تحقيق "نيويورك تايمز" عن حملة "الريتز": ابن سلمان استولى على أكبر كمية من أموال المعتقلين بالإكراه والغصب

2018-3-12 | خدمة العصر تحقيق

نقلت صحيفة "القدس العربي" أهم ما وُرد في التحقيق الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" عن الحملة التي تعرف بمحاربة الفساد، والتي قادها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في 4 نوفمبر 2017 واستهدف فيها رجال أعمال وكبار التجار وأمراء. وقد مُنع الذين أفرج عنهم من السفر وصودرت ثروات عدد من المقربين من المعتقلين وأُلزم بعضهم بارتداء أساور إلكترونية تراقب تحركاتهم. وعُين فريق من الحرس الخاص العسكري لمرافقة الملياردير المعروف الأمير الوليد بن طلال.

وكشفت الصحيفة أن العملية التي أشرف عليها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تحمل في ثناياها تصفية حسابات مع أبناء الملك الراحل عبدالله، والذين يرى فيهم تهديدا يعيق تنصيبه ملكا خلفا لأبيه، وقد عمل هو ووالده بعد عام 2015 على تهميشهم. كما كشفت تحقيقات الصحيفة عن استخدام التعذيب والإكراه للسيطرة على أملاك المعتقلين، وأشارت إلى أن الأيام الأولى للاعتقال أدت إلى نقل 17 شخصا للعلاج في مستشفى للنخبة قريبا من فندق ريتز كارلتون.

وتحدث تحقيق الصحيفة عن وفاة مساعد للأمير تركي بن عبدالله، أمير منطقة الرياض السابق، بطريقة بشعة للحصول على معلومات عنه. وترك التعذيب أثاره على جسد اللواء علي القحطاني، ضربات كهربائية وكسر لرقبته وحروق حسب مسؤول أمريكي وطبيب مطلع على حالة الجنرال.

كما كشفت التحقيق عن استعانة بن سلمان بشركات قانونية لتدقيق حسابات شبكة "أم بي سي"، حيث جرد صاحبها وليد الإبراهيم من ملكيتها وترك له 40% فقط بشكل يهيئ الظروف لعزله عن إدارتها. وقالت الصحيفة إن أحد المعتقلين أصيب بالكآبة وراقب شركته وهي تنهار. ورغم حديث الحكومة عن الشفافية وأن العملية قادها النائب العام واستنادا للقانون السعودي، إلا أن الصحيفة تكشف في شهاداتها التي جمعتها من مسؤولين ومقربين من العائلة حياة الخوف وعدم الحديث عما جرى لأبنائها خشية الانتقام ومنع النساء والأطفال من السفر.

***

وجاء في التقرير الذي شارك في إعداده بن هبارد وديفيد كيرباتريك وكيت كيلي ومارك مازيتي أن رجال الأعمال الذين كانوا يعتبرون "عمالقة" الاقتصاد السعودي يلبسون أساور الكترونية تضبط حركتهم وسكناتهم، أما الأمراء الذين قادوا حملات عسكرية وظهرت صورهم على المجلات اللامعة فيرافقهم في كل تحرك الحرس الذين لا يستطيعون التحكم بهم.

وجمعت الصحيفة شهادات تقول إن رجال الأعمال والأمراء تعرضوا في خلال الفترة التي قضوها في السجن "الذهبي" للابتزاز والإكراه كي يتخلوا عن أرصدتهم فيما تعرض آخرون للتعذيب. وتضيف الصحيفة أن السجناء لم يتخلوا عن كميات كبيرة من أموالهم مقابل خروجهم من فندق "ريتز كارلتون"، بل وقعوا على تنازلات عن عقارات ثمينة وحصص كبيرة من شركاتهم، وتمَ كل هذا خارج الإجراءات القانونية.

وتقول الصحيفة إن واحدا من المعتقلين أجبر على ارتداء أسورة إلكترونية أصيب بالاكتئاب وراقب تجارته تنهار. وقال قريب له: "لقد وقعنا على كل شيء...حتى هذا البيت الذي أعيش فيه، وأنا لست متأكدا إن كان بيتي أم لا".

وتقول الصحيفة إن مهندس عملية التطهير، هو ولي العهد محد بن سلمان، الذي يحضر لزيارة الولايات المتحدة هذا الشهر في محاولة لجذب المستثمرين. وبدلا من الحديث عن ملف القمع، يركز المسؤولون السعوديون على إنجازاته الإصلاحية: سماحه للمرأة بقيادة السيارة وتوسيع فرص الترفيه وتحركاته لتشجيع الاستثمار الأجنبي. وأنكروا حدوث انتهاكات لمعتقلي "الريتز" ووصفوا الحملة بـ"المنظمة"، إلا أن مقابلات مكثفة مع مسؤولين سعوديين وأعضاء في العائلة السعودية المالكة وأقارب المعتقلين والعاملين معهم تكشف صورة قاتمة عن عملية "إكراه" أو ابتزاز وشهدت حالات تعذيب وتم فيها تحويل مليارات الدولارات إلى صندوق خاص يسيطر عليه الأمير.

ومع أن الفساد مستشر في السعودية والكثير من الذين اعتقلوا يفترض أنهم بنوا ثرواتهم من أموال حصلوا عليها بالفساد، إلا أن الحكومة تعلَلت بقانون الخصوصية ورفضت الكشف عن الاتهامات التي اتهمت بها المعتقلين حتى بعد الإفراج عنهم. كما لم توضح المتهم منهم والبريء بشكل يجعل من الصعوبة التفريق بين ما تم بناء على إجراءات قانونية أو مجرد تصفية حسابات شخصية.

***

وترى الصحيفة أن جزءا من الحملة يعود إلى خلافات عائلية، إذ ضغط ولي العهد على أبناء الملك عبدالله الذي توفي عام 2015 التخلي عن مليارات الدولارات التي اعتبروها إرثهم، وذلك نقلا عن ثلاثة مقربين من عائلة الملك عبدالله.

ورغم تأكيد الحكومة أن حملة مكافحة الفساد ستزيد من الشفافية، إلا أنها تمَت بسرية وتوصلت الحكومة لصفقات مع المتهمين بعيدا عن الرأي العام وحظرت عليهم السفر ومنعتهم من الحديث علانية خشية الانتقام. ولهذا السبب وافق جميع ممن تحدثت إليهم الصحيفة على الحديث بشرط عدم الكشف عن هويتهم لئلا يظهروا وكأنهم ينتقدون الأمير.

***

قبل بزوغ فجر 4 يناير، كان الأمير الوليد بن طلال، المستثمر المعروف وواحد من أثرياء العالم ،نائما في مزرعته في الصحراء حيث استدعي لمقابلة الملك سلمان. وكانت دعوة غريبة في تلك الساعة من الليل حسب اثنين من عائلته. ولكنه لم يتجاهل طلب الملك وعاد إلى الرياض حيث تم تسريح حرسه ومصادرة هاتفه وسجن في ريتز- كارلتون. واستُدعي أكثر من 200 شخص وهم من أهم المؤثرين في المملكة وأثريائها، ومنهم الأمير متعب بن عبدالله، نجل الملك عبدالله وقائد الحرس الوطني في حينه، وفواز الحكير الذي يملك عددا من المحلات التجارية في السعودية وحق محلات زارا وغاب في السعودية، وكذا صالح كامل، رجل الأعمال الكبير في العمر من جدة على البحر الأحمر وعدد آخر من الأمراء ورجال الأعمال والمسؤولين السابقين. وتم نقل معظمهم إلى فندق "الريتز" حيث نزعت الأبواب الزجاجية للحمامات وقضبان الستائر لمنع المعتقلين من محاولة الانتحار.

وكان بإمكانهم مشاهدة التلفاز وطلب الخدمة الفندقية، ولكن من دون هواتف أو انترنت. وفي خارج الفندق، أصيبت عائلات المعتقلين بالفزع حيث لم تعرف مصيرهم وقام مدراء الشركات التي يملكونها برسم خطط طارئة لمواصلة العمل حيث لم يكونوا يعرفون مدة غياب مدرائهم التنفيذيين. وقد سُمح للمعتقلين لاحقا بطمأـنة عائلاتهم أنهم بخير وذلك عبر مكالمات قصيرة مراقبة.، ولكنهم مُنعوا من الاتصال بحاميهم، إلا أن الوليد بن طلال ظل على اتصال أسبوعي مع مدراء شركاته. وظل بعيدا عن الأضواء حتى يناير عندما سمح لمراسل وكالة رويترز إجراء مقابلة معه لمواجهة تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إنه معتقل في مكان يشبه الزنزانة. وبعد المقابلة أفرج عنه. ولا يعرف حتى الخاصة المقربين منه ما هي الترتيبات التي اتفق عليها. ورفض ممثلون في “المملكة القابضة” ترتيب لقاء معه إلا أن شخصين من العائلة مقربان منه قالا إنه تحت حراسة عسكرية ولم يخبر إلا القليل، إن قال فعلا، بما حدث له في "الريتز".

***

ونقلت الصحيفة عن طبيب ومسؤول أمريكي قولهما إن حوالي 17 من المعتقلين احتاجوا للعناية الطبية جراء التعذيب الذي مارسه الجلادون عليهم، وكان هذا في الأيام الأولى للريتز. ووفقا لأقارب المعتقلين، فإنهم حُرموا من النوم وعوملوا بقسوة وحُقَق معهم بأكياس غطوا بها رؤوسهم، إذ ضغطت عليهم الحكومة من أجل التخلي عن حصص كبيرة من أرصدتهم.

ومع أن المعلومات عن التعذيب قليلة، إلا أن مسؤولين غربيين يرون أن فيها قدرا من المصداقية. منها حالة ضابط عسكري سعودي مات في السجن. ووصف شخص شاهد جثة اللواء علي القحطاني وقال إن رقبته كانت ملوية بطريقة غير طبيعية وكأنها كسرت وظهرت أثار التعذيب على جسده. وقال إن بشرته كانت تحمل آثار تعذيب جسدي. ووصف طبيب وشخصان آخران اطلعا على ظروف الجثة قالوا إن علامات حرق ظهرت على جسده بسبب التعذيب بالكهرباء.

وكان الجنرال القحطاني، في الستينات من عمره، ضابطا في الحرس الوطني ولم يكن ثريا مما يجعل أهميته لحملة الفساد محلا للتساؤل، ولكنه كان كبير مساعدي الأمير تركي بن عبدالله، أمير منطقة الرياض السابق، وربما كان المحققون يضغطون عليه من أجل الحصول على معلومات عن رئيسه الأمير تركي. ويُنظر لأبناء الملك عبدالله منافسين لولي العهد ووالده الملك سلمان ونقل الجنرال القحطاني في نوفمبر إلى مستشفى خاص قرب الفندق لإجراء صور أشعة وعلاجه، حيث ظهرت على جسده آثار التعذيب، وذلك حسب طبيب اطلع على حالته. ونقل بعدها إلى الفندق للتحقيق معه مرة أخرى وأعلن لاحقا عن وفاته في مستشفى عسكري. ولم تقدم المملكة أية توضيحات رسمية حول ظروف وفاة اللواء القحطاني. ويخشى أفراد عائلته ومن عائلة الملك عبدالله الحديث عن ظروف وفاته علنا خشية الانتقام، وذلك استنادا لأشخاص تحدثوا إليهم. وعندما اشتكى نجل آخر للملك عبدالله هو الأمير مشعل لبعض أصدقائه بشأن الطريقة التي عومل بها الجنرال القحطاني اعتقل حالا وأودع فندق "الريتز".

***

وكشف تقرير الصحيفة عن استعانة الحكومة السعودية بشركات دولية لدفع المعتقلين التنازل عن حصص من أملاكهم. وهذا واضح في محاولة الأمير السيطرة على شبكة "أم بي سي" التي عبر عن اهتمام بشرائها في عام 2015 وذلك بناء على ثلاثة مقربين من إدارة الشركة. ومع أنها لا تحقق أرباحا بشكل متواصل إلا أنها تملك عددا من القنوات التلفازية وتبث برامج مثل "فويس" و"أراب غوت تلانت" إلى ملايين بيوت العرب ولهذا لديها القوة لكي تحرف مسار الرأي العام.

وتعرقلت المفاوضات لإتمام الصفقة عندما جاء في أكتوبر فريق من شركة المحاسبة الدولية "بي دبليو سي" للتدقيق في حساباتها. وقد اعتقل مدير الشركة وليد الإبراهيم ومعظم أعضاء مجلس إدارتها في 4 نوفمبر، وبعد أربعة أيام وصل محاسبو “بي دبليو سي” إلى مقر الشركة في دبي لإنهاء تقريرهم عن حساباتها، وذلك استنادا لشخصين مطلعين.

أما الشركة الأجنبية الثانية، وهي البريطانية "كيلفورد تشانس"، فتولت تحضير الأوراق القانونية لنقل ملكية الشركة حسب ثلاث أشخاص مهنيين مطالعين. ولم تثر أي من الشركتين قلقا من أن البائعين يحتجزهم المشتري.

وأُفرج عن مالك القناة الإبراهيم الذي لم يعد إلى دبي رغم وعوده المتكررة للمسؤولين هناك. ويقول شخصان لهم معرفة بالأمر إن شركة "كيلفورد تشانس" ومحاميها الذين يمثلون محمد بن سلمان يقومون بإنهاء عقد يترك للإبراهيم نسبة 40% من أسهم الشركة بشكل يعبد الطريق أمام عزله عن إدارتها. ومع أن سياسة القناة تغيرت قبل نقل الإدارة، فقد ألغت هذا الشهر ستة مسلسلات درامية تركية شهيرة، وهو ما كلفها 25 مليون دولار حسب أشخاص من المهنة يعرفون بالأمر. ويرى هؤلاء أن الأمر جاء من مسؤولين بارزين مقربين من الأمير محمد بن سلمان، وله علاقة بالمواقف التركية من الأزمة القطرية.

***

في يناير الماضي، قال النائب العام إن حصيلة التسويات وصلت إلى 106 مليار دولار، فيما قال مسؤولون إنهم يتوقعون أن تؤدي العملية إلى جمع 13 مليار دولار نقدا بنهاية عام 2018. وبالمقارنة بين الرقمين، فإن ما تم الحصول عليه نقدا قليل، إذ إن أيَا من المعتقلين لا يحتفظ بأموال في البنوك السعودية لأنهم أخفوها في الخارج ولا تستطيع الحكومة الحصول عليها من دون إجراءات قانونية حقيقية. ولا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة قد سيطرت على أي من الاستثمارات الأجنبية للمعتقلين ولا استطاعت الحصول على أرصدتهم الخارجية. وكل ما حصلت عليه من أرصدة حسب مستشارين ماليين ومقربين من المعتقلين هي أموال محلية على شكل عقارات وأسهم في شركات تريد الحكومة تحويلها لسيولة مع مرور الوقت، وهي عملية تحتاج إلى سنين.

ومع أن الحكومة تذرعت بقانون الخصوصية إلا أن مقابلات مع أقارب ومقربين من المعتقلين تعطي صورة عما حصلت عليه:

فقد سيطرت الحكومة على إدارة مجموعة بن لادن للإنشاءات، وهي شركة عملاقة أنشأها محمد بن لادن، وظلت المتعهد الخاص للعائلة المالكة. ولا يزال مديرها بكر بن لادن معتقلا وخسر أفرادها معظم ثرواتهم الخاصة. وصودرت قطع أرض كبيرة من محمد الطبييشي، رئيس المراسم الملكية السابق، ومن فواز الحكير وخالد التويجري، مدير البلاط الملكي السابق وعادل الفقيه، الوزير السابق وعمر الدباغ، المدير السابق لمؤسسة حكومية تشرف على الاستثمار الخارجي.

***

واحد من أهداف الحملة كانت ثروة أبناء الملك عبدالله، حيث يُنظر إليهم على أنهم تهديد للعرش السعودي. فمنذ وصوله إلى الحكم في عام 2015 قام الملك سلمان وابنه بالتحرك لتهميشهم. فقد عزل الأمير تركي بن عبدالله من منصبه أميرا لمنطقة الرياض عام 2015 وعزل الأمير متعب من الحرس الوطني العام الماضي وقد اعتقل الرجلان مع عدد من أشقائهم في فندق الريتز. و

خلف الملك عبدالله مليارات الدولارات في “مؤسسة عبدالله” من أجل تمويل مشاريع مختلفة باسمه ولكي تكون بمثابة صندوق لأبنائه حسب ثلاثة مقربين من العائلة. وبعد وفاته أعطت المؤسسة340 مليون دولار لكل واحد من أولاده و200 مليون دولار لبناته وعددهم جميعا 30.

ويحاول محمد بن سلمان تحصيل الأموال التي يقول إنها أخذت من المؤسسة دون حق، وذلك حسب أشخاص مطلعين على التفاوض مع أبناء الملك عبدالله الذين يرون أنها من ورثة والدهم. ويدير المؤسسة الأمير تركي الذي مات مساعده اللواء القحطاني في السجن. ولا يزال تركي معتقلات ومنع معظم إخوانه من السفر خارج المملكة، وهناك آخرون يعيشون في الخارج، في لندن وغيرها ويخشون العودة إلى البلد الذي حكمه مرة والدهم. وبحسب مقربين من أبناء الملك السابق، فلا يسمح لأبنائه إلا سحب 26.000 جنيه استرليني في الأسبوع لدفع مصاريفهم اليومية.

وقالت الحكومة في يناير الماضي إن هناك 56 شخصا لا يزالون في المعتقل وسيقدمون للمحاكمة. ومن أُفرج عنهم ليسوا في الحقيقة أحرارا وابتعدوا عن الأضواء ولا يعرفون ماذا ستفعل بأرصدتهم، ولا يسمح لهم بالسفر أو الدخول لحساباتهم وبعضهم مربوط بأسورة ألكترونية وآخرون بحرس. وقال أحد أقارب معتقل: "يريدون الضغط عليك وعلى أبنائك حتى تبيع أرصدتك وبعدها سيسمحون لك بالسفر".

 

* رابط التقرير الأصلي: https://www.nytimes.com/2018/03/11/world/middleeast/saudi-arabia-corruption-mohammed-bin-salman.html?mtrref=undefined&mtrref=t.co&gwh=77A77D9CE3C217E41AF5F36CFC19DE05&gwt=pay


تم غلق التعليقات على هذا الخبر