هل انتصر النظام الطائفي وحلفاؤه في سوريا؟

2017-12-24 | هل انتصر النظام الطائفي وحلفاؤه في سوريا؟

بقلم: سهيل المصطفى / صحفي وناشط إعلامي سوري

النصر كلمة فضفاضة لا مكان لها في بلاد الشام حتى هذه اللحظة، وشروط النصر لم تتحقق لأي طرف كان، ولا يمكن أن نسمي التوسع الجغرافي لطرف ما على حساب الطرف الآخر نصراً مؤزراً، لأن القضية ببساطة ليست صراع على الجغرافية، وهذه مسألة هامة تحاول الدعاية الإعلامية الدولية الشرسة أن تقنعنا بعكس ذلك.

والمسألة ليست حرية وحقوقا سياسية فحسب، ومن يحصر أسباب الصراع في بلاد الشام في هذه المطالب فهو إما مدلس أو مضلل أو مغلوب على أمره أو منحاز لجهة ما، لأن هذا التوصيف أمر سخيف وتسطيح لما آلت إليه الأمور في سورية. ومن لا يرى أن للصراع الحاصل في هذه المنطقة جذورا تاريخية، فعليه قراءة التاريخ بعمق، وسيجد أن الوجه الحقيقي للصراع هو عقدي.

ولا يعني خروج الكثير من الثوار ضد النظام الطائفي تحت شعار الحرية، أن الصراع سياسي حقوقي فحسب، إن صح التعبير، إذ ليس كل من خرج في هذه الثورة كانت أهدافه محصورة في تلك الشعارات الجوفاء التي يرددها ساسة أستانة وجنيف ولاحقاً سوتشي. ربما تكون هذه الشعارات جزءاً من كل ولكنها ليست كُلاً.

قد تنخفض وتيرة الصراع عسكرياً وسياسياً تبعاً للظروف الإقليمية والدولية، ولكنها حتماً ستعود للتصاعد باختلاف الظروف، وبغض النظر عن طول أو قصر الحقبة الزمنية اللازمة لحدوث ذلك التصاعد.

وأهم ما سيطيل أمد هذا الصراع هو بقاء التناحر العقدي والكم الهائل من الثارات لضحايا قاربوا المليون في إحصائيات غير رسمية، وبقاء أكثر من 250 ألف معتقل ومغيب قسرياً في معتقلات النظام، وأكثر من عشرة ملايين نازح و مُهجر داخل وخارج سورية.هذه الملايين النازحة واللاجئة أنجبت جيلاً لم يعرف بحياته إلا قصف الطائرات والقتل والتدمير والنزوح والتشرد والدماء.

كيف لأي نظام في العالم أن يتعامل مع جيل جرحه غائر، جيل كسر حاجز الخوف ويرفض أن يتنازل عن مطالب كانت ممنوعة في وطنه وما زالت في أوطان أخرى؟ جيل عرف وقرأ ووعى التركيبة الطائفية في وطنه، وعاصر تحالف الأقليات ضد أكثرية تعايشت بسلام وطمأنينة مع الجميع؟ جيل عاصر تخاذل الأنظمة العربية والإسلامية والدولية مع قضيته؟ جيل لم تنطل عليه الحيل الطائفية المقنعة بكذبة الوطنية؟ جيل لا يجدُ حرجاً في تبني الأفكار الإسلامية ولا يخجل من ازدراء الأفكار الوطنية والقومية؟ جيل أدرك أن الصراع عقدي ولا يمكن اختزاله في شعارات ضيقة ومُسيسة!

كيف سيستطيع النظام الطائفي إقناع ملايين الثائرين أن عشرات آلاف المقاتلين الشيعة من جنسيات متعددة، جاؤوا للدفاع عن الدولة السورية والوحدة الجغرافية والسياسية والنسيج الوطني السوري؟

ماذا فعل النظام الطائفي في سورية ليقنع الثائرين بكل شرائحهم الاجتماعية والفكرية بأنه يسعى للمصالحة والإصلاح؟ هل مصالحاته الوطنية حقيقية؟

لا يخفى على المراقب للأحداث أن المصالحات الخلبية التي يجريها النظام مع شريحة معينة من السوريين، ليست ذات أهمية، وهي لذرّ الرماد في العيون، لأنها ببساطة ليست مع أولياء الدم وهم بمئات الآلاف، وهي ليست مع من تبنوا الأفكار العقدية الدينية في الثورة السورية، ولا مع من تبنوا مطالب الحرية السياسية والديمقراطية في سورية، ولا مع من تبنوا الأفكار الانفصالية القومية والإقليمية في سورية، ولا مع من كان لديهم مشاكل اقتصادية أو اجتماعية. إذن مع من تصالح النظام الطائفي في سورية؟

ببساطة هو يقوم بمسرحية المصالحات مع الشريحة التي أطلق عليها الثوار وصف "الرماديين" أو مع اللصوص والمخبرين الذين اخترقوا الثورة إما بسبب انتهاء مهمتهم، أو بسبب انتهاء مصالحهم في المناطق المحررة وذهبوا للارتزاق في صفوف النظام والاستثمار معه.

كما إن انتشار القواعد العسكرية الأجنبية المتعددة الجنسيات في أرض الشام أضعف من شخصية وتأثير النظام، وأصبح القرار الوطني مُنتهكاً ومُغتصباً إن صح التعبير، وصار حلفاؤه الروس والإيرانيون  أصحاب الكلمة العليا واليد الطولى في القرار الوطني السوري والجغرافية السورية المستباحة. ثم إن تمدد النزعة الانفصالية المعلنة من بعض القوميات وغير المعلنة من بعض الأقاليم يجعل من شعار انتصار النظام  نكتة سمجة.

ومن شواهد أن النظام الطائفي في سورية لم ولن ينتصر، أن ما حدث في عام 2011 هو امتداد ورد فعل، في جزء كبير منه، على ما حدث في حماة عام 1982، والشعارات التي كانت تُردد في المظاهرات السلمية في بداية الثورة السورية، كانت تستحضر ما جرى في حماة، والكثير من ثوار 2011 هم أحفاد من قُتلوا أو اعتقلوا أو غُيبوا في حماة وحلب وجسر الشغور ودرعا وديرالزور وحمص والحفّـة وريف دمشق  في عام 1982.

وعليه، فإن أبناء وأحفاد ضحايا 2011 ستكون لهم جولات قادمة مع النظام الطائفي في سورية، ولن يثنيهم تدخل الأمريكان والروس والأنظمة الوظيفية العربية على إكمال ما بدأه أجدادهم، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم سيحسمون الصراع، لأن الحسم أمره عند الله وحده، ولكن الجرح الشامي لن يلتئم في وقت قريب أو منظور، بل سيستمر نازفاً إلى ما شاء الله.

فعن أي نصر يتحدثون؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر