آخر الأخبار

"الظهور الخامس" لتنظيم "الدولة" احتمال وارد ولكن متى؟

2017-11-18 | رائد الحامد

بقلم: رائد الحامد / كاتب وباحث عراقي

انحسر تنظيم "الدولة" عن جميع مدن سيطرته في العراق، باستثناء أجزاء من قضاء البو كمال في سوريا، على حدود مدينة القائم العراقية التي استعادتها القوات الأمنية في الرابع من نوفمبر الحالي؛ وأعلن وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي الجمعة الماضية، انتهاء تنظيم "داعش" من الناحية العسكرية في البلاد، بعد السيطرة على قضاء رواة غربي محافظة الأنبار(غرب).

لكن في كل الأحوال تدرك الحكومة والمجتمع الدولي أن ذلك لا يعني نهاية تهديدات التنظيم في العراق على الأقل، مع اليقين أن التنظيم اليوم في أضعف حالاته؛ كما تدرك أيضا أن خسارته كل المدن الخاضعة لسيطرته لا تعني الكثير فيما يتعلق باستمرار وجوده بشكل ما وتهديداته للأمن والاستقرار ومسار التنمية اللازمة للحد من نمو مثل هذه التنظيمات مع واقع شيوع فساد طاغ ينخر معظم مفاصل الدولة العراقية.

خلافا لما كانت عليه «دولة العراق الإسلامية» التي أعلن عنها في خريف 2006 بعد مقتل أمير قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، الأردني أبو مصعب الزرقاوي، وتبوأ «غير العراقيين» مواقع قيادية، مثل المصري أبو حمزة المهاجر وزير الحرب في «دولة العراق الإسلامية» عند إعلانها من قبل أبو عمر البغدادي؛ أعاد تنظيم «الدولة» خلال فترة تواجده في المعسكرات الصحراوية تشكيل المشهد «الجهادي» حيث تبوأ العراقيون المواقع القيادية الأولى مع قبول وجود المئات من المقاتلين العرب والأجانب في معسكراته لتدريبهم واعدادهم كقواعد قتالية في الغالب.

الظهور الأخير لتنظيم «الدولة» في عام 2013 قد لن يكون آخر موجة ظهور له طالما ظلت الأسباب الحقيقية لنمو ونشوء مثل هذه التنظيمات متفشية في مجتمعاتنا بسبب النهج الذي تتبعها الأنظمة سواء التمييز على أساس العرق أو الطائفة، ومنهج الاقصاء والتهميش وتفشي الفساد في مفاصل الدولة والمحسوبية والتوزيع غير العادل للثروات مع قضاء في غالبه مسيس لصالح القوى والكيانات الأكثر نفوذا في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

يُعد ظهور تنظيم «الدولة» الأخير في عام 2013، أو "الظهور الرابع" له، امتدادا فكريا وتنظيميا لمنظمات سبقته ظهرت أواخر سبعينيات القرن الماضي من خلال حملات التجنيد لقتال القوات السوفييتية في أفغانستان بدعم أمريكي ومباركة فتاوى دينية وتسخير منابر المساجد بدعم حكومات عربية ساهمت في حملات التجنيد وجمع التبرعات بشكل رسمي، وتحمل نفقات «المتطوعين» وتسهيل وصولهم إلى أفغانستان وتزويدهم بمختلف الأسلحة كان آخرها صواريخ «ستنغر» التي قدمتها الولايات المتحدة لـ «المجاهدين».

شكل هؤلاء «المجاهدون» نواة لتنظيم قاعدة الجهاد العالمي، "الظهور الثاني" وانتشاره إلى دول أخرى مثل الشيشان وإلى دول أخرى انتقلت إليها خلايا ومجموعات انتشرت في نصف العقد الأول من تسعينيات القرن الماضي في شبه الجزيرة العربية بلغت أوجها بمطالبة التنظيم حكومة المملكة العربية السعودية بإخراج القوات الأمريكية التي استقدمتها إلى عدد من القواعد بعد غزو الكويت، وتبنى تنظيم القاعدة شعار «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، ونفذ عددا من الهجمات داخل المملكة، من بينها هجمات استهدفت المصالح الأمريكية، وخارجها: لعل أبرزها عمليات الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تبناها تنظيم قاعدة الجهاد بإمارة أسامة بن لادن وسط جدل لا يزال مثارا حول حقيقة مسؤولية التنظيم عن تلك الهجمات التي انتهت بالغزو الأمريكي لأفغانستان في خريف العام نفسه.

يُعد غزو العراق واحتلاله في 2003 بداية جديدة لظهور تنظيم القاعدة بوجه جديد تحت مسمى «التوحيد والجهاد»، وهو «الظهور الثالث»، لكن لم يكن مرتبطا بتنظيم القاعدة الأم تنظيميا حتى أعلن أمير كتيبة «التوحيد والجهاد» أبو مصعب الزرقاوي بيعته لأمير تنظيم قاعدة الجهاد أسامة بن لادن في أكتوبر 2004، أي بعد نحو عام من إعلان تأسيس «التوحيد والجهاد» من مدينة الفلوجة ليرتبط تنظيميا بالتنظيم الأم بشكل «لا مركزي» نتيجة لما يتمتع به الزرقاوي من صفات «القيادة» التي جعلته يتبنى منهجا عمليا بعيدا عن توجيهات التنظيم الأم، وما أثار ذلك من خلافات معه على خلفية استهداف «عموم» الشيعة الذي تبناه الزرقاوي وتحفظت عليه القيادة المركزية للتنظيم، ومسائل خلافية أخرى.

لكن تنظيم القاعدة الذي سمى نفسه «تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» ما لبث ان دخل في خلافات عميقة مع فصائل «المعارضة» المسلحة العراقية، معظمها حول أحقية قيادة الساحة «الجهادية» في العراق للعراقيين وتقديمهم على غيرهم، مثل الأردني أبو مصعب الزرقاوي الذي باتت نشاطات تنظيمه تغطي مساحة واسعة من العمليات ضد القوات الأجنبية والشرطة والأمن والجيش العراقي وغيره من التشكيلات التي أسستها الحكومة العراقية بعد الاحتلال، إضافة إلى استهداف «الشيعة» بالسيارات المفخخة واستهداف «المرتدين» من العرب السنة، الوصف الذي أطلقه التنظيم على الذين يعملون في الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة العراقية والشخصيات السياسية والعشائرية «المتعاونة» مع الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية.

* اللجوء إلى معسكرات صحراوية:

لا خلاف على أن تنظيم القاعدة فقد الكثير من «حاضنته» الاجتماعية لأسباب عديدة، من بينها استهداف قيادات اجتماعية ودينية «سنية» وغلبة التيار السائد في الأوساط السنية التي تنبذ «الطائفية» والاستهداف على أساس الطائفة في الفترة التي سبقت تفجيرات سامراء في 22 فبراير 2006 والتي لم يتبنها تنظيم القاعدة فيما اعترف جورج كيسي الرئيس الأسبق لهيئة أركان الجيش الأمريكي والقائد السابق لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق في اجتماع المعارضة الإيرانية في باريس 22 يونيو 2013 بمسؤولية إيران عن قتل آلاف العراقيين، وعن تفجير المرقد العسكريين في سامراء في 2006 بعلم نوري المالكي شخصيا.

لكن هذا الاعتراف جاء بعد فوات الأوان، حيث دخل العراق في موجة من الحرب الأهلية منذ شتاء 2006 وكل عام 2007 وحتى ربيع عام 2008، انتهت بعد تجميد مقتدى الصدر نشاط جيش المهدي، المسؤول الأول عن الحرب الأهلية مع عصائب أهل الحق المنشقة عنه، وقبل ذلك زيادة عدد القوات باقتراح الجنرال بترايوس الذي عزز القوات الأمريكية بحوالي 30 ألف جندي، مع تشكيل «مجالس الصحوات» من عشائر الأنبار وفصائل من «المعارضة» المسلحة انخرطت معها لقتال التنظيم الذي فقد أميره في أوائل يونيو 2006 ليحل المصري أبو حمزة المهاجر بدلا منه أميرا على التنظيم الذي اندمج إلى جانب فصائل أخرى ضمن «دولة العراق الإسلامية» التي أعلنها أبو عمر البغدادي في خريف العام نفسه، ثم ما لبثت هذه «الدولة» أن فقدت سيطرتها على ما تحت سلطتها ونفوذها من المدن السنية وانتهاء أي وجود لها ومن ثم لجوء مقاتليها إلى معسكرات صحراوية في غرب وشمال غربي العراق منذ ربيع 2007 وحتى عام 2013.

شهد العراق نهاية العام 2013 «الظهور الرابع» لتنظيم الدولة بعودة نشاطاته بشكل واضح بالتزامن مع ظهور «الحركة الاحتجاجية» في المحافظات السنية منذ الأيام الأخيرة من عام 2012 واستمرارها نحو عام كامل، انتهت باقتحام القوات الأمنية في عهد رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، التي قامت بإحراق خيم «المعتصمين» في ساحات «الاعتصام» في الرمادي، مركز محافظة الأنبار، والتي كانت بمثابة الساحة الأكثر نشاطا في «معارضة» حكومة نوري المالكي، كما اعتُبرت بيئة خصبة وجد فيها أعضاء في تنظيم «الدولة» بديلا يعطي مساحة أوسع لتحركات التنظيم داخل جغرافية مناطق المجتمع السني ونشاطا في أوساط «المحتجين» لتجنيديهم في صفوف التنظيم الذي بدأ يفكر في العودة من معسكراته الصحراوية إلى المدن السنية بعد نحو سبع سنوات من التدريب «والتثقيف» بالفكرة الخاصة به التي أنتجت «دولة الخلافة» إثر سيطرة التنظيم على مدينة الموصل في 10 يونيو 2014؛ أي بعد نصف عام من سيطرته على كامل مدينة الفلوجة وأجزاء من مركز مدينة الرمادي.

لكن سيطرة تنظيم «الدولة» على مدينة الموصل ومعظم محافظة نينوى اتسعت إلى محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار وكركوك خلال أيام وأسابيع بعد انهيار كامل القوات الأمنية في المحافظات السنية ووصول التنظيم إلى مشارف العاصمة خلال أقل من ثلاثة أسابيع من سيطرته على الموصل لتكون أجزاء من الأحياء الغربية من العاصمة تحت سيطرة التنظيم، في أبو غريب، وأحياء أخرى مثل «حي الشعلة» غرب العاصمة تحت مرمى نيران قذائف الهاون والصواريخ قصيرة المدى، وهو حي تسكنه كثافة شيعية غالبة، ما شكل تهديدا جديا للعاصمة من جهة، والحكومة التي «يهمين» عليها الشيعة من جهة أخرى.

تميّز «الظهور الرابع» لتنظيم «الدولة» بأنه الأكثر تهديدا لنظام العراق، حيث سيطر على مساحات واسعة من شمال ووسط وغرب العراق بتواصل جغرافي مع مناطق في شرق سوريا وشمالها مستفيدا من الاستياء السني من ممارسات الحكومة المركزية بالعراق والمعالجة الخاطئة لنظام بشار الأسد للحركة الاحتجاجية باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين واستجلاب قوات مسلحة شيعية «متطرفة» موالية لإيران من العراق وأفغانستان ودول أخرى، إضافة إلى حزب الله اللبناني الذراع الأقوى لإيران وشراكته قوات النظام في قتال «المعارضة المسلحة»، وما رافق ذلك من عمليات قصف بري وجوي وانتهاكات ضد السكان وعمليات تهجير وغيرها.

* البحث عن مواقع بديلة:

ومع تشكيل التحالف الدولي في اغسطس 2014 من 68 دولة ومشاركة نحو 140 ألفا من المتطوعين الذين انضووا تحت مظلة الحشد الشعبي «شيعي» المكون من عشرات الفصائل الجديدة وفصائل أخرى كانت أصلا موجودة وتأسست في إيران أو العراق بعد الغزو، وتحالف قوى أخرى في العراق وسوريا مثل فصائل الحشد العشائري «سني» وقوات البيشمركه الكردية وقوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني وجميع فصائل «المعارضة السورية المسلحة»، بما فيها جبهة فتح الشام المحسوبة على تنظيم القاعدة الأم، قاتل تنظيم «الدولة» تلك القوى مجتمعة بمفرده حتى اليوم، حيث دافع عن معقله الأخير في العراق قضاء راوة غرب الأنبار وأجزاء من مدينة البو كمال التابعة لمحافظة دير الزور، والتي تشير بعض الأنباء إلى خسارة التنظيم لها.

ومن غير المستبعد أن تعلن الحكومة السورية انتهاء سيطرة التنظيم على آخر معاقله في سوريا خلال أيام بالتزامن مع إعلان الحكومة العراقية، ليعود مقاتلو التنظيم ثانية إلى مواقع بديلة عن المراكز الحضرية في البلدين.

غياب تنظيم «الدولة» عن المراكز الحضرية، مرة أخرى، لا يعني نهاية تهديداته في العراق وسوريا وبلدان أخرى. وخسارة التنظيم لمدن سيطرته بوتيرة متسارعة في العراق وسوريا، خاصة بعد استعادة مدينة الموصل، قد تعود في جانب منها إلى أسباب تتعلق بضخامة القوى المتحالفة ضده وكصرتها من حيث العدة والعدد، وكذلك إستراتيجيات التنظيم التي تركز على العامل البشري وضرورة الحفاظ على أرواح أكبر عدد من مقاتليه طالما أن عقيدة التنظيم الفكرية تتبنى مشروعا يتعدى أهمية السيطرة على المدن والحفاظ عليها إلى أولوية الحفاظ على العامل البشري لإنفاذ مشروع «دولة الخلافة» الذي لا يمكن له أن يستمر إلا بمخزون معقول من المقاتلين لضمان ديمومته وعدم انقراضه.

ومع غياب التنظيم من المراكز الحضرية، ستكون الحكومة المركزية في حاجة إلى قوات من الجيش العراقي قادرة على حماية المدن ومنع سقوطها ثانية بيد التنظيم، مع احتمال التنسيق بين قيادات سياسية في الأنبار مع الأمريكيين للضغط على الحكومة لسحب فصائل الحشد الشعبي من عموم المحافظة وتشكيل قوات محلية من أبناء المحافظات السنية سواء تابعة للجيش العراقي أو الحشد العشائري «السني» لتجنب عودة الممارسات «والانتهاكات» التي سبقت أحداث الموصل 2014.

سيبقى في النهاية الاحتمال الأكثر واقعية هو تراجع تنظيم «الدولة» إلى معسكرات صحراوية في غرب وشمال غربي العراق، مع احتفاظه بجيوب في جبال حمرين ومكحول وصحراء سامراء والمثلث الصحراوي بين مدن هيت وحديثة في الأنبار ومدينة بيجي في صلاح الدين.

كما ستظل الأسباب التي تغذي نمو تنظيم «الدولة» أو تنظيمات بديلة يمكن ظهورها مستقبلا قائمة بما يشكل «الظهور الخامس» طالما ظلّ العرب السُنّة يشعرون بالإقصاء والتهميش وانتهاك الحقوق، وعدم التوصل إلى حلول توفيقية فيما يتعلق بشكاوى العرب السنة من «هيمنة» الشيعة على المواقع القيادية في المؤسسة الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى تعمدت «تغييب» دورهم في قيادة البلد بـ«مشاركة» سياسية هشة بعيدة كل البعد عن «الشراكة الحقيقية» في قيادة البلد والحق في التمتع بثرواته وفق النسب التمثيلية الحقيقية التي لا يمكن التوثق منها والقبول بها إلا بعد إجراء تعداد سكاني بإشراف أممي يحدد حقيقة النسب السكانية لمكونات العراق العرقية أو الدينية أو الطائفية وعلى أساس نتائج التعداد يتم التوزيع العادل للسلطة والثروات.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر