الشخصيات "المحترمة" الأخرى، وفقا للكاتب.

ولا تنسوا أن العباقرة الآخرين الذين حلموا وسوقوا لتلك الكارثة، أناس مثل وليام كريستول وجيمس وولسي وروبرت كاجان وبريت ستيفنز وماكس بوت وإليوت كوهين وديفيد فروم وبول وولفويتز، وما إلى ذلك، لا يزالون محترمينـ وهم وجوه بارزة في مؤسسة السياسة الخارجية ولم يعترفوا أبدا بخطئهم أو حتى أعربوا عن أي أسف علني لشن حرب كارثية مات فيها مئات الآلاف من الأشخاص.

ويبدو بولتون، مثل ترامب، قلقاً بشكل خاص إزاء إيران وكوريا الشمالية، لكنَ معظم أعضاء الكونغرس وكثيرون من عالم الأبحاث في العاصمة واشنطن قلقون أيضاً. في الواقع، هناك الكثير من الناس الذين يؤيدون بقوة الصفقة النووية الحالية، ولكنهم يعتقدون أيضاً أن الولايات المتحدة يجب أن تصبح أكثر صرامة مع طهران. وليس بولتون هو الشخص الوحيد في واشنطن الذي اقترح القيام بعمل عسكري ضد كوريا الشمالية. فقد كان سلف بولتون، ماكماستر، الذي غادر الآن، هو الذي أبقى على طرح نهج "الأنف الدموي".

بولتون هو أيضًا من معتنقي "الإسلاموفوبيا" ويشكك بعمق في المؤسسات الدولية، لكن ذلك لايجعله فريدًا في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية أيضًا. ويبدو أنه مغرم بشكل خاص باستخدام القوة العسكرية، لكن كم من مثقفي السياسة الخارجية البارزين يعارضونه علناً ويرغبون في الوقوف ويجهرون بذلك؟ قليل من قليل، لأنه لا أحد يسعى إلى وظيفة عليا في واشنطن يريد أن يُنظر إليه على أنه "ناعم". بولتون هو مجرد عضو أكثر صراحة ضمن الإجماع في واشنطن.

واستدرك الكاتب في ختام مقاله: لا تفهموني خطأ: لا أحاول "تطبيع" هذا التعيين أو اقترح أنه لا ينبغي أن يثير قلقك. بدلاً من ذلك، أقترح أنه إذا كنت قلقاً من بولتون، فعليك أن تسأل نفسك السؤال التالي: أي نوع من النظام السياسي يسمح لشخص لديه وجهة نظره أن يخدم في المنصب الرفيع، حيث يساعد بالحديث في حرب كارثية، لا يعتذر أبدا ولا يعرب حتى عن أسفه، ويستمر في الدعوة إلى المزيد من الشيء نفسه في العقد المقبل، ومن ثم يحصل على فرصة ثانية ليكرر الأخطاء نفسها مرة أخرى؟

مع كل مظاهر القلق، تبقى المشكلة الحقيقية في نظام يسمح لأشخاص مثل بولتون بأن يفسد ويتحرك مرارًا وتكرارًا وليست في بولتون نفسه.

**رابط المقال الأصلي: http://foreignpolicy.com/2018/03/23/welcome-to-the-dick-cheney-administration/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر