آخر الأخبار

يستعملهم العسكر ثم يرميهم: سردية مثقف تائه لا يعرف ماذا يقول ولا متى يقول

2017-11-25 | يستعملهم العسكر ثم يرميهم: سردية مثقف تائه لا يعرف ماذا يقول ولا متى يقول

بقلم: محمد إلهامي / كاتب وباحث مصري

قبل نحو 12 عاما كنت أتابع صحيفة الكرامة التي كانت قد صدرت حديثا عن حزب الكرامة "تحت التأسيس" لحمدين صباحي.. كانت بدايتها قوية في المعارضة آنذاك (2005 وما حولها)، وكانت تنشر مذكرات حسين أحمد أمين على حلقات.

لا أدري لم لم تجمع حلقاته في كتاب واحد فيما بعد، على أني أذكر منها فقرة واحدة.. تلك هي حين استكتبه مكرم محمد أحمد (حسين أمين وصف مكرم محمد أحمد بالمتلون والمنافق وصاحب الحاسة القوية في معرفة هوى النظام والاستجابة لها، لكن الصحيفة لم تصرح بالاسم)، وكان في وقت تحارب الدولة فيه الجماعات الإسلامية، وكان حسين أمين واحدا من ألمع النخب العلمانية التي تقوم بدور المدفعية السافلة ضد الإسلاميين مع فرج فودة وسعيد العشماوي ونور فرحات وغيرهم.

المهم، يروي حسين أمين أن طارق البشري لما عرف بما حصل قال له: ستستعملك الدولة ضد الإسلاميين، ثم ستستعملك في نفاقها، فإما أن تقبل وإما أن تلقى ككمِّ مهمل على قارعة الطريق. اعترف حسين أمين في مذكراته بأن رؤية طارق البشري قد صحت وأنه صار كما مهملا.

اندفعت تلك الذكرى إلى ذهني قبل قليل حين كنت اقرأ حوارا صحفيا لجلال أمين (شقيق حسين أحمد أمين، والمفكر الاقتصادي المعروف)، وفي الحوار ذكر جلال أمين تلك الفقرة:

"دعنى أذكرك بالدكتور نصر حامد أبوزيد الذى استقبلته هولندا فى منتصف التسعينيات بعد هجوم المجتمع عليه لكتاباته الجدلية فى الإسلام، ثم قابلته هناك، وظننت أنه سيكون سعيدا بحرية الكتابة فى هولندا، ثم فاجأنى بأنه حزين، لأنه اكتشف أن هولندا استقبلته ليس دعما له، لكن لاستغلاله فى تشويه الإسلام أمام مسلمى هولندا الذين كانوا فى تزايد فى تلك الفترة".

الطريف هنا أن طارق البشري نفسه -رغم نزاهته ورصانته وخبرته التاريخية- استعمله العسكر أنفسهم فيما أرادوا بعد نحو ربع القرن من نصيحته.. استفاد منه الإعلام العلماني في مسائل تسريع انتقال الحكم من المدنيين إلى العسكر فكان يرفض (لأنه مخالف للإعلان الدستوري.. الذي لطالما انتهكه العسكر ولم تعد له حرمة)، ثم في التعليق على قرارات مرسي وكان دائما يعترض عليها ويراها تغولا، ثم في مواجهة قانون السلطة القضائية الذي لوح به الإخوان تلويحا، فكتب البشري مقالا طويلا عريضا يؤصل فيه لكون البرلمان كسلطة تشريعية يتغول على السلطة القضائية.. حتى إذا ما تم الانقلاب عاد البشري كما مهملا لا يلتفت له أحد ولا يحرص أحد على سماع رأيه.

بإمكان المرء أن يسرد كثيرا من الأسماء والمواقف التي ظن فيها المثقف أو المفكر أو الإعلامي أن دعم جهة ما له إنما هو مجرد تقدير لفكره.. بينما كان هو أول من يعرف أنه مستعمل في مشروع، وأن عالم الدول والسياسة لا يحتفظ بالأخلاق النقية.. وأنه ينبغي أن يستعد للحظة الفراق متجنبا أن يكون في أي لحظة أداة استعمال لمآلات أخرى..

نفس ما يقال هنا يُقال الآن بشأن ما يجري في مصر.. ثمة تيار من المغفلين استعملهم العسكر في الانقلاب وهم يحسبون أنهم يشعلون ثورة على حكم الإخوان! وهو بخلاف تيار الخونة الذين حركهم العداء للإسلام أو للإخوان دون أن يبصروا مواقع أقدامهم.

وهو نفس ما يُقال الآن بعد حادثة سيناء.. لنفرض أن تنظيم الدولة (ولاية سيناء) هو من قام بها، بل ولنفرض أنه قام بها يقينا وعقيدة دون اختراق أو توجيه من طرف أمني.. فماذا نستنتج؟!

هل نستنتج أن مصر تحارب الإرهاب؟ هل نستنتج أن مقاومة العسكر تساوي الإرهاب؟ هل نسحب ما وقع في تلك الحادثة التي استنكرها الجميع (حتى جماعة جند الإسلام التابعة لتنظيم القاعدة في سيناء استنكرتها في بيان واضح) على سائر أطياف مقاومة الحكم العسكري في مصر؟ لينظر "المثقفون" أين تنزل كلماتهم؟ أين يضعون أقدامهم؟ ما مآل مواقفهم؟ من المستفيد من تصريحاتهم وبياناتهم وأقوالهم؟

محاولات تزييف الحقائق لن تضر إلا صورتهم هم.. الآن أو غدا أو بعد غد حين يفتش الناس في التاريخ.. وفي كل الأحوال حين يلقون الله تعالى فيحاسبهم لا على الصدق والكذب، بل على هدفهم ونيتهم من قول الصدق نفسه (ليسأل الصادقين عن صدقهم)، فكم يُقال الصدق ويراد به الوقيعة، وكم من كلمة حق أريد بها باطل كما فقه علي رضي الله عنه.

استهداف المدنيين العزل أمر لم يفعله إلا العسكر أنفسهم -وسط تطبيل مثقفيهم وإعلامهم- وفئات من الغلاة يتبرأ منها ويحاربها كل صاحب دين وإيمان.. بل ساحات الجهاد نفسها تشهد حربا ضروسا بين الفصائل الجهادية وفصائل الخوارج أولئك!

والغلو أمر لا يمكن فصله -دائما- عن طبيعة البيئة التي صنعته، وهي في حالتنا هذه النظام العسكري العلماني المتوحش الذي لم يتردد في صناعة المذابح.. فللعسكر أنفسهم النصيب الكبير من هجرة الكثيرين إلى الغلو.

يريد العسكر الآن، في ظل حادثة شاذة لم يقع في مصر قبلها مثلها، أن يصم جميع من يقاومونه بالإرهاب ويعمم عليهم جميعا تلك الحادثة.. والمصيبة أن بعض كلام "المثقفين" المحسوبين على الثورة تصب في نفس الهدف..

وحين يبلغ العسكر أهدافهم، يعود أولئك كمَا مهملا ملقى على قارعة الطريق.. أو حتى ملقى في زنزانة.. ولعلها نفس الزنزانة التي يقبع فيها الذي هتف بأعلى صوته "سلميتنا أقوى من الرصاص"!!

فتكتمل سردية العبث.. سردية مثقف تائه لا يعرف ماذا يقول ولا متى يقول ولا إلى أي هدف تُستعمل مقالته؟!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر