ما العمل؟ بين تهديدات ترامب الفارغة وصواريخ كوريا الشمالية البالستية

2017-8-10 | خدمة العصر ما العمل؟ بين تهديدات ترامب الفارغة وصواريخ كوريا الشمالية البالستية

بقلم: رامي القباطي / كاتب يمني

هدد الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا كوريا الشمالية "بنار وشر مستطير" إذا هي استمرت في التصعيد بمواصلة التجارب الصاروخية. وأقر، قبلها وفي نهاية الأسبوع الماضي، مجلس الأمن الدولي سلسلة عقوبات جديدة على كوريا الشمالية، وفي بداية الأسبوع لمح مستشار الأمن القومي ماكمستار في مقابلة تلفازية إلى إمكانية توجيه ضربات استباقية لكوريا الشمالية.

في خضم هذه الأحداث تظهر على السطح مجموعه من الأسئلة:

1- ما جدية تهديدات ترامب؟

2- ما الهدف من أي ضربة (استباقية) ضد كوريا الشمالية؟

3- ما موقف الصين من هذه الإحداث؟

في ثنايا هذا المقال نحاول "الإجابة" على هذه الأسئلة بما توفر من معلومات صحفية.

شرع نظام كوريا الشمالية منذ بداية التسعينيات من بناء ترسانة أسلحه نوويه لمواجهة أي خطر خارجي (قادم من أمريكا تحديدا) يسعى إلى قلب نظام الحكم الذي أسسه جد الزعيم الكوري الحالي "كيم إيل سونج" بعد الحرب العالمية الثانية.

البرنامج النووي الذي أشرف عليه والد الزعيم "كيم يونج إيل" أخذ العبرة من غزو العراق 1990 وقلب نظام الحكم هناك 2003. في وسط التسعينيات توقف البرنامج النووي الكوري بعد اتفاق مع الدول الكبرى والأمم المتحدة يقضي بتوفير المواد الغذائية لهذا البلد الذي اجتاحته موجة جفاف شديدة عام 1994.

بعد ذلك وحتى قدوم الزعيم الحالي "كيم جون اون" في 2011، كانت كوريا الشمالية تستخدم البرنامج النووي وسيلة ضغط ضد الدول الكبرى لتحقيق مكاسب دون وجود نية حقيقية للتطوير الملحوظ الآن. في هذه الحقبة الزمنية ما بين 1994 و2011 كانت الصين هي الضامن وأيضا المسير لكوريا الشمالية في المفاوضات مع مجموعه الست.

مع قدوم النظام الحالي تغير الوضع جذريا وازداد الأمر تشابكا مع قدوم إدارة ترامب. ترافق هذا مع زلزال في العلاقة الصينية-الكورية الشمالية. الصين في موقف لا تحسد عليه: فهي تسعى من جهة لتأديب النظام الحالي الذي مارس تصرفات غير مقبولة لديها، ولا تريد، من جهة أخرى، أن تترك المجال للولايات المتحدة لإحداث تغير جذري وقدوم نظام موال لأمريكا يجعل من الصين واقعة في فخ ثلاثي (الكوريتان واليابان).

من تصرفات نظام كوريا الشمالية الحالي التي أغضبت الصين، اغتيال الأخ غير شقيق للزعيم الحالي في مطار كوالالمبور رغم أن الصين توسطت لدى والد الزعيم بعد فراره من كوريا الشمالية في مطلع الألفية بالسماح له بالبقاء في ماكاو الصينية دون ممارسه أي نشاط سياسي ضد نظام أبيه.

ثانيا، اتخذ النظام الكوري الشمالي من مدينه ماكاو مركزا لغسيل الأموال التي يجنيها إما عن بيع الأسلحة لبلدان مثل سوريا وإيران واليمن، رغم الحظر الأممي، أو مردود العمالة الكورية الشمالية المهربة إلى دول أبرزها روسيا، ووصلت حتى إلى بولندا داخل الاتحاد الأوروبي. المثال الثالث هو قتل الزعيم الكوري لزوج عمته، الرجل المقرب لدى الصين، وإن كان يُرجح أن السبب هو خلاف مالي في إدارة خزينة الزعيم المنفصلة عن خزينة الدولة.

تسعى الصين لتأديب النظام، فقد قامت في مطلع العام الحالي بإرجاع سفن محمولة بالفحم، أحد أهم صادرات كوريا الشمالية والتي طالتها العقوبات الأمنية الجديدة. لكن بالتوازي تعلم أن أي تغير لنظام الحكم لابد أن يأتي برضاها ما لم تكون قد وضعت نفسها بنفسها في الكماشة.

تعامل إدارة اوباما مع برنامج كوريا الشمالية لتطوير أسلحة بالستية تستطيع الوصول إلى أهداف أمريكية في البر الأمريكي اتخذ الأسلوب التالي: في الظاهر الدعوة للدبلوماسية والعمل مع الصين في التعامل مع هذا الملف. في الخفاء، إنشاء وحدة "هجوم سايبر"، وظيفتها تعطيل أنظمه الصواريخ الكورية. وقد نجحت جزئيا هذه الوحدة في مهمتها: بعض الصورايخ انحرفت عن مسارها وبعضها تفجر لحظه الإطلاق.

تصرفات الإدارة الأمريكية الحالية إزاء كوريا الشمالية بدأت قبل وصول ترامب لسدة الحكم، وبالتحديد منذ حملته الانتخابية: التهديد والوعيد لكوريا الشمالية والانتقاد الشديد للصين، لأنها "لا تعمل شيئا". مع قدوم ترامب وتزايد وتيرة التجارب الصاروخية العابرة للقارات لكوريا الشمالية الناجحة، وجدت إداره ترامب نفسها واقعة بين الوفاء بالتعهدات الانتخابية والتعامل الأمثل مع الملف الكوري الشمالي.

 كما هو معهود عن أمريكا نزعتها للشروع في الحرب مع الأنظمة الضعيفة "طالبان 2001" وإضعاف العدو الخطير عبر عقوبات، أبرزها الاقتصادية قبل الشروع في الحرب "العراق 1990-20003" أو استخدام "التغير السلمي للسلطة" عبر وسائل زلزلة شرعيه النظام ودعم الإعلام الغربي لقيادات دُربت في بيوت خبرة أمريكية وإبرازها، مثل ما حدث في "صربيا 2000 وأوكرانيا 2015". الطريقة الأخيرة لا تجدي نفعا مع نظام مغلق على ذاته مثل نظام كوريا الشمالية. وبسبب القدرة النووية والصاروخية، لا يمكن تخيل النظام الكوري الشمالي ضعيفا.

قد لا يوجد إلا الطريق الثاني، وهو إضعاف العدو قبل الانقضاض عليه. هنا تظهر مشكله هامة، وهي أن المعلومات المتاحة لدى الأمريكان حول الترسانة العسكرية لكوريا الشمالية محدودة، وأن أي عمل عسكري تباركه وتدعمه الصين سيكون كارثيا، لأن المعلومات المتوفرة لدي الصينيين أكثر مما لدى الأمريكيين.

الصين تتخوف من فكرة حصول حرب في شبه الجزيرة الكورية، حتى وإن جاء ذلك بنظام موال لها. من جهة، فترة الحرب تعني تضرر الاقتصاد الصيني المزدهر، ومن جهة أخرى الحدود الكورية الشمالية مع الصين سوف تشهد موجات نزوح كوريه شماليه ستثقل كاهل الصين.

تعامل الإدارة الأمريكية مع الملف الكوري الشمالي يظهر حاله التردد، وبالأحرى "ما العمل الأمثل مع هذا النظام؟". في الأشهر الماضية، ألقت أمريكا "أم القنابل" على مواقع مقاتلي "تنظيم الدولة" في شرق أفغانستان. ورأى الكثيرون في هذا الحادث رسالة أمريكية لمقاتلي التنظيم في الموصل أن الدور عليهم. في حقيقة الأمر، ومع استيعاب كيفية عمل القنبلة (خصصت للجبال لإحداث هزات أرضية) ووجود القوات العراقية في الموصل، فإنه من التهور استخدامها في العراق.

وعلى هذا، يبدو أن الأمر كان توجيه رسالة إلى كوريا الشمالية. وهذا الأخيرة، من جهتها، ضربت بكل تحذير عرض الحائط وواصلت تجاربها الصاروخية الناجحة، وهذه المرة أظهرت ما أرعب الأمريكان: عربات متحركة لنقل الصواريخ ووقود صلب لإطلاق الصواريخ.

العامل الأول، أصبح بمقدورها إطلاق الصواريخ متى ومن أي مكان شاءت، ولعامل الثاني يسمح لها بتزويد الصواريخ بالوقود أسرع من الوقود السائل. وإجمالا، فقد توفر لكوريا الشمالية عاملان هامان: المرونة والسرعة.

الإدارة الأمريكية نشرت لمواجهه هذه الأخطار، والتزاما بالدفاع المشترك مع كوريا الجنوبية واليابان، منظومة الدفاع الصاروخي "ثاد" على أراضي كوريا الجنوبية واليابان. في نهاية يوليو أجرت كوريا الشمالية التجربة المذهلة، والتي أكدت الاستخبارات الأمريكيه نجاحها: صاروخ بالستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وفوق هذا يمكن وضع رؤوس نوويه صغيرة عليه.

لم يزد الرد المعلن الدولي على قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على كوريا الشمالية على رد ترامب مهددا "برد شنيع ونار"، لكن كيف؟ لا أحد يعلم بمن فيهم الأمريكان، لكن مثل هذه العبارات هامة لطمأنة الرأي العام الداخلي.

قد يتساءل البعض: "هل بالإمكان شراء ولاءات قاده الجيش الكوري الشمالي لإحداث انقلاب؟"، النظام المغلق عن الخارج في كوريا الشمالية والترسانة الإعلامية الهائلة التي تروج للزعيم وأسرته تجعل منه مثالا حيا لرواية 1984 لجورج اويل، فمن الصعوبة -إن لم يكن مستحيلا- إيجاد كوكبة من قادة الجيش تتولى إحداث التغير.

وبالإضافة إلى الولاء المطلق لقادة الجيش، فإنهم يتمتعون بامتيازات في بلدهم ولا ننسى أن عقوبة الخيانة لنظام الكوري الشمالي لا تمس الشخص ذاته أو ، وفقط، بل وتتعدى أيضا إلى أقاربه الأبعدين، وذلك إما بقتلهم أو إرسالهم إلى معسكرات الأعمال الشاقة المؤبدة.

كوريا الجنوبية تسهم بقوة في دعم المنشقين الكوريين الشماليين، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين في ظل تصاعد التوتر والحاجة إلى المعلومات. وقد رفعت كوريا الجنوبية من مكافأة الإدلاء بمعلومات هامه عن النظام الكوري الشمالي إلى 800 ألف دولار.

قد لا يكون تغير النظام بالوسائل التقليدية الآن متاحا، ولكن كوريا الشمالية تشهد الآن بلوغ جيل "جانجمادنج" مرحلة الشباب. الكلمة يمكن ترجمتها بالدكاكين، والمقصود تلك الدكاكين الخاصة التي انتشرت في كوريا الشمالية أثناء مرحله المجاعة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، والتي كانت لغرض بيع المواد البسيطة، مثل الخضروات والفواكه وغضت الحكومة الطرف عنها.

هذا الجيل الذي ولد في ذلك الوقت مختلف عن جيل الأب أو الجد المشبع بعقيدة "جوتشي"، هذا الجيل رقمي يقرأ ويشاهد كل ما يصل إليه عبر المنشقين الشماليين المقيمين في الجارة الجنوبية، والذين يرسلون موادا إعلامية رقمية. جيل "جانجمادنج" تعرف إلى العالم الخارجي ويدرك حالة بلده التي يحاول النظام تجميلها.

قد يكون حدوث ضربة كوريه شمالية بصواريخ بالستية اعتيادية أو مزودة برؤوس نووية أمر مفزع لقواعد أمريكا في شبه الجزيرة الكورية أو الأراضي الأمريكية، لكن ما هو أكثر إفزاعا من هذا هو إثبات مقدرة كوريا الشمالية على إطلاق صواريخ مزودة بقنابل كهرومغناطسيه للفضاء الخارجي والإضرار بمنظومات الاتصالات والتلفزيون..الخ، لأن هذا معناه ببساطة عودة البشرية إلى القرن 18، كما وصف ذلك "نيوت جرنجتش" وهو رئيس سابق لمجلس النواب الأمريكي.

بيد أنه من المهم فهم أن تصريحات المسؤولين الأمريكان ليست بالضرورة محاكية للواقع، بل قد تكون كاذبة، والغرض منها كسب تعاطف الداخل في الوقت الراهن.

يوجد أمر آخر لا يناقش، وإن كان فبقدر ضئيل، وهو "هل تسعى كوريا الشمالية للانفكاك من الصين والوصول إلى تفاهم عبر مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة شبيه بذلك الأسلوب الذي اتخذته الصين للانفكاك من الاتحاد السوفيتي والوصول إلى تفاهم مع أمريكا، وذلك بالاستثمار في القضية التايوانيه؟". في الوقت الحالي، لا توجد أي إشارات جادة حول هذا الأمر باستثناء تصريح يتيم لترامب بعد توليه الرئاسة أنه مستعد لتفاوض مباشر مع كوريا الشمالية، ولم يكرر هذا التصريح بعدها ربما لضغوط صينية.

بعد هذا السرد، يتضح أن خيار الحرب في شبيه الجزيرة الكورية أو حتى ضربات محدودة لأهداف في كوريا الشمالية يظل أمرا مستبعدا. من جهة أخرى، تعلمنا من حرب العراق 2003 أن الأمر في حاجة إلى شخص أحمق متهور يملك القرار وعلى جنرالات الجيش الأمريكي التنفيذ، وهذا الشخص موجود الآن.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر