آخر الأخبار

كيف استخدمت "الاوليجاركية" العسكرية ثورة "يناير" ثم أطاحت بها وأخضعتها لدولة "يوليو"؟

2018-3-11 | كيف استخدمت

بقلم: د. أحمد ماهر العكيدي / كاتب ومدون عربي

كانت مغامرة أسطورية تنتهي بنهاية معروفة سلفا.. الصبية المجلوبون من آسيا الوسطي ليُباعوا عبيدا لحكام مصر والشام يصبحون بعد ذلك أمراء للعسكر وحكاما للبلد الذي جاءوا إليه أساسا كعبيد .. كان العامة يسمونهم "المماليك" .. نظام لم تشهد البشرية له مثيلا، إلا ما ندر، وهكذا سارت وتسير مصر.

كان الصبية المماليك يبدأون تدريباتهم مبكرا على فنون الحرب مع بعض التعليم الديني. المتميزون منهم كان طريقهم ممهدا ليصبحوا حكاما وسلاطين على مصر والشام. انتقال السلطة كان يليق تماما بطبقة عسكرية .. وصار بعدها ديدنا وأسلوبا لانتقال السلطة في مصر والشام حتى عصرنا هذا.

حقا .. كان انتقال السلطة يليق تماما بتلك الطبقة العسكرية: الجندي المملوكي الطموح يقوم بقتل أميره وقائده ويصبح هو أميراً مكانه ويعترف به الجميع قائدا جديدا، فيعلن نفسه ركن الدين وعماده وتضرب باسمه النقود ويتنادى بذكر مآثره وفضائله وسابقة جهاده على المنابر وفي الجوامع.

المماليك كانوا جنودا فقط لم يسعوا للسيطرة على المجتمع ومؤسساته، كان هدفهم الحكم وفقط، لم يكن لديهم هيئه هندسية ولا جهاز خدمة وطنية..كان المجتمع يسيطر على تعليمه وتجارته وأوقافه..لم يؤمموا النشاط الاقتصادي ولم يسدوا الأفق السياسي ..ألخ. كانت مسؤوليتهم هي الحماية فقط والحكم.

أنصار الجنرال معجبون جدا بمصر المملوكية. المثقف فيهم يلقي عليك محاضره تاريخيه بليغة عما شهدته مصر من ازدهار تحت حكم عسكر المماليك.. وفي تناقض عجيب غريب جعلوا سليم الأول فاتح مصر المملوكية غاصبا محتلا وقنصوة الغوري بطلا وطنيا وجب أن يخلد اسمه في التاريخ.

الصراع الدائر حاليا في مصرنا العظيمة ليس صراعا علة سلطة، ولا هو أزمة سياسية مستعصية على الحل تحتاج إلى وساطة إقليمية أو دولية، وإنما هو صراع ضد نظام "فاشي" ذو امتدادات اجتماعيه وإقليمية.

والكلام أن السلطوية العسكرية المصرية، وقد مثلتها دولة يوليو، حاولت أن تصنع تغييرا وتنمية حقيقية هو كلام تافه وفارغ ومزيف وكاذب، مهما كان مستوى رصانة اللغة اللي يُقال بها، وكذلك تفعل دولة يوليو الجديدة.

بعد عدة أشهر تقريباً من الغزو الأمريكي للعراق وبدء ظهور مصائبه ونتائجه الكارثية، ظهرت صورة جمال مبارك علي غلاف النيوزويك وعليها عبارة "Forget Iraq. Start with Egypt" (انسوا العراق.. مفتاح الشرق الأوسط هو التغيير في القاهرة) وفي الخلفية صورة جمال مبارك.

وقتها كان جمال مبارك، بمظهره الأنيق وإنجليزيته الممتازة، نجماً في الإعلام الغربي. كانوا يتكلمون عن ثورة الأنترنت والاتصالات التي دفعت البلد إلى الأمام. النمو الاقتصادي قاده مجموعة وزراء من خريجي جامعات غربية. وكان لقب مصر وقتها تحت قيادة جمال مبارك وفريقه "نمر على النيل".

الفكرة التي كانت سائدة وقتها أن مصر البلد المستقر تتمتع بقدر معقول من حرية الرأي والحرية الاقتصادية، وبها مجموعة في قمة السلطة مؤمنة بإصلاحات تؤدي لتوسيع هامش الانفتاح الاقتصادي والسياسي، هي بلد مناسبة جداً لبدء عمليات إصلاحية تؤدي في النهاية إلى تشكيل أنموذج لباقي دول المنطقة.

للإنصاف، كان صنيع جمال وفريقه جذاب ويستحق الاهتمام، مؤتمرات سنوية للحزب الحاكم، يعني المؤتمرات السنوية للحزب ومت عمله "رشيد" في وزارة التجارة والصناعة ومعدلات النمو الاقتصادي المرتفعة، مع اختلافنا طبعاً حول كيفية توزيع ثمار النمو، وكذا شغل أحمد نظيف وطارق كامل في قطاع الاتصالات.

وهنا، يطرح السؤال الأهم: لماذا كان العساكر ومن تبعهم متضايقين من جمال وفريقه قبل وبعد 25 يناير، وقد عملوا على شحذ سكاكينهم في انتظار فرصة الانقضاض؟

السلطوية العسكرية المصرية قامت لتحقيق هدف نهائي محدد، وهي سيطرة البدلة "الميري" أو "الأوليجاركية" العسكرية على مصر وفرض طبقة عسكرية حاكمة مغلقة تدير موارد مصر وتوزعها وفقا لإرادتها وتحتجز الجزء الأكبر فيها، ربما جاز أن يُطلق عليهم "المماليك الجدد".

هذه الطبقة أُريد لها أن تعلو على المصريين وتقهرهم وتنسف أي قدرة حقيقية للفعل خارج حدودها العسكرية وتنزع عن أي مصري لا يرتدي بدلة "الميري" كل الحقوق وأي فرصة في المشاركة السياسية في إدارة البلد، حيث بقية المصريين لا قيمة لهم إلا في مدى ولائهم لها ومدى قدرتهم على خدمة بقائها، ولهذا ظهرت بيروقراطية مدنية موالية وقضاء وشرطة موالين ولهم امتيازات.

فالعسكر منذ أيام ما أطلقوا عليه "الضباط الأحرار" عملوا بهذا، وكانوا أهل هوس بفكرة السيطرة علة عموم الناس وتعليمهم وصحتهم وثقافتهم وشغلهم وأكلهم ودينهم وكل حاجه تقريباً، بما فيها نوعية أنشطتهم الترفيهية.

دولة يوليو الناصرية قامت بالقضاء على السوق والتنافس الاقتصادي لمصلحة تركيز القوة الاقتصادية في أيدي الدولة وقطاعها العام الذي أصبح أداة تحقيق سيطرتهم وأداة الثواب والعقاب ووسيلة لقتل روح المبادرة الاقتصادية والتنافس في مجال الاقتصاد كما تم قتله في مجال السياسة.

القطاع العام كان وسيلة للسيطرة على محاولات التغيير، فهو أكبر عملية رشوة استوعبت فئات المصريين في قطاعات غير منتجة وغير مهتمة بثقافة التجويد والإتقان وغير مبالية بتطور العالم من حولها، وفقا للمعادلة البسيطة: المرتب مقابل حرية التعبير والأمان الشخصي مقابل الصمت وعدم محاسبة العسكر.

الهدف لم يتغير تحت حكم السادات ومبارك والسيسي، فهم امتداد إستراتيجي (أي إنهم متفقون على الهدف النهائي، وهو التمكين للسيطرة العسكرية) لدولة يوليو، ولم يختلفوا إلا "تكتيكيا" مع الناصرية، ربما أراد السادات أن يحافظ على امتيازات يوليو لكن بثمن أقل. فالدولة التي تقدم الخدمات للمواطنين أصبحت غير قادرة أن تقدم مزيد من الخدمات، فأراد أن ينشئ سوقا تحت السيطرة وطبقة منتفعة تعيش على تخوم السلطوية العسكرية، وهي طبقة رجال أعمال ترضى بالسيطرة العسكرية، وفي الوقت نفسه تحاول أن تؤسس لاقتصاد رأسمالي تحت سيطرة "الأوليجاركية" العسكرية!

هذه الطبقة تطورت نسبيا وأرادت كسر الاحتكار العسكري من داخل بيت مبارك الحاكم (good move كما يُقال في الشطرنج)، فظهر الصراع المؤقت ولكنه مؤثر بين "الأوليجاركية" العسكرية وبين طبقة لها تطلعات التوسع حتى ولو على حساب العسكر.

اختارت طبقة رجال الأعمال الجديدة (ومن خلفها طبقة متوسطة قلقة) جمال مبارك حلقة وصل بينها وبين العسكر في مساومة تبدو ذكية، وكادت أن تنجح لولا أن العسكر فطنوا لها، وفطنوا أنها ربما تكون تجاوزا لاتفاق المرحلة الساداتية غير المعلن بأنه لا بأس أن تكبروا ولكن تحت سيطرتنا.

جمال وأصحابه أوجدوا مساحة واسعة خارج  السيطرة: رخص "الموبايل" والتليفون الأرضي، وهذا الأخير أمكن تركيبه في أسبوع بدل سنوات، وبعد أن كانت تسعيرة مكالمات الهاتف الجوال لخمسة آلاف جنيه شهرياً في بداية تأسيس الشبكة، أصبح بسعر بخس، والنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومساحات التواصل الواسعة هذه كانت تقريبا غير خاضعة للمراقبة. الناس بدأت تتعرف على بعضها دون رقابة من الأخ الأكبر. وهذا في الحقيقة انتهاك لواحدة من أهم قواعد السيطرة على المجتمع: الحفاظ على اغتراب طوائف وفئات المجتمع عن بعضها، وطرح الدولة لنفسها وسيطا وحيدا حالة حدوث احتكاكات.

وليس هذا فقط، بل إن توسُع القطاع الخاص أوجد فئات مستقلة في مصادر رزقها عن الدولة، وهذا ما أتاح لهم التفكير في قضايا مضرَة بالسلم العام من وجهة نظر العساكر.

وتفاعل هذه القضايا مع بعضها أفرز مجموعة أحداث، أدت في 25 يناير لحدث خارج السيطرة كاد أن يطيح بدولة يوليو بأكملها.

العسكر يعتقدون أن "جمال مبارك" وعصابته هم السبب الرئيس لما حدث في 25 يناير. وهذا ليس بسبب الفساد ولا تزوير انتخابات 2010، بل لأنهم سمحوا بنمو طبقة وسطى فاهمة تعمل في وظائف مهمة بمرتبات محترمة، ليست مقهورة، مما أعطاها فرصه للاهتمام بالسياسة خارج النطاق الرسمي.

النظام المصري منذ يوليو 52 وهو يؤسس لقيام دولة تكتمل فيها كل صفات الدولة الفاشية. نظام يسعى للسيطرة الكاملة على كل مناحي الحياة في البلد. السيطرة علي كل شيء بالمعني الحرفي للكلمة.

ويناير كان المواجهة بين الطرفين، وراد أن ينقلب على الهدف الإستراتيجي ليوليو ويوجد حالة تعود فيها الأمور إلى طبيعتها، وهي أن يكون العسكر تحت السيطرة المدنية وأن تنتظم القوى الحية في المجتمع المصري في شكل تنظيمات سياسية تتنافس على أصوات وعقول وقلوب الناس.

غير أن عدم نضج ثورة يناير، والأهم عدم تنظيمها جعلها لا تفطن أنها وُظفت كما لو أنها مارد استُدعي من قمقم الشعب لاستخدامه في تصفية أحد أطراف الدولة المعسكرة للطرف الآخر الذي تطلع إلى دور أكبر من المتفق عليه، وبعد انتهاء مهمة ثورة يناير أراد المنتصر وهو العسكر أن يعيدها مرة أخرى إلى القمقم.

وها هي "الاوليجاركية" العسكرية تضع اللمسات الأخيرة في خطة إخضاع يناير لمصلحة يوليو، ولكن ظني دائما أن لا شيء يذهب هباء حتى لو انكمش يناير وتمدد يوليو. بالتأكيد، يناير ليست نهاية يوليو ولكني اظننها بداية النهاية .. فاللهم أحينا حتى نشهد نهاية النهاية وابتداء البناء.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر