الدوحة من أكبر المستثمرين في الاقتصاد الروسي: لماذا اختارت موسكو الحياد في النزاع السعودي القطري؟

2017-9-3 | خدمة العصر الدوحة من أكبر المستثمرين في الاقتصاد الروسي: لماذا اختارت موسكو الحياد في النزاع السعودي القطري؟

كتب "نيكولاي كوزانوف"، الباحث الروسي المشارك في برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد "تشاتام هاوس" البريطاني، أن روسيا تريد أن تبقى محايدة فى الصراع بين دول مجلس التعاون الخليجى كما يتضح من زيارة وزير الخارجية سيرجى لافروف التي استمرت ثلاثة أيام هذا الأسبوع إلى الإمارات وقطر، كما ذهب أيضا إلى الكويت للتعبير عن دعم روسيا لجهود الوساطة.

كانت بداية التوترات الحالية بين قطر والسعودية مفاجأة غير سارة لروسيا. ومع أن موسكو كانت على دراية بالاحتكاك السياسي بين دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لم تكن تتوقع أن ينزلق إلى أزمة عميقة. في ظل هذه الظروف، تبنى الكرملين خيار الحياد: بقيت روسيا محايدة وعرضت الوساطة، إذ إن الميل إلى أحد الطرفين يضر بعلاقات روسيا مع الطرف الآخر، ثم إن موسكو تريد الإبقاء على علاقة جيدة مع جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وفقا لتقديرات الكاتب الروسي في موقع "المونيتور".

وقد حافظت المصالح الروسية على علاقات جيدة مع السعودية، التي قال لافروف إنه سيزورها في مطلع سبتمبر، وتتصل بشكل كبير بالمسائل الاقتصادية. فموسكو والرياض تحاولان تحقيق استقرار الأسعار فى سوق النفط. وفي أبريل الماضي، قالت فالنتينا ماتفينكو، رئيسة المجلس الأعلى للبرلمان الروسي، إن موسكو والرياض تخططان بحلول بداية عام 2018 تنفيذ العديد من المشاريع المهمة التي تبلغ تكلفتها 3 مليارات دولار.

وفي يوليو الماضي، أوضح وزير الطاقة الروسي، الكسندر نوفاك، أن موسكو لا تزال لديها شهية كبيرة لمشاريع النفط والغاز المشتركة مع السعوديين. فمن ناحية، تشجع روسيا إنشاء مراكز علمية مشتركة تعمل على التكنولوجيات الجديدة في مجال الحفر وخدمات النفط ونقل النفط، ومن ناحية أخرى، تسعى أيضا إلى فتح السوق السعودية لشركات الحفر والخدمات النفطية الروسية.

وبالإضافة إلى ذلك، يأمل الكرملين في بيع أسلحة ومعدات عسكرية إلى الرياض، وتدرك روسيا جيدا النفوذ السياسي للسعودية في المنطقة والعالم الإسلامي، كما تود موسكو أن تجد لغة مشتركة مع السعوديين بشأن الوضع في سوريا. كل هذه الدوافع تكفي لإبقاء روسيا مهتمة بالحوار مع السعودية، ولكن ليس كافيا لجعل الكرملين ينحاز للرياض في النزاع مع قطر، كما رأى الكاتب.

وأوضح الباحث في مقاله أنه منذ عام 2009 إلى عام 2015، لم تكن العلاقات الروسية مع قطر سهلة. على مدى ست سنوات تقريبا، كانت روسيا ترى في قطر كما لو أنها "صبي شقي" في المنطقة. وانتقدت الدوحة بشدة موسكو لدعمها بشار الاسد، ووصفت القنوات التلفزيونية القطرية بوتين "دكتاتور القرن الحادي والعشرين" بل وصفت روسيا بأنها العدو الرئيس للعالم الإسلامي. في عام 2012، تعرض السفير الروسي في قطر، فلاديمير تيتورينكو، للاعتداء في مطار الدوحة. وأخيرا، واجهت الدوحة بنشاط جهود موسكو للسيطرة على منتدى الدول المصدرة للغاز.

ونتيجة لذلك، كان من المستغرب أن نرى الكرملين مستعدا بوضوح لمساعدة الدوحة في تقليل التأثير السلبي الناجم عن صراعها مع الدول العربية الأخرى. ففي 9 يونيو، بعد وقت قصير من بدء المحاولات السعودية لعزل قطر، رحبت السلطات الروسية بوزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في موسكو، وشكر الكرملين على استعداده للمساعدة. وعلاوة على ذلك، قبل يومين من تلك الزيارة، ناقش المسؤولون الروس آفاق التعاون في مجال النفط والغاز وما بعده مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ووزير النفط السعودي خالد الفالح.

فبعد سنوات من العلاقات المعقدة مع قطر، أدركت روسيا، وفقا لما كتبه الباحث، أن حجم البلاد ليست بالضرورة ذات الصلة بنفوذها في المنطقة. وكان من المنطقي تماما أن تكون روسيا صديقة لـ"قطر الصغيرة"، التي لها تأثير كبير في الساحة السياسية وفي وسائل الإعلام (لا السعوديون ولا حلفاؤهم لديهم ما يضاهي تأثير الجزيرة). كما تعد قطر مصدرا رئيسا للغاز الطبيعي المسال، وهي سوق متخصصة ترغب روسيا في الانفتاح عليها والمشاركة فيها.

ومنذ عام 2015، تحاول روسيا تحسين علاقاتها مع الدوحة. في أواخر عام 2013، قررت عدم المطالبة باعتذار من القيادة القطرية للهجوم على السفير الروسي في مطار الدوحة، وعينت نورموهماد خولوف بديلا عنه، ومنذ ذلك الحين ازدادت الاتصالات بين البلدين. وفي عام 2016، اشترت قطر حصة في شركة "روسنيفت" الروسية للنفط والغاز.

وفي ظل هذه الظروف، والكلام للكاتب الروسي، أتاح الصراع السعودي القطري لموسكو فرصا جديدة لتحسين العلاقات مع الدوحة. وقد رحب المسؤولون الروس بحاكم قطر خلال زيارته في يونيو برسالتها إلى الدوحة: روسيا صديق. وبطبيعة الحال، فإن الوعد بالمساعدة كان شكليا. عرفت موسكو أن السلطات القطرية لن تقبل العرض، لكنها كانت بادرة سياسية إيجابية من المحتمل أن تتذكرها الدوحة لفترة طويلة. كما أثر التعاون الاقتصادي الإيجابي الروسي مع قطر في حياد موسكو في النزاع، ورغم الاضطراب الدوري في العلاقات السياسية، فقد أقامت روسيا وقطر حوارا اقتصاديا مستداما.

من هذا المنظور، يقول الكاتب، فإن الرياض لا تتناغم بشكل جيد. ذلك أن السعوديين أغرقوا موسكو بوعود بالاستثمارات الضخمة في الاقتصاد الروسي، ولكنهم لا ينفذون هذه الوعود أبدا. وعلى العكس من ذلك، فإن الدوحة هي واحدة من أكبر مستثمري دول المنطقة في الاقتصاد الروسي.

وبحلول عام 2017، بلغ حجم الاستثمارات السعودية في روسيا 600 مليون دولار مقابل 2.5 مليار دولار قيمة الاستثمارات القطرية. وكان اختيار القطريين للمشاريع الاستثمارية مهما أيضا. وبصرف النظر عن شركة "روزنيفت" النفطية، في عام 2013 اشتروا أسهما في البنك الروسي الرائد VTB. وبعد ثلاث سنوات، استثمروا في مطار "بولكوفو" في "سانت بطرسبرغ"، مسقط رأس بوتين. وأثناء إعداد هذه الصفقات، تعرف القطريون على الشخصيات المؤثرة في مجال الأعمال والسياسة الروسية.

وأخيرا، يقول الكاتب الروسي، أخذت الولايات المتحدة في الاعتبار أيضا قرار موسكو بعدم الانضمام إلى التحالف المناهض للقطر أو الوقوف ضد السعودية. ومع استمرار التوترات بين موسكو وواشنطن، يريد الكرملين تذكير الولايات المتحدة والمجتمع الدولى بأن روسيا لاعب هام ولا ينبغي تجاهل آرائه.

وبعرضها للوساطة، توضح موسكو أهميتها كدولة يمكن أن تتحدث إلى أي من طرفي الصراع، بدلا من الولايات المتحدة، التي انحاز رئيسا إلى أحد الطرفين وخاطب الآخر بقسوة. ومع أن روسيا أعلنت رسميا استعدادها للوساطة، غير أنها تفضل تجنب اللعب في هذا الأمر. وطبقا لبعض الدبلوماسيين الروس، فإن موسكو لن تنضم إلى عملية التسوية إلا إذا طلبتها الأطراف المعنية مباشرة.

والدوافع الروسية لإتاحة الفرصة للآخرين للتوسط واضحة تماما: فالمحاولة الفاشلة لتسوية الصراع قد تضر بصورة روسيا الوسيط، كما إن فرص الفشل مرتفعة جدا. كما لا توجد أسباب لروسيا للاستعجال في تسوية الأزمة بين قطر والسعودية، فموسكو نجحت في تحقيق قدر من التوازن بين الدوحة والرياض. وفي الوقت نفسه، فإن الأزمة تحول انتباه السعوديين والقطريين عن سوريا وتجعلهم أقل اهتماما بالمشاركة المباشرة في الشؤون السورية. وبالتالي، فإن روسيا -التي ترى الرياض والدوحة معارضين لها في سوريا- لديها حرية أكبر هناك.

 

** رابط المقال الأصلي: http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2017/08/russia-neutral-saudi-arabia-qatar-rift-gcc-lavrov-kuwait.html


تم غلق التعليقات على هذا الخبر