آخر الأخبار

حول هوية المنفذين: قراءة في حادث "الواحات"

2017-10-25 | حول هوية المنفذين: قراءة في حادث

بقلم: أحمد مولانا / مدون وباحث مصري

الحادث صدمة بنفسه، صدمة لنظام السيسي مثلما هو صدمة لكثير من الخبراء والمحللين ولأغلب المتابعين للشأن العام، وصدمة لمن ظنوا أن النظام الانقلابي استتب له الوضع، فهذه أول إبادة لحملة شرطية خارج سيناء، بل وتفوق ما حدث بسيناء لمقتل 6 من ضباط الأمن الوطني فيها، كما إن شهادة طبيب الشرطة عن الحادث التي نشرها (إعلامي النظام) أحمد موسى تكشف أن المجموعة المنفذة لم تغادر مسرح الأحداث عقب القضاء على الحملة، بل عادت لاحقا بعد عدة ساعات لأخذ أجهزة تحديد المواقع والأسلحة الرشاشة من على المدرعات، مما يكشف أنها كانت تنتظر قوات الدعم لمواجهتها هي الأخرى فلما تأخر ظهورها غادرت المكان.

كما إن تخوف طيار هليكوبتر الانقاذ من الهبوط في مكان الحادث لمدة ساعة يدل على خوف شديد من مستوى تسليح المهاجمين، وقد سبق خلال العامين الأخيرين إسقاط طائرتي هليكوبتر في الصحراء الغربية أثناء مطاردات لم تحظ بتغطية إعلامية مناسبة، كما إن تأخر وصول قوات الدعم إلى الصباح يرجح خوف الداخلية من العمل في المنطقة ليلا بعد أنباء إبادة الحملة، فهم لا يدرون من يواجهون ولا تسليحهم، ففضلت القيادات التوجه للمكان مع مطلع النهار.

وقد تعددت التحليلات والتفسيرات حول هوية المنفذين:

- البعض طرح حركة حسم، وفقا لما ذكرته وكالة رويترز وصحيفة العربي الجديد نقلا عن مصادر أمنية مزعومة، بينما العملية عسكرية بامتياز وليست مجرد عملية أمنية تستهدف بضعة أفراد شرطة هنا أو هناك، ولم يسبق لحركة "حسم" تنفيذ أي عملية عسكرية من قبل، وما أظهرته فيديوهات الحركة السابق نشرها واعترافات أعضائها المقبوض عليهم يوضح أن الحركة لا تملك أسلحة متوسطة ولا قذائف مضادة للدروع، إنما أسلحة خفيفة ومتفجرات، فمهارات وتسليح عناصر حسم لا ترقى وفق المعطيات الحالية لتنفيذ عملية بهذا الحجم والاتقان، كما لم يسبق لـ"حسم" أن نفذت عمليات في مناطق صحراوية، وعادة تسارع الحركة لتبني عملياتها وهي لم تتبن الحادث، وفي شهادة طبيب الشرطة عن الحادث التي أذاعها أحمد موسى، فإن العملية كانت تستهدف مطلوبا دوليا في قضايا الارهاب يدعى (أشرف)، وحسم ليس فيها شخص مطلوب دوليا ولا مصنفة عالميا في قوائم الارهاب.

- البعض الآخر طرح تنظيم الدولة، والتنظيم له سوابق في العمل العسكري المحترف، كما سبق له اختطاف مواطن كرواتي ومهندس أميركي بالواحات وقتلهما، كما خاض مقاتلوه سابقا اشتباكات في المنطقة مع الجيش عام 2015، قصف خلالها الجيش بالخطأ قافلة السياح المكسيكيين، بعد أيام من تمكنه من تصفية إحدى أهم مجموعات التنظيم التي قيل إنها هربت من الواحات إلى مزرعة بمنطقة الزيدية بأوسيم وقُتل فيها 9 أفراد، من بينهم د. محمد نصر الأستاذ الجامعي بجامعة قناة السويس ومؤسس كتائب الفرقان سابقا، وكل تلك الحوادث السابقة تبناها التنظيم فور حدوثها، ولكنه لم يتبن العملية الأخيرة، فضلا عن أن التنظيم يقاتل أفراد الحيش والشرطة باعتبارهم مرتدين، وبالتالي يحرص على نشر مشاهد ذبحه للجنود وإعدامه لهم، بينما في الحادث الأخير وفقا لشهادة طبيب الشرطة حرص المنفذون على تعجيز الجنود فقط بعد استسلامهم، وتركوهم أحياء.

- البعض طرح أن هذه تصفيات داخلية بين مؤسسات النظام الانقلابي، وهذا أقرب للفكاهة والعيش في أسر نظريات عقيمة ليس لها أي شاهد في تاريخ مصر المعاصر، فلم يسبق لأي جهاز عسكري أو أمني أن نفذ عمليات أو دعم عمليات ضد جهاز آخر، فهم في النهاية في مركب واحدة.

أما فكرة وجود خيانة داخلية في جهاز الشرطة فمستبعدةـ وهذا للمعلومات الواردة عن القبض على شخص قبلها بيومين أرشد بعد التحقيقات أو قل التعذيب والطحن عن مكان وجود المجموعة، واصطحبوه للإرشاد عن المكان، ومن أساسيات أي عمل عسكري احترافي رصد الطرق الرئيسة الموصلة إلى مكان وجود المجموعة، وإعداد خطة دفاع محكمة عن المعسكر، مما يرجح رصد المجموعة للحملة مبكرا أثناء توجهها للمكان وإعداد كمين محكم لها وفقا للخطة الدفاعية سابقة التجهيز.

- البعض طرح (هشام عشماوي) وجماعته "المرابطون"، إذ سبق لعشماوي تنفيذ عمليات عسكرية بالصحراء الغربية عام 2014 عندما كان يشرف على جماعة أنصار بيت المقدس في الوادي، وهو احتمال له وجاهة، فضلا عن أن هشام مطلوب على أنه "إرهابي دولي"، وسبق في قضية "أنصار بيت المقدس" أن كان اسمه الحركي شريف، وهو قريب من اسم (أشرف) الذي تحدث عنه طبيب الشرطة في شهادته، كما إن عشماوي منذ أعلن تأسيس جماعته عام 2015 لم يتبن أي عملية داخل مصر، ما يضع احتمالين إما أنه لم ينفذ بالفعل أي عمليات سابقا أو أنه يتبنى سياسة عدم الإعلان عن عملياته، وما يشوش على ذلك الاحتمال نسبيا الأنباء السابقة التي أكدها مقاتلو "تنظيم الدولة" عندما وضعوا عشماوي على رأس المطلوبين للقتل لمشاركته في المعارك ضدهم بليبيا، ويضعف هذا الاعتراض إمكانية تنقله بين البلدين عبر الصحراء.

- وفي ظني أن المجموعة المنفذة للحادث تحرص حاليا على التواري والاختباء من المطاردات والمسح الجوي، ولربما إن استطاعت أن تحافظ على حياة الضابط المختطف ستصدر له إصدارا مرئيا يوضح ملابسات الحادث ويوجه فيه رسائل لأسرته وللنظام ولرفاقه، ولعله إن حدث سيكون الإصدار الأعلى مشاهدة في مصر.

وأرجح أنها مجموعة إما لا تريد الإعلان عن نفسها حاليا (مثلما فعلت جبهة النصرة في بداية وجودها في الشام) أو هي مجموعة صغيرة محترفة، ولكن ليس لها ذراع إعلامي قوي، والحادث حتى الآن يحمل بصمات المجموعات القاعدية التي تجمع بين الاحتراف العسكري والحرص على توجيه رسائل إنسانية في طيات عملياتها الدموية، وهو ما تجلى في الاكتفاء بتعجيز الجنود وعدم قتلهم بعد التمكن منهم، وقد سبق لفرع القاعدة باليمن أن فعل ذلك مع عشرات الجنود الذين أمسك بهم، ثم أطلق سراحهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر