سليماني أمر بإطلاق سراحهم بعد التهجير القسري وتهاطل الأموال: تفاصيل الصفقة المثيرة حول المختطفين القطريين في العراق

2018-3-15 | خدمة العصر سليماني أمر بإطلاق سراحهم بعد التهجير القسري وتهاطل الأموال:  تفاصيل الصفقة المثيرة حول المختطفين القطريين في العراق

تناول الصحفي "روبرت وورث" في تقرير مطول نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" كيف ذهبت قطر إلى أقصى الحدود لتأمين إطلاق سراح صياديها في جنوب العراق، ووصل الأمر إلى عملية تغيير التركيبة السكانية والتهجير القسري في مناطق في سوريا.

في 15 أبريل من العام الماضي، وصل شخص قطري من الشخصيات الأميرية الهامة بغداد في رحلة مسائية من عاصمة بلاده، الدوحة. وبعد أن كشف عن شخصه، قال إنه وزملاؤه الأربعة عشر لا يريدون تفتيش أمتعتهم.

أصر العراقيون، بأدب، على ضرورة فحص جميع الحقائب، حتى في محطة وصول الشخصيات الهامة. صُدم قائد الفريق القطري لسماع ذلك. ثم تجمع القطريون لإجراء مناقشة هادئة ثم قاموا بعدد من المكالمات الهاتفية. في نهاية المطاف، رضوا وسمحوا بفحص الحقائب. كل واحدة منها تحتوي على أكوام من مربعات من الطوب، ملفوفة بشريط أسود لا يستطيع الماسح الضوئي اختراقها. عندما سأل مسؤولو الجمارك عما تحت الشريط، رفض القطريون الإفصاح. واستغرقت المواجهة الليل كله، وأخيرا، قرب الفجر، استسلم القطريون الغاضبون وقصدوا بغداد دون أمتعتهم. في وقت لاحق، فتح العراقيون 23 كيسا واكتشفوا مزيجا من الدولارات واليورو بقيمة بلغت نحو 360 مليون دولار.

وظلت الأموال محتجزة بعد مرور أسبوع، غادر الفريق القطري بغداد في الطائرة نفسها التي جلبتهم، وقد رافقهم أكثر من عشرين قطريا، ومنهم أفراد من أفراد عائلة آل ثاني الحاكمة، الذين اختطفوا في خلال رحلة صيد في جنوب العراق قبل 16 شهراً. لم يتم الإبلاغ عن قصة ما حدث في تلك الرحلة حتى الآن. وهو يستلزم صفقة فدية معقدة ذات حجم مذهل دفع فيه القطريون مبالغ ضخمة للمسلحين على جانبي الانقسام الطائفي في الشرق الأوسط، وفقا لما كتبه الصحفي الأمريكي في تقريره.

كلَفت الصفقة قطر للإفراج عن صياديها أكثر من 360 مليون دولار، لكن في نهاية المطاف كان النقد أقل أهمية من البعد السياسي للاتفاقية. إذ من أجل استرداد رهائنها، فاوضت قطر حول تبادل السكان في سوريا، باستخدام المجموعات الثورية التي تمولها لتبادل السكان في أربع مدن ذات مواقع إستراتيجية.

وأسهمت عمليات النقل في تحقيق هدف طهران الأكبر المتمثل في تحويل سوريا -إلى جانب العراق ولبنان واليمن- إلى دول تابعة تضمن تأثيرا إيرانيًا مهيمنًا في جميع أنحاء المنطقة. كانت الصفقة ضربة لهدف إدارة ترامب المتمثل في الدفع ضد العدوان الإيراني، وأما لآلاف السوريين الذين يتضورون جوعًا، فكان ذلك يعني طردهم إلى المنفى باتفاق غامض، مع تأثير ضعيف من الحكومة السورية نفسها.

***

في أواخر نوفمبر 2015، غادرت مجموعة كبيرة من الصيادين القطريين الدوحة في قافلة مكونة سيارات رباعية الدفع متجهة إلى الجنوب. عبرت الحدود السعودية، قم اتجهت القافلة إلى الشمال، وعبرت جزءًا من الكويت واستمرت إلى وجهتها، وهي الصحراء الجنوبية للعراق، على بعد 450 ميلاً من الدوحة. وتألفت المجموعة من عشرات الأشخاص، بما في ذلك الخدم، وكان يقودها تسعة أعضاء من الأسرة الحاكمة في قطر، آل ثاني. أرض الصيد التي اختارها القطريون -محافظة المثنى العراقية- لم يكن يزورها سوى اقليل منذ الغزو الأمريكي عام 2003. فالصحراء مليئة بالقنابل العنقودية والألغام التي خلفتها ثلاثة عقود من الحرب المتقطعة. ومع سيطرة تنظيم داعش على الجزء الأكبر من الشمال والميليشيات الشيعية غير المنضبطة المنتشرة في أماكن أخرى، لم يكن العراق مقصداً سياحياً مرغوبا فيه. لكن هذا الامتداد من الأرض، الذي كان يخلو من الناس تقريباً، أصبح ملاذاً موسمياً لطائر الحُبارى.

وفي خلال الأسابيع الثلاثة، كان الصيادون يتجولون في الصحراء مع حراسهم العراقيين المستأجرين، وكانوا يهبون أحياناً هدايا باهظة للبدو لضمان سلامتهم. وبحلول 15 ديسمبر، كانت القافلة على وشك العودة إلى الديار. في تلك الليلة، حاصرهم الخاطفون. وكانوا يرتدون الزي العسكري قدموا بشاحنات محملة رشاشات ثقيلة. في البداية، اعتقد "أبو محمد" (وهي الكنية البتي أطلقها الصحفي على قائد مجموعة الصيد القطرية وهو من أسرة آل ثاني) أن ما حصل هو مجرد زيارة للجيش العراقي لتحذيرهم من بعض الخطر. لكن في غضون دقائق قليلة، دخل رجال يرتدون أقنعة سوداء إلى خيمته. كانوا مسلحين ببنادق AK-47. وقرأ أحدهم قائمة الأسماء، وبدا أنه يبحث عن أبرز عضو في أسرة آل ثاني. قاد المسلحون "أبو محمد" إلى الخارج ورأى منبطحين على الأرض وأيديهم مقيدة خلفهم. كان الرجال يشيرون إلى بنادق على ظهورهم. في تلك اللحظة، كان "أبو محمد" متأكدا من أن آسريهم من داعش وقريباً سيقتلون.

أخذهم الخاطفون مكبلين ومعصوبي العينين في شاحنة، وأثناء الطريق شتموا أمامهم السيد عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم)، عندها أدرك "أبو محمد" وزملاؤه الرهائن على الفور أنهم كانوا في أيدي ميليشيات شيعية، وليس داعش أو أي جماعة جهادية أخرى.

بعد ثلاث أو أربع ساعات من القيادة، توقفت الشاحنات. يمكنهم سماع أصوات الطائرات تقلع وتهبط وأصوات الجنود في انسجام تام. ولكن بالإضافة إلى الأوامر العسكرية والتحية، فقد سمعوا أصواتا تهتف "يا حسين!"، وهو شعار شيعي. لم يتمكن الأسرى من تحديد موقعهم، لكنهم على الأغلب على حافة قاعدة "طليل" الجوية بالقرب من الناصرية، إحدى أكبر المنشآت العسكرية في جنوب العراق

وجيش السلطة الرسمية في العراق، المدرّب والمدعوم من الولايات المتحدة، يعمل جنبا إلى جنب مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. وقد احتُجز الأسرى في هذه القاعدة لعدة أيام، ثم عُصبت أعينهم مرة أخرى واقتيدوا إلى منزل، حيث تم حبسهم في زنزانات في الطابق السفلي.

وفي غضون أيام من اختطاف الصيادين، أدركت الحكومة القطرية أنه من شبه المؤكد أن العائلة المالكة تحتجزها ميليشيا شيعية لها علاقات بإيران. وهذا يضع مصيرهم في يد رجل ربما يكون الضابط العسكري الأقوى في المنطقة: جنرال إيراني يدعى قاسم سليماني. يسيطر سليماني على فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب شبكة واسعة النطاق من القوات الحليفة والحلفاء في جميع أنحاء المنطقة.

يبدو أن سليماني لديه القليل من الاهتمام بأموال الفدية، كانت أولوياته لسنوات هي سوريا، حيث حاربت إيران بقوة لدعم نظام الرئيس بشار الأسد. لقد كانت سوريا شريان حياة لإيران منذ الثمانينيات، عندما بدأت الجمهورية الجديدة أولاً بشحن الأسلحة عبر الأراضي السورية إلى حزب الله، ذراع إيران الخارجية في لبنان. عندما اندلعت الحرب الأهلية السورية في عام 2011 ، كان ذلك الشريان في خطر. ورأت إيران في الحرب هناك كفاحاً وجودياً للحفاظ على حليفها الوحيد الموثوق به.

الرهائن القطريون كانوا بيادق قيمة في هذه اللعبة الجغرافية السياسية. كانت قطر تمتلك نفوذا وتأثيرا قويا في فصائل ثورية يُعتقد أنها تمولها، وهي فرصة يمكن أن تكون مفيدة لخبير إستراتيجي مثل سليماني. بحلول عام 2015، كان سليماني وحلفاؤه من حزب الله يبحثون عن طرق جديدة لتعزيز السيطرة على مناطق رئيسة معينة بالقرب من العاصمة السورية: ليس محارربة الثوار، وفقط، بل أيضا طرد السكان المدنيين السنة الذين احتضنوهم. في نهاية المطاف، كانوا يأملون في إعادة إعمار تلك البلدات التي لا يسكنها إلا قلة من الشيعة. كانت خطة مثيرة للجدل وطموحة، مع إيحاءات مظلمة للتطهير العرقي. لكن إذا نجحت، فإنها يمكن أن ترسخ النفوذ الإيراني في سوريا على المدى الطويل.

قبل خطف الرهائن القطريين، بدأت إيران جهدا جريئا لإحداث هذا التغيير الديمغرافي. في اجتماع سري عُقد في اسطنبول بتيسير من الأمم المتحدة في سبتمبر 2015، اقترح مبعوث من قيل القدس التابع لسليماني اتفاقًا متكافئا أصبح يعرف باسم "صفقة أربع بلدات". سينهي حزب الله من حصار اثنين من معاقل الثوار السنّة بالقرب من الحدود اللبنانية، مضايا والزبداني، في المقابل، سينهي الثوار الممولون من قبل قطر حصارهم لبلدتين شيعيتين في الشمال الغربي، كفريا والفوعة. صفقة الأربعة بلدات ستحقق هدفين لإيران: التخلص من تهديد الثوار في منطقة إستراتيجية، في الوقت الذي يتم فيه إنقاذ الشيعة المعرضين للخطر في الشمال السوري.

كانت تفاصيل الصفقة غامضة في البداية، لكن في وقت ما، اقترح الإيرانيون أن يتبادل السكان السنة والشيعة المدن، وربما يسكنون منازل بعضهم البعض. لقد قدموا هذا الاقتراح على أنه بادرة إنسانية: إن إنهاء الحصار سيفيد الناس في جميع المدن الأربع. لكن المتحدثين باسم الثوار في اسطنبول رفضوا الفكرة بشكل غاضب، واصفين إياها بمحاولة متغطرسة لإعادة تشكيل خليط سوريا الطبيعي من ديانات ومجموعات عرقية متنوعة ذات حسابات طائفية بدائية.

واكتسبت إيران مع الصيادين القطريين المخطوفين بعض النفوذ القوي على هؤلاء الثوار أنفسهم، أو بالأحرى على ممولهم في الدوحة. كانت خطة إخلاء المدن الأربع، التي توارت بعد المحادثات في اسطنبول، قد عادت إلى الطاولة.

لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لوكلاء سليماني لتوضيح هذا كله للحكومة القطرية. واستخدم حزب الله وسيطا، باعتباره المجموعة الوحيدة التي لديها علاقات وثيقة بجميع الأطراف المعنية: طهران والدوحة والميليشيا الشيعية التي احتجزت الرهائن في العراق. كما يمكن هذا إيران من الحفاظ على بعض السيطرة على مفاوضات الفدية، والتي ربما كان من الممكن أن تنتهي بدفع سريع للأموال نقدا للخاطفين العراقيين. وبدلاً من ذلك، أرسل حزب الله مبعوثاً رفيع المستوى إلى الدوحة ووضع الشروط واضحة جداً: سيتم إطلاق سراح الأسرى مقابل مساعدة قطر في التوصل إلى صفقة الأربع مدن.

القطريون، الذين كانوا أكثر اهتماما بحالة ووضعية أفراد العائلة الحاكمة المختطفين من لآثار الكبيرة للصفقة، وافقوا بسهولة على استضافة سلسلة طويلة من المحادثات تضم مختلف الأطراف في صفقة "الأربع مدن": حزب الله والإيرانيون والثوار. ويبدو أن هذه الأطراف قد اجتمعت بشكل منفصل مع محاوريها القطريين.

وقال الكاتب إن نقل المدنيين في منطقة حرب سريعة التحول ليس بالأمر السهل، وكانت هناك خلافات عديدة ينبغي العمل على حلها. وقد عارض بعض الثوار بشدة فكرة نقل السكان، ولم يكن النظام السوري -الذي لم يكن طرفاً في الصفقة- حريصاً على ذلك. وتخلوا عن خطة تبادل سكان البلدات الشيعة والسنة الأربع، وبدلاً من ذلك، سيُنقلون إلى مناطق آمنة، مع النظر في مستقبل كل مدينة على حدة.

لكن ذلك وحده يتطلب بعض التنسيق بين الفصائل المسلحة. وقد لعب المال دوراً كبيراً في تهدئة كل هذه العقبات. لم يكن حلفاء قطر من الثوار قادرين على استعداد لتمرير المخطط إيراني مقابل لا شيء.

ولكن مع مرور الأشهر، لم يكن هناك أي جدول زمني لتحرير الرهائن. زاد إحباط القطريين وتساءلوا عما إذا كان الإيرانيون سيطلقونهم. وبدأوا استكشاف طرق أخرى، وجاء موكب من وسطاء مريبين إلى الدوحة لعرض خطط الإنقاذ مقابل دفع مبالغ نقدية ضخمة. وقال أحد المسؤولين القطريين الذين تحدث إليهم الكاتب: "أتذكر أن رجلاً إيرانياً قال: يمكنني إخراجهم مقابل 20 مليون دولار". دفع أحد أفراد العائلة الحاكمة القطرية 2 مليون دولار لشركة تسمى مجلس الاستراتيجيات العالمية، يديرها بائع أحذية يوناني، ولكن لم تكن مفيدة. وشعر القطريون بالإحباط الشديد، كما أخبر الكاتب أحد الدبلوماسيين السابقين في الدوحة، حتى إنهم كان يفكرون في حل جذريَ: غارة عسكرية لتحرير الأسرى. ومن شبه المؤكد أن قطر كانت تفتقر إلى الدراية اللازمة لتنفيذها. لكن مناقشة مثل هذا الاقتراح تشير إلى أن الأمير تعرض لضغوط هائلة لإحضار الرهائن إلى ديارهم.

واستغرقت القضية ما يقرب من 16 شهرا ليعثر القطريون، في نهاية المطاف، على الرجل صاحب النفوذ الصحيح والصلات لإغلاق الصفقة. حدث ذلك في أوائل أبريل 2017، أثناء الاجتماع السنوي لوزراء الداخلية العرب الذي عُقد في تونس في ذلك العام. وقد عرض الوزير القطري على نظيره العراقي، قاسم الأعرجي، وهو رجل له صلات عميقة بعالم الميليشيات الشيعية.

قال الأعرجي إنه يعرف من احتجز الرهائن، رغم أنه لم يذكر اسم المجموعة. وكما تبين، كانت كتائب حزب الله، وهي فصيل شيعي تأسس في العراق منذ أكثر من عقد من الزمان وشن هجمات عديدة على الجنود الأمريكيين ويتولى تدريبهم وتمويلهم والإشراف عليهم فيلق القدس الإيراني. قال الأعرجي إن لديه خطة لتحرير الرهائن، وفقا لمسؤول قطري رفيع المستوى روى المحادثة للصحفي الأمريكي كاتب التقرير. لكن الخطة جاءت بشرط غير اعتيادي. أراد الأعرجي التوسط شخصيا في إطلاق سراح المختطفين القطريين، وطلب من نظيره القطري أن لا يقول شيئاً عن هذا الأمر لأي شخص آخر في الحكومة العراقية، حيث الانقسامات الطائفية والسياسية. وافق القطري. وكان المال جزءًا من الاتفاق، وهو نوع من التحلية يمكن إضافته إلى صفقة أربع بلدات.

وبعد أسبوع، وصل فريق التفاوض القطري إلى بغداد حاملاً 23 حقيبة. وسرعان ما اكتُشف أن قاسم الأعرجي قد أفرط في فرض سلطته على الحكومة العراقية (ومطار بغداد). في بغداد ، رأي الصحفي صوراً التقطت في تلك الليلة تظهر فيها النقود المحجوبة على آلة المسح والقطريين الغاضبين الذين يقفون في قاعة "الشخصيات الهامة"، وتحيط بهم أكياس القماش الخشن الأسود.

عندما اكتشف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي صنيع القطريين، كان غاضباً وقرر خلط الأوراق. وقد أرسل مجموعة مسلحة تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب لحراسة 23 كيسًا من النقود والتأكد من عدم تمكن أي شخص من إيصالهم للخاطفين. بعد أن استسلم الفريق القطري في النهاية وشق طريقه إلى بغداد، كان العبادي في نهاية المطاف قد نقل الأموال إلى قبو في البنك المركزي العراقي. وأُخذ القطريون من المطار مباشرة إلى المنطقة الخضراء الآمنة في بغداد، حيث استقبلوا في دار الضيافة التابعة لرئيس الوزراء العبادي، وهو الشخص نفسه الذي أمر بحجز 360 مليون دولار.

هدد تدخل العبادي بعرقلة صفقة خُطَط لها بعناية في خلال أشهر من الاجتماعات في الدوحة. وكان من المفترض أن تُسلم 23 حقيبة نقدية في الوقت نفسه الذي كان فيه حلفاء قطر من الثوار ينفذون شروط اتفاقية الأربع مدن. في ذلك اليوم نفسه، كان الثوار السنية يرعون على مضض نقل المدنيين الشيعة على متن حافلات خضراء ويرافقونهم في الطريق إلى حلب، حيث كان من المقرر إيواؤهم بمساعدة النظام السوري. وبالتوازي وعلى بعد 200 ميل جنوبًا، كان مقاتلو حزب الله يستعدون لمرافقة آلاف الأشخاص خارج مضايا والزبداني.

لم يكن مبلغ 360 مليون دولار هو المال الوحيد على المحك. ولضمان دعمهم لعمليات نقل السكان، دفعت قطر للمجموعات السنية الثورية -جبهة النصرة وأحرار الشام- 50 مليون دولار على الأقل، كما أخبرني مسؤول عراقي كبير وأشخاص مقربون من الفصائل الثورية.

كانت خطة مثيرة للجدل وطموحة، مع إيحاءات مظلمة للتطهير العرقي. لكن إذا نجحت، فإنها يمكن أن ترسخ النفوذ الإيراني في سوريا على المدى الطويل. وأمضى المبعوثون القطريون معظم يومهم الأول في بغداد في إجراء مكالمات على الجبهتين. وكان عليهم مراقبة عملية التهجير الجارية في سوريا، وكانوا يائسين من استعادة 23 حقيبة نقدية. وقاموا بتجنيد كل شخص يعرفونه في العراق للمساعدة، بما في ذلك المليشيات الشيعية. لقد قاموا بتعزيز مساعيهم، كما نقل الصحفي الأمريكي عن العديد من المسؤولين العراقيين، بحملة رشوة مخزية استمرت لأسبوع، وقدموا مبالغ طائلة من المال وشققًا فاخرة في الدوحة ودبي لضباط وأعضاء مجلس الوزراء وبرلمانيين. لم ينجح أي من ذلك في استرداد 360 مليون دولار من العبادي ومقربيه.

قبل نهاية اليوم، حدث شيء ما شوش على صفقة "الأربع مدن"، في حوالي الساعة الثالثة والنصف من بعد الظهر، توقف خط حافلات تقل مدنيين من البلدتين الشيعيتين، الفوعة وكفريا، عند نقطة تفتيش في منطقة تدعى الراشدين غرب حلب، إذا انفجرا شاحنة قرب أحد الباصات.

كان الانفجار قويا بشكل غير اعتيادي. وقتل وأصيب الكثيرون في هذا الانفجار، ولا أحد يعرف على وجه اليقين من الذي نفذه ، لكن كل من تحدث إليه الصحفي يعتقد أن التفجير كان يرمي إلى وقف صفقة "الأربع مدن"، والتي اعتبرها كثير من الثوار بمثابة هبة لإيران.

كان المسؤولون القطريون الذين تحدث إليهم كاتب التقرير يعتقدون أنهم كانوا يشاركون في عملية إنقاذ إنسانية لضحايا الحصار، وحدثه بعض أعضاء أحرار الشام بالأمر نفسه. لكن العديد من السوريين الذين رأوا في عملية الترحيل تهجيرا قسريا، ليتناسب مع خطة طبخها أجانب، وكانوا غاضبين. وكان هذا ينطبق بشكل خاص على السكان في البلدات السنية: مضايا والزبداني. وكان معظم السكان مترددين في المغادرة حتى بعد سنوات من الحصار الذي خلف مئات القتلى بسبب المجاعة وقناصة حزب الله.

وقد استؤنفت عمليات نقل السكان، وفي غضون أيام قليلة كانت صفقة أربع بلدات مكتملة إلى حد كبير. وفي إحدى الليالي، غادر، خفية، فريق التفاوض القطري في بغداد من المنطقة الخضراء وغيروا سياراتهم مراراً وتكراراً في محاولة لتلافي جذب انتباه المسؤولين العراقيين وانتهى بهم المطاف في لقاء مع ميليشيا شيعية في حي الكرادة.

في اجتماعهم، عُرض على القطريين دليلاً على سلامة الرهائن، وهو مقطع فيديو حديث للمختطفين، ثم فجأة، بدأ الفريق القطري بتحضير حقائبه وطلب من مضيفيه الحصول على إذن لمغادرة البلاد. كانت الأكياس الثلاثة والعشرون لا تزال قابعة في قبو البنك العراقي، ولكن يبدو أن القطريين وجدوا بطريقة ما وسيلة أخرى لتلبية مطالب الخاطفين.

وعلى الفور، في سجن القبو جنوب بغداد، تلقى "أبو محمد" (المشرف على مجموعة القطريين المختكفين وهو من عائلة آل ثاني) والأعضاء الآخرون في العائلة الحاكمة القطرية على مفاجأة مثيرة من حراسهم: ألبسة، فقد حان الوقت للمغادرة. قضوا 16 شهراً في قبو بلا نوافذ في جنوب العراق، على بعد بضع ساعات بالسيارة من المكان الذي اختُطفوا فيه. لقد أمضوا النصف الأول من محنتهم معزولين تماماً عن العالم، مع مصحف واحد للقراءة. في وقت لاحق، أعطاهم الحارس جهاز تلفاز وشاهدوا الأخبار وتابعوا تقارير عن صفقة سياسية قيل إنها تختمر في سوريا، تشمل الرهائن والتبادل السكاني. قال لي أبو محمد: "اشتبهنا في أن هذا مرتبط بنا".

ونقلوا إلى ما بدا وكأنه مزرعة خاصة فاخرة. وفي الداخل، كان الانتظار في غرفة استقبال كبيرة، المختطفون من غير العائلة الأميرية والذين كانوا محتجزين في مكان منفصل. واكتشفوا أن المجموعة الأخرى قد عوملت بشكل أفضل بكثير من آل ثاني أثناء احتجازهم: الطعام الكافي والاستحمام والحراس المحترمون.

في اليومين التاليين، عومل أفراد عائلة آل ثاني الذين كانوا محتجزين مثل الملوك، واعتُذر لهم عن إساءة معاملتهم في وقت سابق. في صباح يوم 21 إبريل، نُقل الرهائن القطريون إلى بغداد وحضروا حفل الوداع في وزارة الاستخبارات قبل توجههم إلى المطار.

ولا يزال هناك لغز واضح في حالة القطريين المختطفين: كيف أفرج العراقيون عن الرهائن وقد تحفظوا على مبلغ 360 مليون دولار؟ ونقل الكاتب هنا إجابة أحد المسؤولين العراقيين البارزين، قائلا: وافق القطريون على تقديم إيصال نقدي آخر، عبر بيروت، بالمبلغ نفسه تقريباً. (كان قاسم سليماني نفسه، كما نقل مسؤول عراقي آخر، هو الذي أجرى الاتصال الأخير لإطلاق سراح الرهائن).

وأما ما يتعلق بببيروت، فإن هذا أمر منطقي: حزب الله هو الذي يسيطر على مطار بيروت، ولن يواجه أي مشكلة في ضمان تمرير الأموال. وإذا كان هذا صحيحًا، فسيكون إجمالي المبلغ الذي دفعته قطر لتحرير الرهائن 770 مليون دولار على الأقل، وربما أكثر بكثير.

 

** رابط التقرير الأصلي: https://www.nytimes.com/2018/03/14/magazine/how-a-ransom-for-royal-falconers-reshaped-the-middle-east.html?smid=tw-share


تم غلق التعليقات على هذا الخبر