مراكز البحث الصهيونية: دفع قادة العرب للتنسيق العلني مع الإسرائيليين

2018-3-6 | 	مراكز البحث الصهيونية: دفع قادة العرب للتنسيق العلني مع الإسرائيليين

بقلم: د. أحمد جميل عزم (*)/ أستاذ مساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية بجامعة بيرزيت

يتأخر إعلان الرئيس الأمريكي عن خطته للصفقة النهائية ultimate deal في الشأن الفلسطيني، ولكنه لا يتأخر في تنفيذها وتطبيقها، فقد بدأ التنفيذ حتى قبل أن تتضح الخطة، والآن يتحدث "مفكرو" الحركة الصهيونية العالمية، ومن يساعدهم، عن مكوَنين يسمونهما: "الهَش هش" و"تليين الرؤوس".

تقوم الخطة الأميركية الإسرائيلية في الوقت الراهن على ثلاثة مكونات: الأول ضم القدس والمستوطنات وحسم الملفات الخلافية لصالح إسرائيل دون تفاوض. وثانياً، الحفاظ على الموقف الأمني للسلطة الفلسطينية، فلا يصل الغضب الفلسطيني الدبلوماسي والإعلامي للمساس بالتنسيق الأمني على الأرض. ومن جهة ثالثة، السعي عربياً لتسويق فكرة تغليب المصالح الاقتصادية، ومحاربة الإرهاب، ومواجهة إيران، بالتعاون أو التناغم مع الجانب الإسرائيلي، وتغييب موضوع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

تلعب مراكز الأبحاث، والفضائيات التلفازية، والمنتديات، وشركات الاستشارات، والعلاقات العامة دورا متزايدا حاليا،ً في العلاقات الدولية، وتكشف التحقيقات الجارية في الولايات المتحدة الأميركية بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية عن دور كبير للمحامين الوسطاء بشكل شخصي، وأشخاص يقدمون أنفسهم خبراء وأصحاب علاقات ومعارف، لا مع موسكو فقط بل ودول أخرى. ويلعب أشخاص وشركات استشارية ومراكز أبحاث دور اليد الصهيونية في الاتصال مع أطراف فلسطينية وعربية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقوم توني بلير، رئيس الوزراء السابق، بدور مهم عبر شركته الاستشارية وعلاقاته الشخصية في التشبيك بين حكومات وأطراف لخدمة "إدارة الصراع" وتهدئته، فيما الجانب الإسرائيلي يواصل التصعيد الاستيطاني. وقد باتت اتصالات بلير مع حركة "حماس" جلية. وتلعب مراكز أبحاث مؤيدة لإسرائيل دورا سياسيا في الاتصال بحكومات عربية والتخطيط. فمقابل تقبل أفكار بعض العرب لأفكار عن أن الفلسطينيين أو جزءا منهم إرهابيون، يقدم العاملون في تلك الشركات ومراكز الأبحاث وعودا بفتح باب البيت الأبيض والإدارات الأميركية بوجه دبلوماسيين عرب.

من هذه المراكز الأساسية، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الذي يديره أميركيون – إسرائيليون، وعادة ما يجذب باسم البحث العلمي والدراسات، باحثين عربا وفلسطينيين للعمل معه. ونشر مؤخراً باحِثان من هذا المركز، أحدهما فلسطيني والثاني إسرائيلي، تحليلاً، بعنوان "صفقة الهَش هش Hush-   Hush التي تمنع الانفجار في الشرق الأوسط". والهش- هش تعني الصامت أو الهادئ، في إشارة للتنسيق بين قوات الأمن الفلسطينية والإسرائيلية لملاحقة من يسميهما كاتبا المقال "الإرهابيين" (الفلسطينيين). ويكشفان أن ميزانية أجهزة الأمن الفلسطينية نحو مليار دولار، لا يدفع الأمريكيون سوى 100 مليون منها، هي نحو ربع المساعدات الأميركية للفلسطينيين.

ولذلك، يحذران دونالد ترامب من وقف المساعدات، وخاصة أنهما يُذكّران ترامب أنّ المسؤولين الفلسطينيين يقولون إنّ التنسيق الأمني ليس لمصلحة إسرائيل (أو الولايات المتحدة)، بل لتحقيق الهدف الفلسطيني الوطني بالحصول على الدولة وإنهاء الاحتلال. وبالتالي وقف المساعدات مع هذا الهدف في العقل الفلسطيني (إنهاء الاحتلال)، قد يؤدي لانهيار "الاستقلال النسبي". هذا التحليل/ التوجيه يُشير إلى أنّ هذا هو المعيار الأساس والهدف الحقيقي أو الحد الأدنى للتعاون مع السلطة الفلسطينية.

باحث مصري، من المركز (واشنطن) ذاته، نشر تحليلاً بعنوان "تليين رؤوس الجنرالات المصريين ضروري لاستمرار التعاون مع إسرائيل". يشير فيه إلى أن ضباطا مصريين لا يقبلون التعامل مع إسرائيل على أنها دولة "غير عدو" رغم اتفاقيات السلام، ويصف الكاتب هؤلاء بأنهم يحملون "منظورا عدوانيا أو هجوميا Aggressive"، لا يريدون تطوير العلاقات، ويؤمنون برأيه "بنظرية المؤامرة عن اللوبي اليهودي في واشنطن". ولا يفهمون أنّ إسرائيل ليست مجموعة مهاجرين من أوروبا كما يعتقدون. ويريد الكاتب تعاونا عسكريا مصريا إسرائيليا علنيا في سيناء، ما سيؤدي لتغيير "سوء الفهم" عند ضباط مصريين عن "الدولة اليهودية".

هذه الرؤى من كُتّاب في مركز أبحاث قاده أبرز الصهاينة المؤيدين لإسرائيل، مثل دينيس روس ومارتن إنديك، الذي يحاول مخاطبة مسؤولين عرب أيضاً عادة برسائل واتصالات وندوات وتُترجم إصداراته  للعربية، تشير إلى بساطة الفلسفة التي تحكم العمل الصهيوني- الإسرائيلي حاليا: استئناف واستمرار الاستيطان وفرض الأمر الواقع على الأرض، وفي الوقت ذاته عمل ما يلزم حتى لا يتراجع الفلسطينيون حقا عن التنسيق الأمني والوصول إلى مرحلة المواجهة، وثالثاً، "تليين" رؤوس العرب للتنسيق العلني مع الإسرائيليين.

(*) صحيفة "الغد"


تم غلق التعليقات على هذا الخبر