"نيويورك تايمز": جلَادة متمرسة في التعذيب لرئاسة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية

2018-3-17 |

افتتاحية هيئة التحرير "نيويورك تايمز" (*)

أظهر الرئيس ترامب حماسه للوحشية على مدى العام الماضي. وكان قد طلب من الشرطة معاملة المعتقلين بخشونة، وامتدح الرئيس الفلبيني روديغو دوتير على قتله المشتبه بوجود صلات لهم بالمخدرات، ودعا إلى إعدام تجار المخدرات. لكنَ واحدا من معتقداته الأكثر إثارة للقلق هو قبوله بجريمة التعذيب. وكان قد قال لسيان هانيتي من "فوكس نيوز" في مطلع العام الماضي، مشيرا إلى التعذيب: "في رأيي، إنه يفيد".

في السابق، كان أي شخص يساوره القلق من اعتناق ترامب المتحمس للوحشية التي تقرها الحكومة، يجد السلوى والطمأنينة في تعهد الرئيس بقبول نصيحة وزير دفاعه، جيم ماتيس، الذي عارض التعذيب ووعد في جلسة المصادقة على تعيينه في مجلس الشيوخ بأنه سيحترم القوانين الأميركية والدولية ضده.

لكن لدينا الآن سبب للقلق مرة أخرى. فعندما يأتي الأمر إلى التعذيب، ليس هناك أي مسؤول أميركي أكثر تمرسا في هذه الفنون المظلمة والفظيعة من مسؤولي وموظفي وكالة الاستخبارات المركزية، الذين طبقوه على المشتبه بتورطهم بالإرهاب بعد 11/9. وهناك قلة من المسؤولين الأميركيين الذين تورطوا مباشرة إلى هذا الحد في هذه الإساءات الفظيعة، التي بدأت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش وأنهاها الرئيس باراك أوباما، مثلما فعلت جينا هاسبل.

قال الرئيس ترامب يوم الثلاثاء الماضي، في خلال إعلانه إقالة ريكس تيلرسون وزيرا للخارجية واستبداله بمدير وكالة المخابرات المركزية، مايك بومبيو، إن خليفة السيد بومبيو في منصب إدارة الوكالة ستكون نائبته، السيدة هاسبل.

وقد لعبت السيدة هاسبل، باعتبارها ضابطا متخف في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، دورا مباشرا في "برامج التسليم الاستثنائي" للمعتقلين، الذي تم بموجبه ترحيل المتشددين المشتبه بهم وتسليمهم لحكومات غربية واحتجازهم في مرافق سرية، حيث تعرضوا للتعذيب على أيدي أفراد وكالة المخابرات الأميركية.

وأدارت السيدة هاسبل أول موقع اعتقال في تايلند، وأشرفت على عمليات التحقيق الوحشية مع اثنين من المعتقلين، أبو زبيدة وعبد الرحمن الناشري. وتعرض أبو زبيدة لعمليات محاكاة الإغراق 83 مرة على الأقل في شهر واحد؛ وضرب معذبوه من وكالة المخابرات المركزية رأسه بالجدران وأخضعوه لأنواع أخرى من الوحشية التي لا توصف. وتوقفت هذه الوحشية فقط عندما قرر المحققون أنه ليس لديه شيء مفيد يمكن أن يقوله لهم.

وقد صًوَرت هذه الجلسات وحفظ التسجيلات في خزنة حديدية في محطة المخابرات المركزية الأميركية في تايلند، إلى أن صدر أمر بإتلافها في العام 2005. ومَن الذي فعل ذلك؟ في ذلك الوقت، كانت السيدة هاسبل في مقر وكالة المخابرات المركزية. وبينما قالت الوكالة إن الذي أصدر الأمر بتدمير الأدلة كان رئيسها حينها، خوسيه رودريغيز، فقد كان اسم السيدة هاسبل موجوداً على البرقية التي حملت الأوامر بالإتلاف.

في العام 2013، كانت هذه الأنشطة مثيرة للقلق إلى درجة أن السيناتورة ديان فينشتاين من كاليفورنيا، كبيرة الديمقراطيين في لجنة استخبارات الكونغرس، منعت ترقية السيدة هاسبل لتولي منصب مدير الجهاز السري للوكالة. ومنذ ذلك الحين، قضت الاثنتان الوقت معا، وهو ما قاد السيدة فينشتاين يوم الثلاثاء إلى وصف السيدة هاسبل بأنها "نائبة جيدة"، وقولها إنها ستنتظر جلسة استماع المصادقة لإصدار حكم على التعيين.

من جهة أخرى، أصر السيناتور جون ماكين، الجمهوري عن أريزونا وسجين الحرب السابق، على أن على السيدة هاسبل أثناء عملية المصادقة على التعيين "أن تشرح طبيعة ومدى تورطها" في برنامج التحقيق السري. وقال السيناتور رون وايدن، الديمقراطي من أوريغون، إن أدوارها في الإشراف على عمليات إغراق المعتقلين وتدمير الأشرطة تثير القلق. ودعا هو واتحاد الحريات المدني الأميركي إلى رفع السرية عن ملفات السيدة هاسبل في وكالة المخابرات المركزية، كجزء من عملية ترشيحها للمنصب.

كان استخدام التعذيب والسجون السرية الخارجية –ولنتذكر الأحداث المشينة في سجن أبو غريب في العراق- بمثابة نعمة للجماعات الإرهابية، حيث ساعد دعايتها وجهودها للتجنيد. كما كانت مثل هذه الأنشطة أيضاً مصدر قلق لحلفائنا الرئيسيين، بل إنها وضعت القوات والجنود الأميركيين تحت خطر المساءلة القانونية والتعرض لمعاملة قاسية عندما يتم اعتقالهم.

يُقال إن السيدة هاسبل تتمتع باحترام الكثير بين ضباط وكالة المخابرات المركزية، لكنها أدارت فعليا برنامجا غير قانوني، وسوف يكون من شأن ترقيتها إلى مثل هذا المنصب الإداري الرفيع –ما لم تشجب بقوة استخدام التعذيب خلال جلسة تأكيد تعيينها- أن ترسل إشارة لا يمكن إنكارها إلى الوكالة والبلد، والتي تفيد بأن السيد ترامب غير مبال إزاء هذه الوحشية، بغض النظر عما يعتقد به وزير دفاعه، ماتيس. ويجب على أعضاء الكونغرس وجماعات المصلحة العامة أن يقفوا وأن يوضحوا أن هذا التعيين خاطئ.

(*) ترجمة: صحيفة "الغد"


تم غلق التعليقات على هذا الخبر