آخر الأخبار

خيارات خليجية: دعم استقلال كردستان وإقامة إقليم للعرب لمواجهة النفوذ الإيراني

2017-10-31 | رائد الحامد خيارات خليجية: دعم استقلال كردستان وإقامة إقليم للعرب لمواجهة النفوذ الإيراني

بقلم: رائد الحامد / كاتب وباحث عراقي

في تحدٍ صريح لإرادة القوى الإقليمية والدولية والداخل العراقي، نظمت حكومة إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر 2017 استفتاءً على "استقلال" الإقليم وانفصاله عن العراق؛ وحقق استفتاء سبتمبر ما نسبته 92.7 من الأصوات تأييدا لاستقلال الإقليم، في الإجابة بـ"نعم" على سؤال الاستفتاء الذي جاء فيه: "هل تريد أن يصبح إقليم كردستان والمناطق الكردستانية خارج الإقليم دولة مستقلة؟".

اعتبرت الحكومة المركزية استفتاء سبتمبر 2017 "غير دستوري" ويشكل تهديدا لوحدة العراق وأمنه واستقراره ومستقبل التعايش الأهلي بين مكوناته؛ إضافة إلى ما قد يترتب على نتائجه من مخاطر جرّ العراق إلى صراعاتٍ عرقية، يمكن أن تمتد إلى دول الجوار في تركيا وإيران وسوريا، ومع انتزاع القوات الأمنية والحشد الشعبي السيطرة على كركوك بدا أن الطموح الكردي تراجع إلى الوراء لعقود عدة، لكن ذلك لا يعني تراجع الأكراد عن كفاحهم في سبيل كردستان الكبرى، وهذه حقيقة تدركها دول عربية فاعلة، ستسعى حتما لدعم الأكراد خدمة لاستراتيجياتها في العراق والإقليم.

ويرتبط الكثير من الدول العربية بعلاقات تمثيل دبلوماسي مع حكومة إقليم كردستان، من خلال قنصليات تابعة لدول مثل الإمارات التي افتتحت أول قنصلية لها عام 2012 ثم تلتها الكويت عام 2015 ثم السعودية عام 2016 التي تربطها علاقات متميزة مع رئيس الإقليم، الذي سبق أن زار المملكة العربية السعودية بدعوات رسمية أكثر من مرة كان آخرها عام 2015.

وتتخوف الدول العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، من احتمالات اندلاع صراع عرقي عربي كردي، على خلفية نتائج الاستفتاء، وإعلان دولة كردية مستقلة "قد" تؤدي إلى تفكك الدولة العراقية القائمة؛ لكن المعارضة العربية الرسمية للاستقلال الكردي الكامل والانفصال رسميا عن العراق، ستظل مرتبطة بشكل أو بآخر بمصالح كل دولة أو أكثر من دولة، وشكل تحالفاتها وطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية، وتأثيرها على مصالح أي دولة من تلك الدول بشكل منفرد.

ويؤكد الموقف العربي الرسمي على ضرورة حل الإشكالات بين حكومتي الإقليم والمركز، وفق آليات الدستور العراقي، في إطار الحوار لتجنب دخول العراق في أتون الصراع العرقي. ولا يمكن التسليم في فهم حقيقة مواقف الدول العربية من استقلال إقليم كردستان، وإقامة كيان سياسي كردي بالاعتماد على المواقف الرسمية للحكومات العربية من استفتاء سبتمبر 2017؛ وسيظل الموقف العربي عموما، والخليجي بشكل خاص، ضمن مسارات العمل على تحجيم النفوذ الإيراني ومنع تهديداته المستقبلية لأمن ووحدة الدول الخليجية.

إن فشل الأكراد الراهن وتراجعهم سياسيا ثم جغرافيا عن كركوك والمناطق المتنازع عليها، لا يعني أن الدول العربية المعنية ستتخلى عن دعم الطموح الكردي في إقامة دولة كردية مستقلة، في مناخ سياسي إقليمي ودولي أكثر استجابة، خاصة بعد الانتهاء من الحرب على تنظيم "الدولة" الذي تقدمه الولايات المتحدة على ما سواه في سياساتها في المنطقة.

سيظل الخطر الإيراني قائما وفق رؤية السعودية والإمارات، ما لم يتم إضعافه في العراق وسوريا واليمن ولبنان؛ وعلى الرغم من الموقف الرسمي السعودي الذي أبدى عدم تأييده للاستفتاء وحرصه على وحدة وسلامة الأراضي العراقية وتعزيز علاقاته مع الحكومة المركزية بشكل غير مسبوق، لكن هذا يندرج ضمن الإستراتيجيات ذاتها الساعية لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، إلى جانب إستراتيجيات دعم دولة كردية مستقلة؛ وثمّة ما يشير إلى توجه عام عكسته وسائل إعلام سعودية وإماراتية وحسابات مؤثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، تتبنى خطابا مؤيدا لاستقلال إقليم كردستان وانفصاله عن العراق حتى بعد تراجع الاكراد إلى حدود ما قبل غزو العراق.

وتلعب الإمارات والسعودية الدور المحوري الأهم في منظومة الدول الخليجية على صعيد السياسات الخارجية، وبدا واضحا أن هاتين الدولتين تريان في إقامة دولة كردية مستقلة تعزيزا للكتلة العربية السنية في شمال وغرب العراق على المدى البعيد، إذا استطاعوا إقامة كيان مماثل للكيان الكردي سيكون تحت سلطاتهم، التي لا تسمح بأي وجود إيراني خلافا لما هو عليه اليوم، حيث تفرض فصائل الحشد الشعبي سيطرتها على أهم المناطق الحيوية للنفوذ الإيراني في محافظتي نينوى والأنبار، لتسهيل التواصل البري بين ايران وساحل البحر الأبيض المتوسط عبر أراضي المحافظتين.

كما إن إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق، إلى جوار تركيا، يمكن أن يؤدي، من وجهة نظر السعودية والإمارات، إلى إضعاف تركيا ومصالحها في العراق من جهة؛ ومن جهة أخرى، تشجيع أكراد تركيا على المطالبة بحكم ذاتي موسع أو إدارة لامركزية في مناطق الكثافة السكانية للأكراد ما يؤدي إلى انشغال تركيا داخليا وتقليل دورها كلاعب إقليمي هو الأهم في سوريا وشمال العراق، وهو توجه مرحلي جديد في سياسات بعض الدول الخليجية أفرزته الأزمة الخليجية والموقف التركي إلى جانب دولة قطر.

تجد الدول المعنية بتحجيم النفوذ الإيراني أمامها فرصة ما بالاستثمار في استفتاء سبتمبر 2017 ضمن خيارين اثنين:

إقامة علاقات متينة وتحالف عميق يستجيب لمصالح الكتل السياسية الشيعية والحكومة المركزية، التي يهيمن عليها الشيعة أيضا، بمزيد من الدعم في مجالات شتى ترجح كفتهم، مقابل الدعم الذي يتلقونه من إيران والمصالح المكتسبة منه.

أما الخيار الثاني، فهو دعم استقلال كردستان العراق والانفصال عن العراق وتحفيز العرب السنة للمطالبة بفيدرالية تفضي إلى قيام دولة سنية إلى جانب الدولة الكردية ما يؤدي إلى إضعاف العراق "الشيعي"، وبالتالي إضعاف إيران وتقليص نفوذها، كما إن قيام دولة سنية في العراق سيؤدي حتما إلى تشجيع العرب والبلوش السنة في إيران للمطالبة بحكم ذاتي في مناطق الكثافة السكانية لهما وسط وجنوب غرب إيران، فيما ستشكل إقامة دولة كردية مستقلة حافزا لأكراد إيران للانضمام إلى الدولة الكردية ضمن مشروع دولة كردستان الكبرى، أو على الأقل إقامة منطقة حكم ذاتي تتمتع باستقلالية إلى حد ما عن الحكومة في طهران.

يبدو أن خيار دعم وتشجيع الأكراد على إقامة دولتهم المنفصلة عن العراق سيظل قائما، وفي مرحلة لاحقة تشجيع العرب السنة على إقامة إقليم خاص بهم قد يحذو حذو الأكراد في إقامة دولة سنية مستقبلا، هو الخيار الأكثر واقعية، وفق حقائق تؤكد أن التحالف بين القوى الشيعية وإيران ينبني أساسا على العامل الطائفي والمصير المشترك، ما يعقد مهمة الدول التي تراهن على سحب الشيعة في العراق بعيدا عن الإستراتيجيات الإيرانية، ويجعلها أقل واقعية ونجاعة من مهمة دعم دولتين كردية وسنية.

وقد تعتقد دول عربية معنية بالتهديدات الإيرانية أن إقامة دولة كردية في شمال العراق يمكن أن تشكل رقعة جغرافية خارج النفوذ الإيراني لعرقلة إمكانيات توسيع النفوذ الإيراني، عبر خط التواصل البري مع حلفاء إيران في سوريا ولبنان، وصولا إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط؛ ويمكن لهذا العائق الجغرافي أن يكون معرقلا لاتساع النفوذ الإيراني المباشر أو غير المباشر، عبر حلفاء محليين مثل الحشد الشعبي في العراق، الذي ينسق مع حزب العمال الكردستاني في شمال غرب العراق وصولا إلى الحسكة في سوريا، الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

كما إن إقامة دولة كردية مستقلة مدعومة من دول عربية مناوئة لإيران، يمكن أن تلعب هي الأخرى دورا في تشكيل عائق جغرافي للحد من النفوذ الإيراني، ومنع وجود القوى المحلية الحليفة لإيران في المجال الحيوي التقليدي لتركيا في جغرافية شمال غرب العراق وشمال شرق سوريا، وهو ما يفهم منه على أنه استجابة عملية لمتطلبات الأمن القومي التركي على المدى البعيد.

قد لا يكون من السهل العبث بالحدود القائمة منذ نحو مئة عام وإعادة رسمها طالما هناك قوى إقليمية ودولية تقف ضد أي تغييرات في خريطة المنطقة؛ وقد لا يكون للصدام الحالي بين حكومتي بغداد وأربيل عواقب على دول أخرى، أو على القسم العربي من العراق، ليؤدي به إلى التقسيم على أساس طائفي سني شيعي هذه المرة، أو على دول مثل تركيا وسوريا وإيران على أساس عرقي باقتطاع أجزاء منها تقطنها غالبية كردية للانضمام إلى الدولة الكردية الوليدة في شمال العراق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر