آخر الأخبار

هل سيشكل استفتاء إقليم كردستان حافزا لإقليم خاص بالعرب السنة؟

2017-10-18 | رائد الحامد هل سيشكل استفتاء إقليم كردستان حافزا لإقليم خاص بالعرب السنة؟

بقلم: رائد الحامد / كاتب وباحث عراقي

يتمثَل العنوان الأبرز لإشكالية المجتمع السُني العراقي في الحفاظ على هويته كجزءٍ من هويةٍ وطنيةٍ جامعة، وبناء قوة مسلحة خاصة به؛ لكن واقع الانقسام المجتمعي العراقي، يدفع المجتمع السُني باتجاه تعزيز هويته الفرعية، وفق ما يُحقق له الحفاظ على وجوده، والشراكةِ الحقيقيةِ في قيادة البلد وموارده، وعدم خروجه من دائرة التنافس مع المجتمعات العراقية الأخرى التي تُعزز هوياتها الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

لقد فشل المجتمع السُني في التمحور حول إطار جامع، في الوقت الذي يمتلك فيه الشيعةُ مؤسسةٌ دينيةٌ مركزية قادرة على التعبئة السياسية بالاتجاه الذي يخدم مصالح الطائفة، حتى لو كان على حساب المصلحة الوطنية؛ كما هو الحال مع الأكراد الذين يمتلكون كياناً شبيها بالدولة القائمة بذاتها مُنذ حرب الخليج الثانية سعت لاستثمار التغيير بعد عام 2003 لخدمة مصالحها القومية على حساب المصلحة الوطنية أيضاً.

وفي مقابل ذلك، تسعى قوى سُنية باتجاه المضي لإقامة إقليم سُني واحد يشمل المحافظات السُنيَة، على الرغم من أنَ هذا سيؤكد ويعزز الانقسام الطائفي السُني الشيعي، ويظهره إلى العلن كواقعٍ لا يمكن القفز عليه، وسيشجع على إقامة إقليمٍ شيعي في مواجهة الإقليم السُني؛ أيْ إقليمين يحتكمان إلى الهوية الطائفية لا إلى الهوية الوطنية. إلاَ أن إقامة أقاليم متعددة على أسس جغرافية المحافظات سيعطي صورة مغايرة تعكس عراقا عربيا لا مركزيا.

يُعد النظام الفيدرالي شكلاً من أشكال الحكم المتبعة في عدد من دول العالم، والغرض منه تسهيل إدارة الدولة والتخفيف عن كاهل المركز بتقاسم المسؤوليات الإدارية والقانونية، والصلاحيات الدستورية بين المركز والسلطات الفيدرالية المحلية، لإيجاد حالة من التوازن في توزيع الحقوق وتحديد الواجبات والمسؤوليات؛ وتتضمن الفيدرالية تخويل الفروع الإقليمية المزيد من الاختصاصات الأساسية المتمثلة بالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، أما اللامركزية الإدارية فإنها أسلوب من أساليب الإدارة، وتتضمن توزيع الوظائف والمسؤوليات الإدارية بين المركز والمحافظات غير المنتظمة بإقليم.

تضمن الدستور العراقي موادا منحت الأقاليم سلطات تشريعية من خلال برلمان خاص بكل إقليم، وسلطات تنفيذية من خلال رئيس لكل إقليم ومجلس وزراء ورئيس مجلس وزراء، وكذلك سلطات قضائية يحدد واجباتها دستور الإقليم، الذي يتم عرضه على سكان الإقليم للاستفتاء عليه، ويعد نافذاً بعد موافقة سكان الأقاليم بالأغلبية، ما يعني شكلا من أشكال الاستقلال التام والحق في الانفصال من دون الرجوع إلى السلطة المركزية، طالما أن دستور الإقليم يحدد هذا عبر اقتراح برلمان الإقليم مادة في دستور الإقليم تشير إلى إعلان هذا الإقليم دولة مستقلة، ووفق دستور الإقليم يتم الاستفتاء عليه وإقراره بالأغلبية ليكون ساري المفعول بعد نشره في الصحيفة المركزية.

وتختلف دوافع المطالبة بالفيدراليات بين مكون عراقي وآخر، تبعا لاختلاف الوقائع على الأرض، والأهداف المرجو تحققها، والمعاناة المفترضة وأسبابها، لكنهم يلتقون على مشتركات تعثر العملية السياسية وفشلها في أن تكون عملية سياسية ناضجة، تعتمد معايير المواطنة والكفاءة، بديلا من المحاصصات على الأسس الطائفية أو القومية، ما أدى إلى استمرار الصراعات السياسية، وتفاقم الخلافات بين القوى العراقية المختلفة، وغياب الأمل لدى العموم بتحقق تسوية عادلة، نابذة للأسس المغلوطة التي قامت عليها العملية السياسية، وفقدان الحكومة الجدية والحيادية والرغبة في تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وكذا ما يتعلق بالتقسيم العادل للإيرادات العامة، حسب النسب السكانية كما يفترض، لا كما تنتهج الحكومة من سياسيات، بحسب ما تراه القوى السياسية المتنفذة، وليس وفق معايير علمية وموضوعية.

يرى دعاة الأقاليم من العرب السنة ضرورة التركيز في تحقيق أهدافهم على الحق الدستوري في إعلان الأقاليم، وأنها لا تعني التقسيم؛ بل يرى البعض منهم أن الأقاليم تشكل ضمانة لوحدة العراق، إذا مُنحت الأقاليم حقوقها وصلاحياتها المنصوص عليها في الدستور، لتخفيف الاحتكاك المباشر بين الشيعة والسُنة، قياسا على إقليم كردستان العراق، الذي كان يحتفظ بعلاقات متينة مع المكونين السني والشيعي، حتى استفتاء سبتمبر 2017، الذي زعزع على الأقل التحالف الاستراتيجي الكردي الشيعي الذي طالما تردد على لسان قيادات شيعية وكردية منذ ما قبل غزو العراق.

لكن المكون الكردي لا يعنيه كثيرا تدهور العلاقات مع الحكومة المركزية أو المكونين الشيعي والسني طالما أن الاستفتاء الذي "قد" يفضي إلى قيام كيان كردي مستقل، هو جزء من طموح كردي واسع ناضل من أجله الأكراد في بلدان الانتشار الأربعة بشكل أو بآخر، وإن كان في العراق وتركيا بشكل أكثر وضوحا منه في سوريا وإيران.

لقد أيدت قوى سياسية واجتماعية عربية سنية استفتاء إقليم كردستان، ورحبت بالنتائج التي أسفر عنها الاستفتاء، لدوافع مختلفة قد يكون من بينها طبيعة العلاقة بين المكونين الشيعي والسني في القسم العربي من العراق، أو انسجاما وتوافقا مع سياسات الإقليم الذي يستضيف بعض أهم القيادات السنية، سواء التي هربت من تنظيم "الدولة" بعد سيطرته على مناطقهم أو الأخرى التي لها علاقات متوترة مع القيادات الشيعية في الحكومة المركزية.

وحتى مع افتراض قيام دولة كردية مستقلة في حدود إقليم كردستان المعترف بها دستوريا، أو في حدود فرض الأمر الواقع بالسيطرة على المناطق المختلف عليها بين العرب والأكراد، تبقى مسألة إقامة إقليم سني أو إقليم شيعي يتمتع بصلاحيات وقوة تضاهي ما هو عليه إقليم كردستان اليوم، افتراضا يبتعد عن الواقعية إلى حد ما، طالما هناك قوى مهمة ومؤثرة، سواء في الوسط الشيعي أو السني، ترفض مبدأ قيام الأقاليم من منطلق رؤيتهم بأن هذه الأقاليم إنما تفضي في النهاية إلى تقسيم العراق.

ومع غياب أي أفقٍ في المدى المنظور لتسويةٍ سياسيةٍ للأزمة التي تفاقمت بعد الاستفتاء، حتى أصبحت تؤسس لحالة انعدام إمكانية المجموعات البشرية في المجتمع العراقي من المساكنة أو التعايش السلمي في عراقٍ موحد، سيظلُ العراق رهن تقلبات موازين القوى المحلية، أو ما قد تفرضه الإرادات الإقليمية والدولية، لرسم صورة ما لمستقبلٍ يصعبُ التكهن بماهيته وانعكاساته على مكونات العراق العرقية والطائفية، مع استمرار القلق على المجتمع السُني من جانبي الحفاظ على هويته الفرعية ضمن إطار الهوية الجامعة، وقدرته على الاستمرار في خوض صراعه من أجل البقاء.

ومع دخول المشهد العراقي واقع ما بعد معركة الموصل، وما ستفرضه نتائج الاستفتاء من متغيرات، سيتعين على العرب السُنة حشد طاقاتهم، وتوظيف علاقاتهم الإقليمية والدولية لاستثمار الحق الكردي في الاستفتاء الشعبي على إقامة كيان سياسي خاص بهم، وفقا لمواد أقرها الدستور للسعي لإقامة إقليمهم الخاص بهم في المحافظات السُنية أو أكثر من إقليم تتم إدارته أمنيا من حكومة الإقليم على غرار التجربة الكردية الناجحة في إقليم كردستان العراق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر