هل ستكون معركة إدلب آخر معارك جبهة "فتح الشام"؟

2018-1-14 | رائد الحامد هل ستكون معركة إدلب آخر معارك جبهة

بقلم: رائد الحامد / كاتب ومحلل سياسي

ركز التحالف الدولي وعموم دول العالم على خطر تنظيم "الدولة" بشكل أوسع نطاقا من خطر تنظيم قاعدة الجهاد والمجموعات المرتبطة بها، مثل جبهة النصرة لأهل الشام قبل وبعد فك ارتباطها مع تنظيم القاعدة لتصبح جبهة فتح الشام.

ووفقا لرؤية التحالف الدولي، فإن القضاء على أحدهما دون الآخر لن يساهم بشكل كامل في تأمين متطلبات الأمن القومي الأمريكي، أو أمن الدول الغربية بشكل أعم. ومع تشديد ضربات التحالف الدولي منذ تشكيله في أغسطس 2014 وتركيزه على تنظيم "الدولة"، ظلت جبهة فتح الشام في دائرة استهداف التحالف الدولي، لكنها أُجَلت إلى مرحلة ما بعد الانتهاء من قتال التنظيم.

وأتاح تركيز الولايات المتحدة والتحالف الدولي على استهداف تنظيم "الدولة" بالدرجة الأولى متسعا من الوقت والفرص للتنظيمات الأخرى المحسوبة على الجهاد العالمي، مثل جبهة فتح الشام، لتنمية مواردها البشرية وبناء قدراتها وتعزيز بنائها وهياكلها التنظيمية.

وضعت جبهة فتح الشام في أولويات عملها ما يجعلها أكثر بعدا عن "شبهات" الارتباط بتنظيم القاعدة وأكثر قربا من المجتمعات المحلية التي تسيطر عليها الجبهة بالتنسيق والشراكة مع فصائل سورية موصوفة بالاعتدال؛ وبدت الجبهة تتعامل بأسلوب أقل تشددا مع السكان الخاضعين لسيطرتها في تدبير سياسي يؤدي في نهاية المطاف إلى تداخل العمل العسكري مع العمل المدني بخطين متوازيين قد يضمن للجبهة البقاء بين السكان حتى حال هزيمتها عسكريا.

وعلى الصعيد الداخلي، استطاعت جبهة فتح الشام إقناع جنودها ومؤيديها بـ"سورنة الجهاد" وعدم تخطيه حدود البلد بعد أن أعلنت فك ارتباطها عن تنظيم القاعدة، وهو خلاف ما عليه تنظيم قاعدة الجهاد العالمي الذي يركز على تنفيذ عمليات تستهدف "العدو البعيد" في الدول الغربية قبل أن تتراجع نشاطاته في هذه الدول.

واعتمدت جبهة فتح الشام في حقيقة الأمر سياسات بعيدة المدى لحشد المزيد من الدعم الشعبي من خلال النشاطات التي تؤديها في المدن الحضرية مستفيدة من موقف السكان المحليين الذين يهمهم في المقام الأول توفير الخدمات والأمن، في الوقت الذي ترى فيه جهات دولية معنية بالتنظيمات الجهادية أن الجبهة تؤسس لمشروع دولة أو إمارة إسلامية من خلال "مأسسة" عملها في محاكم شرعية ومكاتب جباية ومؤسسات إعلامية وغيرها.

كما ركزت جبهة فتح الشام على العمل ضمن سقف مطالب المعارضة السورية المعتدلة المناهضة لبشار الأسد، والتداخل مع معظم الفصائل عن طريق التنسيق الميداني والاجتماعي معها.

وعلى الصعيد العسكري، تبنت جبهة فتح الشام سياسة الوثوب إلى صدارة المشهد القتالي ضد قوات النظام. وبدت جبهة فتح الشام القوة الأكبر في الساحة السورية بعد تراجع تنظيم "الدولة" وخسارته المتتالية لمناطق سيطرته، واجتذبت الجبهة المزيد من المقاتلين إلى صفوفها أو من خلال تحالفات ثنائية وضعتها في صدر المشهد القتالي الذي ركزت فيه على جوانب اكتساب الشرعية الشعبية بالتركيز على قتال قوات النظام وتصعيد الخطاب المناهض للشيعة والنصيرية المحاربين في سوريا، بما ترى أنه تعزيز لمصداقيتها في المواءمة مع اتجاهات الرأي العام في سوريا الذي يشكل السنة غالبيتهم العظمى.

ومنذ بدايات الحرب السورية وظهور جبهة فتح الشام طرفا فاعلا في ساحة الصراع، تأرجحت كفة موازين القوى بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة وفقا لطبيعة المكان والفصائل المسلحة المسيطرة عليه وأهمية منطقة ما للنظام دون أخرى، وفي الغالب ظلت الكفة راجحة لصالح المعارضة السورية المسلحة إلى أن تدخلت روسيا عسكريا في سبتمبر 2015 لتنقلب الموازين إلى حد ما إلى مصلحة قوات الأسد الذي اعترف في يوليو 2015 بأن قواته قد "تعبت".

وفي الواقع، اتجه الصراع المسلح بعد معركة حلب نهاية العام 2016 نحو سياق ثابت تمثل في نجاح قوات النظام باستعادة السيطرة على الأراضي من تنظيم الدولة وفصائل المعارضة السورية المسلحة سواء بالقتال أو بالمصالحات والهدن المناطقية في ما ظلت مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام التي تمثل جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) الفصيل الأكبر فيها بمنأى عن الخسارة حتى اندلاع القتال في ادلب وريف حماه الشرقي منذ بداية هذا العام.

وشكلت معركة حلب نهاية 2016 علامة فارقة في مسار الحرب السورية والصراع بين قوات النظام والمعارضة المسلحة التي استقطبت ادلب الآلاف من مقاتليها الذين أرغموا على مغادرة حلب بعد تسوية رعتها روسيا وشاركت فيها تركيا طرفا ضامنا لفصائل الثوار.

بعد معركة حلب أصبحت ادلب الخاضعة لسيطرة جبهة فتح الشام وفصائل أخرى أقل نفوذا، وتحولت المحافظة إلى المعقل الأهم لتجمع أو بالأحرى تجميع مقاتلي مختلف الفصائل التي أبرمت اتفاقيات مصالحة مع النظام في مناطق ريف دمشق والزبداني ووادي بردى وعشرات البلدات القريبة من العاصمة التي غادرها المسلحون ممن رفضوا البقاء في مناطقهم للعمل جنودا ضمن قوات النظام وفضلوا المغادرة إلى ادلب ومناطق أخرى بالدرجة الثانية.

وحضرت ادلب بشكل واضح في ذهنية النظام بعد استعادة دير الزور بداية خريف 2017 على لسان أكثر من مسؤول، من بينهم مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان التي أكدت على أن الهدف بعد دير الزور هو الرقة وادلب؛ ويسير النظام بخطوات ثابتة نحو استعادة جميع الأراضي والمدن التي فقد السيطرة عليها خلال الحرب.

ورغم أن جبهة فتح الشام لم تشكل أي تهديد لمصالح الولايات المتحدة والدول الإقليمية الحليفة لها سواء داخل سوريا أو خارجها، فقد صنفت الولايات المتحدة جبهة النصرة (جبهة فتح الشام) على أنها منظمة "إرهابية" في ديسمبر 2012، وهو التصنيف الذي لا يزال نافذا حتى بعد إعلان فك ارتباطها مع تنظيم القاعدة، وهو الإعلان الذي أيده أمير تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

لكن الولايات المتحدة معنية ضمن إستراتيجياتها في سوريا بالقضاء على جبهة فتح الشام بعد أن انتهت إلى حد ما من تحجيم خطر تنظيم "الدولة" الذي خسر جميع مراكزه الحضرية وبات ينتشر على شكل مجموعات صغيرة متنقلة في العراق، أو في جيوب متفرقة على الأراضي السورية.

وتفضل الولايات المتحدة أن لا تخوض حربا مباشرة ضد جبهة فتح الشام طالما هناك قوى أخرى تخوض هذه الحرب التي تراقبها عن كثب، حيث تركت مواجهة التنظيمات "المتطرفة" الأخرى، مثل جبهة فتح الشام لكل من روسيا وقوات النظام بمساندة المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران.

وإذا كان من الصعب التنبؤ بمستقبل جبهة فتح الشام بعد معركة ادلب، يبقى إصرار الولايات المتحدة وإستراتيجياتها في القضاء على الجبهة بعد أن فرغت تقريبا من قتال تنظيم "الدولة" على رأس قائمة الأولويات، حتى مع محاولات جبهة "فتح الشام" الإيحاء بفك الارتباط بإمكانية استيعاب الجبهة ودمجها ضمن توصيف الفصائل المعتدلة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر