تجاهلوا تردي الوضع الاجتماعي وانغمسوا في الحسابات الانتخابية: خيبة أمل كبيرة من ساسة ما بعد الثورة

2018-1-12 | خدمة العصر تجاهلوا تردي الوضع الاجتماعي وانغمسوا في الحسابات الانتخابية: خيبة أمل كبيرة من ساسة ما بعد الثورة

"ثورة الياسمين" في تونس قد أسقطت الدكتاتور زين العابدين بن علي، وكانت بداية التسلسل التاريخي الفعلي لثورات "الربيع العربي". واليوم، تهتز البلاد بشدة من جراء الاضطرابات الاجتماعية. ;الوضع الأمني ​​قد تحسن بشكل عام، ولكن لا تزال تونس تعيش في ظل التوتر السياسي والاجتماعي.

وكانت هناك أزمات محلية أدت إلى احتجاجات متفرقة أو مظاهرات وإضرابات، ولعل أشدها الأزمة الاجتماعية في أواخر عام 2016، والتي أدت بالفعل إلى مظاهرات ضد تفشي البطالة في أوساط الشباب، وردَت السلطات بفرض حظر التجول ليلا على الصعيد الوطني.

ووراء هذه الاضطرابات، هناك مشكلة أعمق وبلوى عامة، برزت بقوة في زمن الثورة، وهي هدر الكرامة. ويرى مراقبون أن ما نشهده اليوم في تونس تبدو حركة أكبر من حيث الحجم والكثافة. يبدو أن التوتر والاحتجاج الاجتماعي قد وصل إلى مستوى الغضب العارم والصاخب، وارتبط تبلور هذه الحركة باعتماد قانون المالية للعام 2018، وينص على زيادة ضريبة القيمة المضافة، وبالتالي ارتفاع تكلفة المعيشة، وأيضا فرض ضرائب جديدة. وقد عززت الحكومة من سياسة التقشف التي تتبعها، في وقت تشهد فيه البلاد تضخما مرتفعا تجاوز 6٪ في نهاية عام 2017.

وتبدو الحكومة محشورة في الزاوية، فمن ناحية، دفع الوضع المالي للبلاد إلى الاعتماد على صندوق النقد الدولي، الذي ربط قرضه الأخير بقيمة من 2.4 مليار يورو، على مدى أربع سنوات، بمكافحة العجز العام. ومن ناحية أخرى، فإن الدعوة الرسمية إلى الصبر والقيود ما عادت مسموعة.

ولا تواجه الفئات محدودة الدخل كما المتوسطة ارتفاعا في تكاليف المعيشة يرهق كاهلهم ويزيد متاعبهم الاجتماعية، فقط، ولكنهم يشعرون أيضا أنهم يعانون زيادة العبء الضريبي لنظام غير فعال.

وخلافا للأزمات السابقة، التي غلب عليها المناطقية، فإن الحركة الاحتجاجية هذه المرة امتدت إلى مختلف أنحاء البلد وأثرت في كامل المدن الداخلية المحرومة وحتى المناطق الساحلية، بما في ذلك الضواحي الشعبية للعاصمة.

والطبقة السياسية بأكملها هي التي صدرت بحقها شعبيا لوائح اتهام، لسببين على الأقل: عجز السياسة بشكل عام، وخصوصا من الحكومات المتعاقبة، والتي لم تواجه تحدي مكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية.

وعلاوة على ذلك، خلفت الطبقة السياسية انطباعا سلبيا بتجاهل خطورة الوضع وتدهور الحالة الاجتماعية لعموم الشعب. وهذا التجاهل يتناقض مع اهتمام هذه الجهات الفاعلة نفسها بلعبة أجهزة الحكم والحسابات الانتخابية، وهذه الفجوة تغذي الشعور العميق بالخيبة الديمقراطية وعدم الثقة السياسية التي تشعر بها الغالبية العظمى من التونسيين.

وتثبت الأحداث الجارية، وفقا لتقديرات محللين، أن مطالب التحسين الاجتماعي التي أعرب عنها الشعب عنها بقوة في 2010-2011 لم تتحقق بعد، ولا تزال مطروحة بإلحاح بعد سبع سنوات، ولا يزال الشباب بلا عمل ولا أفق، وحتى من خريجي التعليم العالي (معدل بطالة يبلغ حوالي 30 في المائة).

والأسوأ من ذلك، الشعور العام من أن الثورة هي بداية، إن لم تكن الأصل، التدهور في الاقتصاد، غير أن الأزمة الحالية لا تحركها حركة رجعية تدعو إلى عودة النظام السابق، ولكن خيبة الأمل أكثر في غياب أي تلازم بين التقدم الديمقراطي والتقدم الاجتماعي.

ولذلك، فهي تذكير للسياسيين بالالتزامات التي تعهدوا بها في خلال الثورة. والذكرى السنوية لسقوط بن علي، في يناير، هو تقليديا مناسبة للتعبئة الاجتماعية: إنه يعكس خيبة أمل مقارنة بالتوقعات والآمال التي صاحبت الثورة.

وفي هذا السياق، كتب أحد الباحثين التونسيين أن عملية إرساء الديمقراطية لا تزال طويلة وصعبة، والمسألة الاجتماعية هي الأكثر حضورا والأثقل عبئا في المرحلة الانتقالية. وحتى وقت قريب، كانت الأولوية في جدول الأعمال السياسي ذات طبيعة أمنية، مما دفع الحكومة إلى تقليل الاهتمام بالقضية الاجتماعية، والآن هي تدفع الثمن، وحالة الطوارئ غلبت عليها الخلفية الاجتماعية أكثر من الأمنية. ويجب أن تعيد السلطة تحديد جدول أعمالها وأولوياتها الإستراتيجية.

ومع ذلك، لا أحد لديه مصلحة في رؤية تدهور الوضع. حركة الاحتجاج الحالية ليس لها زعيم "كاريزمي" ولا هيكل حزبي يمكن توجيهه أو السيطرة عليه. ولا يزال المركز النقابي الرئيس للبلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل، حذرا، ربما لأنه يخشى تحول هذه الحركة إلى حالة من الفوضى لا يمكن السيطرة عليها.

وقد يزداد الوضع سوءا إذا ما أفسحت السلطة السياسية وقوات الأمن الطريق أمام السلوك القديم للقمع الوحشي، أو إذا استمرت الحكومة في تجاهلها وانغلاقها، فالتونسيون يشعرون بالخوف من خطاب التقشف. ويمكن أن تُطرح مبادرة سياسية لاقتراح قانون تمويل تكميلي، كما نصح الباحث التونسي، يصحح مستوى زيادة ضريبة القيمة المضافة، أو حتى يلغي بعض الضرائب التي استُحدثت’ وفي هذه الحالة، تمثل هذه الأزمة الاجتماعية أيضا اختبارا رئيسا لحسن التدبير السياسي للسلطة القائمة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر