فتكت بها الأفكار المريضة: معضلات أفرزتها الثورة السورية لم نجد لها حلا

2018-2-27 | خالد حسن فتكت بها الأفكار المريضة: معضلات أفرزتها الثورة السورية لم نجد لها حلا

نواجه اليوم، بعد كل هذا الزخم الثوري والتعثر والاضطراب، معضلات فكرية، هذا العقل الذي قاوم الاستبداد والطغيان وفضحه وأسقطه فكريا توقف عند لحظة زمنية وانغلق عليها.

ربما أكثر ما صنع زخم الثورة وتخبطها صعودها وهبوطها إنما هي أفكار المصلحين والمقاومين والتيارات المناهضة للدكتاتوريات والاستبداد، التي ناضلت وخاضت معارك الحرية والانعتاق من الطغيان في الأزمنة المتأخرة.

نعم، أفكار النهوض بالأمة ومقاومة الطغيان هي التي صنعت الزخم الثوري وربما هي التي فجرت الثورات، لكنها تقف اليوم عاجزة عن تجاوز أمراض العقول والتنظيمات الضيقة وتجارب العهد القديم.

الفريقان اللذان يقتتلان اليوم في الشمال السوري كل منهما مدعوم بتكتل وعقول، وكل منهما تنتصر له الأفكار نفسها التي فجرت الثورات، التقيا في فترات من الثورة وتمادت بهم أيام الثورة، ثم سلك كل منهما دربا غير درب رفيقه في الثورة والسلاح، ليخوضا معركة الانقضاض في المربع الأخير للثورة، فعندما تصدوا بها لداعش، كانت النصرة ثم الهيئة، جزءا من كيان الثورة رضوا عن صنيعها وباركوا انغماسها وبأسها، بل وتحالفوا معها، وعندما أنهت قتالها هذا أصبحت عدوا وعصابة تُحارب؟؟

قهرتنا الدكتاتوريات، حطمتنا، هوت بنا إلى قاع التخلف والتبعية والانحطاط، أجدنا الوصف والفضح، أينعت أفكارنا وفجرت ثورات، ثم توقف تفكيرنا عند هذه اللحظة، لكن بعضنا آوى إلى ركن ضيق واستسلم للأفكار المريضة، فانتصر لفصيل ووصف الاقتتال والحروب الداخلية بأنها "معركة شرف"؟؟

واغتر وانغلق على أفكار ضيقة مريضة وانطلق لا يلوي على أحد، وأغرق الثورات بكمية هائلة من الأحقاد والانتصار للفصيل وحرض وشحن، وسقط في مستنقع الطعن والبخس والتشويه، فإذا بالعقل الذي أسهم في تفجير الثورة هو نفسه الذي يغرقها في أوحال الانتصارات والمعارك الوهمية.

ما الذي يريده العقل الثوري في سوريا؟؟ أبعد كل هذا النضال والتحدي والمقاومة للدكتاتوريات والاحتلال الداخلي والطغيان السياسي، وبعد أن اكتوت الحاضنة الشعبية ببراميل الأسد وأُحرقت بقصف الروس والأمريكيين، نخرب آخر ما تبقى لنا من ثورة بأيدينا؟

ما الذي نريده؟ نريد ثورة ضد الطغيان، قد تحقق لنا هذا في سوريا، لكنها اليوم تأكلها بعضها بعضا، لم يخضعها حرب الشرق والغرب لها، لكن أفنتها الحروب والمعارك الداخلية، فتك بها العقل المريض المنغلق.

نلعن الدكتاتوريات صباح مساء ونشرد ونعذب ونغيب في السجون، ثم عندما تتهيأ لنا الفرصة التاريخية لمواجهة هذا الطغيان، نحمل الفؤوس بأيدينا ونحطم السفينة التي حملتنا جميعا بأفكارنا المريضة؟؟

نواجه اليوم معضلات لم نجد لها حلا، كشفت عنها بوضوح الثورة السورية، مهم جدا أن ننكب على البحث عن صيغ  لتجاوزها وهذا لا تقدر عليه إلا العقول الكبيرة لا الضيقة والأفكار الحية المستوعبة لا المميتة ولا المريضة.

أسلافنا بحثوا واجتهدوا وفكروا وتوصلوا إلى صيغ لمعالجة أوضاع بائسة واجهوها ومواجهة الانحطاط السياسي، أثارت جدلا واسعا، وجاء من بعدهم أقروهم على بعض منها واستدركوا على ما لم يستسيغوه، وهذا واجبنا اليوم أن نجد حلا لمعضلاتنا.

الماوردي ومن بعده الجويني وغيرهما من فقهاء السياسة خضعا للأمر الواقع وقالا بالتغلب لمواجهة التفكك السياسي يومها، وربما إمام الحرمين مضى أبعد مما قال به الماوردي، لكن العقل السياسي من بعدهما توقف عند هذه اللحظة التاريخية..حتى كانت نهضة الأزمنة المتأخرة.

حتى كانت نهضة الأزمنة المتأخرة واختلف الزمان كثيرا عن بيئة التغلب التي خضع لها عقل الماوردي والجويني حفاظا على وحدة الكيان السياسي يومها، وأنكرت العقول الحية الناهضة المعاصرة  فكرة التغلب ورأت فيها خنوعا وخضوعا واستسلاما، وكان هذا تقدما رائعا في الوعي السياسي الإسلامي.

وساد خطاب وأفكار الشورى والاختيار الحر، وهو رجوع إلى أصل الحكم في دولة المدينة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم، واصطدم هذا مع انحطاط وتفكك شامل للعالم العربي، ما فرض الزمن الثوري وموجة الثورات العربية الرائعة.

لكن هذا العقل توقف مرة أخرى عند لحظة تدفق الثورات، ليُظهر عجزا في مواجهة مضلات ثورية أفرزتها أفكار مريضة فتاكة، فكان لزاما علينا البحث عن حلول لها وضيغ لتجاوزها، لكن لا يتصدى لها المبتلون بالانغلاق وادعاء الفهم ومن أغرقوا الساحة الثورية بالتحريض والانتصار لفصائل وكيانات هشة.

وفي بحثنا عن حل وصيغ لتجاوز المعضلات الثورية يتداخل فيها الحوار والصواب بعقل ناقد مستوعب عميق النظرة، وصولا إلى ما يسميه فيلسوف المغرب د. طه عبد الرحمن: "المفهوم الجماعي للصواب".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عثمان بخاش

هذه المعضلات الفكرية التي ذكرتها أخي الكريم لم تبدأ اليوم، بل بدأت من أول يوم في الثورة، وذلك نتيجة غياب الفكر الواضح الذي يحمل سفينة الثورة لتحقيق هدفها في إسقاط النظام الطاغوتي، واستئناف الحياة الإسلامية، مع الوعي على إجماع ملل الكفر ضد الإسلام والمسلمين، واستعدادهم لحرق البلاد والعباد للحيلولة دون تحرر المسلمين من الهيمنة الاستعمارية.، يعاونهم في مكرهم حكام المسلمين من تركيا(لن نسمح بحماة ثانية، وصاحبة غرفة الموم)، إلى الأردن (صاحب غرفة الموك والقواعد الامريكية والبريطانية) والداعم الخليجي الذي لم يكن صادقا يوما في دعم الثورة، فضلا عن نظام الملالي الذي لم يستح بدعمه المجرم لسفاح دمشق الذي صرح بأنه آخر قلاع العلمانية، رغم زعمه الكاذب بأنه من أنصار الثورة الحسينية. وتبقى المعضلة الأساسية في التنازع والتناحر فيما بين الفصائل الثورية التي آثرت خدمة مصالح الاطراف الخارجية بدل وحدة الصف في سبيل التخلص من طاغية الشام، فكان أن استنزفت قواها في الاقتتال الداخلي. ومع هذا كله فعقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وإذا ما استخلصنا الدروس والعبر، فلن تستطيع أمريكا،و أشياعها من المجرمين، من فرض حلها الدموي، كما لن تستطيع "شرعنة" كيان يهود في فلسطين، مهما بذلت من مكر وتضليل وخيانات الحكام. وكما قال احدهم قد تقضي امريكا على الثوار ولكنها لن تقضي على الثورة. ويبقى الواجب ببلورة رؤية جامعة تنطلق من العقيدة الإسلامية دون عصبيات ضيقة تحجر واسعا، هذه الرؤية كفيلة بإخراج الثورة من عنق الزجاجة لتكون نبراسا ومشعلا ينير درب الأمة في كفاحها للتحرر من الهيمنة الاستعمارية ولاستئناف الحياة الإسلامية.