"الغارديان": كيف استخدمت "سي آي إيه" المؤتمرات العلمية لتجنيد باحثين من إيران وكوريا؟

2017-10-12 | خدمة العصر

نشرت صحيفة "الغارديان"، وفقا لما نقلته صحيفة "القدس العربي"، مقتطفات من كتاب خصصه مؤلفه دانيال غولدن لوصف وتوثيق الطريقة التي قامت بها المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) ومكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) والمخابرات الأجنبية بإنفاق ملايين الدولارات لتجنيد الباحثين من إيران وكوريا الشمالية للعمل لمصلحتها.

واستخدمت في هذه طرقا عدة مثل إنشاء شركات واجهات وتنظيم مؤتمرات علمية وزرع عملاء لها من ضمن الفريق العامل في الخدمات الفندقية والمطابخ. وكان الهدف من وراء المؤتمرات كما يقول الباحث هو جذب العلماء الإيرانيين إلى مناطق محايدة وآمنة، حيث تُقدم لهم عروض مغرية لهم لتقنعهم بالإنشقاق عن بلادهم أو العمل مخبرين.

وقد حاولت الوكالة تأخير وإعاقة تطوير إيران لبرنامجها النووي من خلال عمليات خداع تحت مسميات لمؤتمرات تدعو الأساتذة والباحثين الإيرانيين للمشاركة فيها. ولم يكن المشاركون في المؤتمرات يعرفون أنهم يشاركون في تمثيلية كبيرة يتم التحكم بها وإدارتها من عن بعد.

ويقول الكاتب إن الساحة الأكاديمية والمؤتمرات عادة ما تستخدم للتجسس. وعادة ما يقاس نجاح المؤتمرات بعدد المشاركين فيها من حملة جوائز نوبل أو أساتذة جامعة أوكسفورد بل وبعدد الجواسيس الذين يشاركون من الولايات المتحدة والمخابرات الأجنبية وهم بمثابة جيش تجنيد يركز على الباحثين من ذوي الدخل المنخفض من الدول الفقيرة وتمثل والحالة هذه ساحة صيد مهمة.

وفي الوقت الذي لا تجد فيه المخابرات إلا أستاذا أو أستاذين ممن لهم علاقة بعملها في الجامعات، إلا أن مؤتمرا متخصصا في الطائرات من دون طيار أو بتنظيم الدولة يتيح فرصة مهمة يجتمع فيها عدد كبير من الباحثين. ونقل الكاتب عن عميل سابق للاستخبارات الأمريكية، قوله إن "كل وكالة استخبارات في العالم تنظم مؤتمرات وتدعم مؤتمرات وتبحث عن طرق لدفع الناس للمشاركة فيها".

ويقول مارك غالوتي الذي عمل بجامعة نيويورك في مجال الشؤون الدولية ومستشارا سابقا لوزارة الخارجية البريطانية إن "التجنيد عملية إغراء طويلة"، مضيفا: "والخطوة الأولى هي ترتيب أن تكون في الفريق نفسه من ورشة العمل حتى لو لتبادل التفاهات".

والمرحلة الثانية هي أن تسأله: "هل التقيتك في اسطبنول" مثلاً. وكان جهاز "أف بي آي" قد حذر في عام 2011 الباحثين الأمريكيين من المشاركة في مؤتمرات دولية.

ويشارك عملاء "سي آي إيه" و"اف بي آي" بأعداد كبيرة في المؤتمرات. ويقول عميل "إف بي آي" سابق: "تحاول المخابرات الأجنبية تجنيد الأمريكيين ونحن نحاول تجنيدهم". وتقوم "سي آي إيه" بإرسال ضباط للمؤتمرات وتنظمها من خلال شركات واجهات في واشنطن، كما تنظم مؤتمرات مزيفة للوصول إلى باحثين من دول معادية.

وتقوم المخابرات الأمريكية بمراقبة المؤتمرات التي ستعقد حول العالم وتحديد المهمة لها. فمثلا لو علمت عن مؤتمر في باكستان عن أجهزة الطرد المركزي، فإنها تقوم بإرسال واحد منها أو تطلب من باحث سيشارك في المؤتمر تقديم تقرير عنه.

ولو علمت بمشاركة باحث إيراني، فإنها تناشد الباحث الأمريكي تجنيده في اللقاء التالي. ويقول غولدن إن المعلومات الاستخبارية من المؤتمرات قد تساعد على تشكيل السياسات، مثلما أقنعت جورج دبليو بوش أن صدام حسين لا يزال يطور أسلحة الدمار الشامل. ويقول جون كرياكو، عميل السي آي إيه السابق في مذكراته عام 2009: "ما أثار انتباه عملائنا وجواسيسنا هو أن الباحثين العراقيين في مجال الكيمياء والبيولوجيا وبمستوى أقل البحث النووي ظلوا يشاركون في المؤتمرات الدولية. وقدموا أبحاثاً وشاركوا في النقاش وسجلوا ملحوظات وعادوا إلى الأردن للسفر منه إلى العراق". وبعض هؤلاء الباحثين ربما قدموا فكرة غير صحيحة لغياب المعرفة القوية في مجالاتهم، وربما كانوا مزيفين.

ويقول جين كويل الذي عمل في سي آي إيه من 1976 – 2006 إن مؤتمرا للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا كان فيه عدد الجواسيس ضعف الباحثين العلميين. وهناك مشكلة كما يقول إن المشاركين من المخابرات يجب أن يكونوا على معرفة علمية وعليهم التحدث فيها. ومن هنا فقد تعتمد المخابرات على باحثين من وحدة المصادر الوطنية التي يمكن من خلالها إرسال باحثين علميين لمؤتمرات في فيينا مثلاً.

تبدأ عملية التجنيد من خلال مقابلة عارضة في المؤتمر ومن ثم يتبعها لقاء مرة أو مرتين في مؤتمرات أو حلقات بحث. وبعد ذلك يطلب العميل من متدربين إعداد سيرة عن الباحث، شخصيته وتعليمه والكلية التي درس فيها، ومن ثم يكتب إلى المحطات الرئيسة يطلب تمويل عمله. وعليه أن يقدم الطلب بطريقة مقنعة حتى يحصل على المال. وبعد ذلك يقوم باختراع عمل أو شركة ويبني موقعا على الإنترنت وبطاقات وعناوين.

ويقول عميل إن الفكرة عادة ما تكون باختيار الباحث الذي يبدو غير مرتاح في المؤتمر ويقول له بطريقة عرضية "هل تكره التجمعات مثلما أكرهها أنا". والهدف من كل هذا هو تسجيل صورة في ذهن الباحث فقط. ويجب أن يكون اللقاء عرضياً ومن الخطأ مثلاً التحادث معه أمام تجمع قد يكون فيه عدد من المرافقين له. ويقضي العميل بقية المؤتمر وهو يلتقي مصادفة مع الهدف «يتحرك بجنون» «وقضاء وقت على الهدف». وقد يرمي كلاما مثل "لقد قرأت مقالا رائعا" حول الموضوع هذا، ولكن لا أتذكر الكاتب. فيرد الباحث "أنا الكاتب". يتبع كل هذا دعوة للعشاء أو الغداء، حيث يقدم العميل فكرة التعاون مع شركته. وقد ينتهي اللقاء بمشروع للتعاون بمبلغ يعتبر بمقاييس باكستان وكوريا الشمالية كبيراً بين 1000 -5.000 دولار".

وعندما يتلقى الباحث أول مبلغ من "سي آي إيه" حتى من دون علمه، فإنه يصبح تحت سيطرتها. ومشكلة المؤتمرات العملية هي التضارب في العمل، فمثلاً قد يكون هناك عميلان يتابعان هدفاً واحداً. وأحياناً تقوم المخابرات بالتعاون مع باحثين من دون إظهاره، فعندما تريد رأي أحدهم تتصل به إن كان متوفرا للمشاركة، لكن لا يظهر اسم الوكالة في المؤتمر أو أجندته، حيث يكون برعاية شركة في واشنطن مثلا. فمن خلال إخفاء دورها تجعل من السهولة أمام الباحث تقديم رؤيته أو الحديث عن مشاركتهم من دون أن يظهر دور الوكالة في استشارتهم.

وتتيح المؤتمرات الأكاديمية للباحثين الإيرانيين الذين يريدون الهروب للغرب فرصة ذهبية. واستفادت سي آي إيه من محاولات بعضهم الهروب وأخرت المشروع النووي الإيراني لسنوات عدة. وكما يقول ديفيد اولبرايت من معهد العلوم والأمن الدولي المتخصص في الأسلحة النووية، فإن الحكومة الأمريكية أنفقت "أموالاً طائلة" في عمليات سرية لتأخير البرنامج النووي. ومن البرامج التي قامت بها "عملية تجفيف العقول".

ولصعوبة إغراء الباحثين الإيرانيين، فقد تعاونت المخابرات الأمريكية مع إسرائيل لجذبهم للمشاركة في مؤتمرات بدول محايدة. وتقوم فيما بعد بالطلب من شركة واجهة لها بتنظيم المؤتمر في معهد علمي متميز، حيث يُنفق عليه من الميزانية المخصصة لهذه البرامج. ويقول عميل سابق إنه كلما كان الأمر مخفياً عن الباحث كان أفضل. وعادة ما يُبالغ في التغطية بالتركيز على الطبيعة السلمية للمشروعات النووية، حيث يكون لدى الحكومة الإيرانية مصلحة في إرسال باحثين إليها وإن بحراسة كي تظهر أنها لا تسعى لبناء قنبلة نووية.

ومن هنا ستكون مهمة عميل "سي آي إيه" الذي يحضر بصفته طالباً أو عارضاً أو تقنياً إبعاد الباحث عن الحرس. وفي بعض الحالات يقوم موظفو المطبخ بوضع مادة في طعام الحرس بشكل تصيبهم بالإسهال أو الغثيان الذي ينسب لطعام الطائرة أو الطعام الغريب في البلد المضيف. ولو كان محظوظاً يلتقي العميل مع الباحث ولو لدقائق ويتحدث إليه.

ونقل الكاتب أنه انشق عدد كاف من الباحثين الإيرانيين في المجال النووي عبر المؤتمرات وطرق أخرى لعرقلة المشروع النووي. وقال عميل سابق مطلع على العملية إن باحثا متخصصا في أجهزة الطرد المركزي وافق على الهروب مقابل توفير فرصة له كي يدرس الدكتوراه في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا (أم أي تي)، غير أن وكالة "سي آي إيه" أخرجته من إيران من دون شهاداته العلمية. وفي البداية رفض المعهد قبوله من دون شهادات إلا أنه وبضغط من الوكالة وشكل لجنة من الباحثين في دوائره لامتحان الباحث قبلوه وحصل على الدكتوراه.

 

** رابط التقرير الأصلي: https://www.theguardian.com/news/2017/oct/10/the-science-of-spying-how-the-cia-secretly-recruits-academics


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

سيد علي الدمنهوري

ثمة أيضاً وسائل و طرق أخرى للحصول على التيكنولوجيا الرفيعة،وهي "إستعارتها" من أصحابها بأقل التكاليف...هذه الوسائل و الطرق تقتضي أن تتوفر الدولة على جهاز إستخباراتي كفؤ و كوادر ذات مستوى عالِِ من المِهَنية و التكوين العلمي و الوعي و التضحية و الوطنية (الهواة لا مكان لهم هنا!)، و تخطيط طويل المدى،و تحديد الأهداف ورفد ذلك كله بميزانيات مُبرمجة قارة. كانت اليابان منذ بداية القرن الماضي رائدة في هذا المجال(إستعارة التيكنولوجيا) بالنقلة النوعية التي إكتسبتها بفضلها في تطوير أسطولها البحري و قواتها الجوية في ثلاثينيات القرن الماضي،تبعها نظام السوفييت في عهد الديكتاتور ستالين الذي توغل عميقاً في التجسس على مشروع "مانهاتن" النووي الأمريكي بالإضافة إلى الإستيلاء على كل أسلاب الحرب من براءات الإختراع الألمانية في ميدان الصواريخ و الطائرات و المُحركات التوربينية الجديدة و غيرها من براءات الإختراع في أبحاث الكيمياء و الفيزياء و الإليكترونيات و غيرها...و فعل ذلك الأمريكان أيضاً...و كان كذلك سباقاً مخابراتيا محموماً لتجنيد أفضل العلماء و المهندسين الألمان لدى هزيمة و إنهيار الرايخ الألماني عام 1945. لكن المثال "النموذج" في عصرنا الحاضر لـــ"إستعارة" التيكنولوجيا الرفيعة هو كوريا الشمالية منذ ستينيات القرن الماضي،فقد جمعت كل تجارب اليابان و الإتحاد السوفييتي البائد و عجنتها في خلطة فريدة من نوعها...صارت بمقتضاه دولة نووية يُحسبُ لها ألف حساب من الأعداء...و ذلك كان بفضل مكتب "X " و له رقم مجهول ضمن شُعَبِ و أقسام ما يسمى :" دائرة الإستعلامات " السرية في كوريا الشمالية. بالمقابل لن أفصل القول في خَيْبات عُربان في صواريخ "الظافر" و "القاهر" و الحلم الموؤود في طائرة "حلوان" التوربينية في ستينيات القرن الماضي في عهد البِكْباشي جمال عبد الناصر ،و آخر خيبات العُربان في بداية هذه الألفية، تسليم الأمريكان كل مُعدات و أجهزة البرنامج النووي(على تواضعه) في "الجماهيرية العظمى" من طرف المقبور العقيد القذافي حتى يرضى عنه الأمريكان و الطليان !... - أكيد أن قادة العُربان ينقصهم شخص من عيار "الزعيم كيم" و جده و أبيه الذين تميزوا بالمواظبة و الإصرار على بلوغ الأهداف و المناورة السياسية الذكية...و مع الأسف الشديد...لا يمكن شراء ذلك من السوق!!!...و على أية حال، فقادة العُربان مشغولون دوماً بأمور تافهة لا ترقى لإهتمامات رجال الدولة الجادين و مثال ذلك اليوم إفتعال"أزمة خليجية" بائسة و بئيسة الكل فيها خاسر.