آخر الأخبار

المولد النبوي: نحتفل أو لا نحتفل؟ اجترار الخلاف في زمن الهجمة الشرسة على الإسلام

2017-11-30 | المولد النبوي: نحتفل أو لا نحتفل؟ اجترار الخلاف في زمن الهجمة الشرسة على الإسلام

بقلم: د. هيثم بن جواد الحداد haitham1234@homtail.com

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فمع إطلالة شهر ربيع الأول من كل عام يتجدد الجدل التاريخي المحتدم حول مسألة الاحتفال بالمولد النبوي، أهو ممنوع وبدعة، أم جائز.

وككثير من المسائل التي يعتبرها أحد الفريقين في أقل تقدير من مسائل العقيدة؛ لا بد أن ينتقل النقاش حولها من  دائرة أدب الحوار في مسألة علمية، ليدخل في دائرة الصراع، ومن ثم تؤسس على نتائج هذه الصراع، ولاءات عقدية، وحزبية، بل وسياسية، وتصبح قضية الاحتفال بالمولد النبوي محورا للولاء والبراء، مع أن الله جعل مناط الولاية هي الإسلام بحقيقته الواسعة، وقسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ).

ولنا أن نتساءل هنا: أليس من حق الأمة التي تمر في مرحلة من أشد المراحل خطورة في تاريخها أن تتحقق من جدوى هذا الصراع حول هذه القضية وما يترتب عليه من نتائج، أليس من حق الأمة أن تسائل علماءها ودعاتها من كلا الفريقين عن نظرتهم لأولويات هذه المرحلة.

أليس الخلاف حول هذه القضية هو الذي أدى ببعض الرموز من كلا الفرقتين بالتصافح مع أعداء الإسلام نكاية في الفرقة الأخرى؟ ألم يظن المؤيدون للاحتفال بأن المانعين، هم العدو اللدود لهم، وأنهم يحاربونهم في أصل عقيدتهم اللتي ورثوها أبا عن جد؟ ألا يظن بعضهم أن المانعين من الاحتفال ينتقصون من جناب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألم تدفع هذه التساؤلات بعضهم للاصطفاف مع بعض الأعداء ظنا منهم أنهم خير من خصومهم من المسلمين؟

أليس من الغباء السياسي والعقدي -إن صح الفصل بينهما- أن يشعر المجيزون للاحتفال بأن الشيعة والتشيع أقرب لهم من المانعين للاحتفال؟ أليس من الغباء نفسه أن يحتد المانعون للاحتفال مع المجيزين له، فيلجئوهم للاصطفاف مع الرافضة ضد أهل السنة؟

أليس من المخالفة للشريعة أن نترك الحاقدين على الطرفين ليتسللوا عبر هذا الخلاف، ثم ينفخوا فيه، ويؤججوا الصراع، ويتحدثوا تارة باسم الصوفية، وتارة باسم السلفية، ويختطفوا القيادة من الطرفين، ثم يجيروا هذا الصراع لصالح الأعداء؟

يا قوم: إن الشرع والعقل يجزمان بأن ما يتفق عليه المانعون، والمجيزون أعظم، وأجل، وأكثر أهمية مما يختلفون فيه، فكلهم محب لله ولرسوله، معظم لهما، واجل من عصيانهما، لكنهم يختلفون في كيفية إظهار هذا الحب، وحدوده وضوابطه، فلم لا ننظر إلى عظم ما نتفق عليه، ونحدق النظر إلى صغر ما نختلف فيه.

لقد رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة في الحكم على الأشخاص، (لَا تَلْعَنُوهُ ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وأصل الحديث في صحيح البخاري.

يا أيها المسلمون: الصوفية ليست فرقة واحدة، ولا نسيج واحد، ولا مرتبة واحدة، وكذلك هم السلفيون، فإنك تجد في كلا الفريقين، تقاة، وعبادا، وزهادا، وأصحاب خلق، وأصحاب غيرة على الدين، ومحبين لوحدة الأمة، عاملين من أجل ذلك، وبعضهم على الضد من ذلك.

ألا نشهد جميعا حلفا عجيبا نشازا بين بعض المتلبسين بلباس التصوف من جهة، وأدعياء السلفية من جهة أخرى، لأن الطرفين يجتمعون  -على اختلافهم- تحت عباءة بعض الأنظمة السياسية لمحاربة ما يسمونه بالإرهاب أو الإسلام السياسي، فبالله عليكم كيف اجتمع الصوفي مع السلفي؟  إنها المصالح السياسية ّ

أليس أهل الحق أولا بالاجتماع عليه من أهل الباطل على باطلهم؟

إن من الخطأ -شرعا وعقلا- أن يخاصم السلفيون جميع الصوفية، أو يخاصم الصوفية جميع السلفيين، ليتفرج علينا الخصوم الحقيقيين، وينتهزوا الفرصة للقضاء على الجميع.

لا أشك أن المخلصين من الطرفين، لا سيما من المنتسبين إلى الصوفية الحقة، المترفعين عن المهاترات، والتعصب، واستغلال النفوذ، متفقون على أن بعض ما يجري في بعض الموالد مرفوض جملة وتفصيلا، فمظاهر الشرك -المتفق عليه- والغلو المتفق على منعه، والخزعبلات التي تسيء للإسلام وأهله، من جملة هذا المرفوض، فلم لا نتفق على أن يكون هذا موضع الاهتمام من قبل الطرفين مراعاة لظروف المرحلة الحالية، لأنه مصادم للشريعة مصادمة صريحة لا تحتمل تأويلا.

يا قوم إن أبيتم إلا النظر إلى بعضكم البعض وكأنكم خصوم، فلتتذكروا أن فنون الحرب بين الأعداء، تقضي اللجوء إلى الهدنة، أو الموادعة، أو السياسة، أو المصلحة، ولا يعرف ذلك المختصمون من المسلمين هي أقل بمراحل كثيرة مما بين خصوم الحرب، كيف لا وهم يواجهون حربا طاحنة عليهم جميعا.

أيها الأخوة الكرام، نحن في حاجة إلى مشروع متكامل لنهضة الأمة، ولا تنهض أمة من الأمم وهي مختلفة متناحرة، وهذا أول ما يصدق فإنه يصدق على أمتنا وقد قال الله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وبعض هذه الخلافات قد استقر في الأمة على مدى قرون طويلة، فلن يزول بسهولة، فلنتجاوزها من أجل تحقيق مقاصد الشريعة العظام، من استعلاء الرب وشرعه.

فلنبدأ بجمع شمل المنضوين تحت دائرة أهل السنة والجماعة الواسعة شريطة أن يكونوا من العاملين للمشروع العالمي الإسلامي وهو أن  (تكون كلمة الله هي العليا) ولنعيد ترتيب خريطة الصراع وفق ذلك، والله الموفق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ابراهيم الثابتي / الجزائر

الامة تمر باخطر مراحل تاريخها المعاصر والقديم , كل الاعداء تتكالب عليها ، تشوه دينها ، تصفيها جسديا ، تزرع بينها الفتن و التقتيل و التهجير ...بينما المنتسبون لهذه الامة يتصارعون و يتقاتلون و ليتهم فعلوا ذلك لامور عظيمة !!! يتناحرون لاتفه الاشياء و التي لا تسمن و لا تغني من جوع كالاحتفال بالمولد ! كيف لامة شهد لها الخالق انها خير امة اخرت للناس ان تصير اضحوكة امام كل الامم ! نبينا الكريم عليه الصلاة و السلام ضحى بالليل و النهار لتعيش هذه الامة موحدة ،قوية ، رفية الرأس لا امة ذليلة يطمع فيها القاصي و الداني كما هو حالها الان . اتقوا الله فينا يا حكام و يا علماء و يا دعاة و يا مثقفين .الامة في خطر ، و كلكم مسؤولون يوم القيامة عن هذا الوضع المزري الذي آلت اليه الامة .