الثورة السورية أطاحت بالعقل السخيف والذهن البليد وكشفت سطحية مدعي الفهم والبصيرة

2018-3-22 | خالد حسن الثورة السورية أطاحت بالعقل السخيف والذهن البليد وكشفت سطحية مدعي الفهم والبصيرة

كشف صحفي موال لنظام الأسد أن "أحرار الشام على استعداد لترك حرستا في الفوطة والمغادرة إلى إدلب...ولا يسمح بالأسلحة الثقيلة، إنما هي الأسلحة الخفيفة، فقط، حتى تستطيع مواصلة قتال القاعدة وشركائها في إدلب". أكثر من ادعى الفهم السياسي من قادة الفصائل انتهى به الأمر للتفاوض مع الروس أو النظام لتسليم المناطق، ثمة خلل كبير في تركيبة هذا العقل السياسي أثر في تصوراته وتقديراته وخياراته.

العقل نفسه يفكر بالطريقة نفسها رغم تبدل الأحوال والظروف، العالم كله يتغير من حوله وموازين القوى إلا هذا العقل ظل وفيا لحساباته الضيقة وأوهامه ويظن أنه يحسن صنعا.

العقل نفسه سلم الثورة للعسكر في مصر وللبورقيبيين في تونس وللنظام والروس وتركيا في سوريا، لا يبادر ولا يحاول فرض واقع والدفع به وإنما يغرق في الأوهام وحسابات اللحظة وينأى بنفسه عن المبادرة ويفضل التوقع والتنبؤ والتلقي.

مثل هذه العقول لا تبادر ولا تخطط ولا تضغط ولا تدفع وإنما ترقب عن بعد وتحلل وتصنع لها فهما تغرق في أعماقه، ويشغلها من يفكر لها وتنقاد إليه بعقلها الفارغ المتلقي.

عقل يحلل الأحداث ويصف الأوضاع ويراقب ويرصد ويتلقى، لكنه لا يخطط ولا يصنع الحدث، صنع له عالمه الخاص البارد السلبي المتردد، يرى في الإقدام والجرأة مغامرة وفي التلاحم استنزافا وفي التحرك والمبادرة تجاوزا للخطوط الحمراء. وقد أضر بثوراتنا ادعاء الفهم والذكاء والبصيرة أكثر من الجهل.

وهذا العقل الثوري لا يتحرج من مفاوضة الغزاة المحاربين الروس والإيرانيين والانسحاب وتسليمهم المدن لكنه في الوقت نفسه لا يرى أي جدوى من التلاحم الميداني مع رفقاء الثورة في معارك ضد النظام؟؟؟

روسيا فاوضت كل فصيل في الغوطة على حدة، واحد بضمانات مصرية وآخرون بضمانات تركية والهيئة تكفلت الفصائل بالضغط عليها وعزلها، عاملتهم على حقيقتهم كيانات منفصلة خاضعة لسيطرة إقليمية. الثورة لم تتحرر من منطق الخضوع للهيمنة، ما استطاعت التحرر من نطاق السيطرة، ولهذا لم تجد روسيا صعوبة في إخضاع أكثر فصائل الغوطة، فما قبل الثورة كان العقل خاضعا لمدارس وتنظيمات وأنماط ذهنية محددة وأثناء الثورة خضع العقل ذاته لرعاة هذه المدارس والتوجهات، يعني هذا السعودية وذاك قطر وتركيا؟؟

هذا العقل الثوري عجز عن التفكير خارج حدود الهيمنة وما تجرأ على تجاوز الأنماط الذهنية الموروثة. أبعد كل هذه السنوات الطوال من التوعية والتوجيه والصراعات الفكرية لم يظهر إلا هذا العقل الحذر السلبي المتردد المتلقي الذي ضيع الثورات وفكر له آخرون، أين العقل القيادي المخطط المبادر اليقظ القارئ العميق للأحداث المستوعب للبيئة والظروف المقدام الجريء؟.

ربما أمكن القول بعد كل هذا المخاض: إن الثورة السورية أطاحت بالعقل السخيف والذهن البليد وكشفت سطحية مدعي الفهم والبصيرة، وقد ظل هذا العقل مهيمنا لسنوات طوال وأحسنَا به الظن غفلة ومجاملة ومجاراة. وتجاوز هذا العقل من واجبات الوقت إن أردنا نهوضا ثوريا بعد تعثر كلفنا الكثير.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر