معركة باب الهوى المسمار الأخير في نعش التوافق بين الكيانات الجهادية السلفية والإخوانية

2017-7-21 | وائل عصام معركة باب الهوى المسمار الأخير في نعش التوافق بين الكيانات الجهادية السلفية والإخوانية

يشير حصار النصرة لأحرار الشام في معبر باب الهوى الحدودي بين تركيا وسوريا إلى تحقق مآلات ثلاثة، الأول هو فشل كل محاولات التوفيق بين توجهات الجماعات السلفية المسلحة ومنافستها الإخوانية والمقربة من مشروعها. فعلى مدى السنوات الماضية، شكلت عدة كيانات جمعت النصرة والأحرار في إطار عسكري واحد، وإن ظل فضفاضا أقرب لغرفة عمليات مشتركة دون اندماج حقيقي.

آخر هذه الكيانات هو "جيش فتح الشام"، التي آلت إلى التفكك لاحقا بسبب رفض التيار الإخواني في أحرار الشام المرتبط بالسياسات الرسمية للحكومات الداعمة، للتوحد مع جماعة الجولاني، رغم أن الأخيرة أعلنت تخليها عن الارتباط بـ"القاعدة"، وهو ما كانت تطالب به الفصائل "المعتدلة" والأحرار كأحد شروط الاندماج، حينها انبثقت "تحرير الشام" التي كانت الخطوة التمهيدية لما حصل اليوم من صدام أخير. فإنشاء "هيئة تحرير الشام" عنى في حينه أيضا انتهاء توافق آخر داخل "أحرار الشام" نفسها، بين تيار قريب من الإخوان وتركيا وقطر، أبرز رموزه اليوم المسؤول الخارجي للحركة لبيب النحاس، وبين تيار سلفي كان يسيطر على قيادة الحركة في بدايات نشأتها حتى مقتل الصف الأول في حادثة الاختناق الغامضة الشهيرة قبل نحو ثلاث سنوات، وبقيت منهم قيادات عسكرية، أبرزها الطحان وأبوجابر الشيخ القائد السابق للأحرار، فانشقت هذه القيادات السلفية مع الكتائب التي كانت موالية لها داخل الأحرار، وانضمت لـ"النصرة" ضمن مشروع "هيئة تحرير الشام"، الذي تقاسم القيادة فيه الجولاني وأبوجابر الشيخ، نفسه الذي كان يوما قائدا للأحرار قبل انشقاقه.

ولكن الملاحظ هنا أن هذه التحالفات بين التيار السلفي في الأحرار والنصرة كان قائما فعليا على الأرض قبل هذا الإعلان الرسمي للاندماج، فمعظم المعارك الكبرى التي كانت تشترك فيها النصرة والأحرار معا، كان الشق المشارك فعليا من الأحرار هو نفسه المرتبط بتلك القيادات السلفية بالأحرار ك"ابو جابر الشيخ" وغيره الكثيرين، ولكن المصالح المتبادلة اقتضت حينها إطالة فترة التعايش بين الفصيلين دون اندماج، لأن القيادة السياسية للأحرار غير المتحمسة للنهج السلفي والعلاقة مع النصرة، كانت مستفيدة من صيت الانتصارات العسكرية الكبيرة التي كانت تتحقق بمشاركة الأحرار وبفضل قوة النصرة والجناح السلفي للأحرار، وآخرها استعادة ادلب، والجناح السلفي استفاد كذلك من بقائه منضويا مع الأحرار ولو رسميا، من خلال الحصول على بعض الدعم الحكومي من تركيا والدول الداعمة الأخرى، إلى أن احتدمت المسارات وتقاطعت "الاجندات" الدولية من خلال القرار الشهير، بضرورة فصل الجهاديين عن المعتدلين، وهنا تعذر التوفيق داخل الأحرار، ليختار الجناح السلفي بقيادة ابو جابر الشيخ الانضمام لمشروع النصرة.

وهكذا، فإن انقطاع آخر شعرة لمعاوية بين التيار السلفي والتيار الإخواني داخل الأحرار نفسها وبين النصرة والأحرار، جاءت على مراحل عدة، أخر تجلياتها ومظاهرها هو حصار باب الهوى.

وهذا يقودنا للمآل الثاني، وهو تراجع نفوذ الفصائل المعارضة المرتبطة بتركيا والنظام الرسمي العربي والغربي الداعم لأقل مستوياته في مناطق المعارضة السورية، منذ انطلاق الثورة السورية، لمصلحة الجهاديين المتمردين على المنظومة الإقليمية، وهذا أيضا سيؤدي إلى تراجع وانحسار مشروع الفصائل المعتدلة وفكرتها القائلة بضرورة التحالف مع الغرب في سبيل بناء سوريا "وطنية" لا "إسلامية"، وهو الخطاب الأدبي الذي اعتمدته "أحرار الشام" مؤخرا ورفعت لأجله علم الثورة بدلا من راياتها الإسلامية، وخفضت من نبرة صوتها الإسلامي من الحديث عن مشروع أمة في بداياتها نحو الجهاد الشامي الإسلامي، وصولا إلى "الوطنية السورية"، فكل فصائل الجيش الحر وغيرها من الإسلامية المعتدلة، التي انخرطت في تبني هذه المقاربة بالتنسيق مع المنظومة الإقليمية، اتضح أنها، وعلى مدى السنوات الأخيرة، باتت عاجزة عن تحقيق أي تقدم عسكري، إلا من خلال انضوائها في صفوف كيانات إسلامية، كما حصل في تجمع "فتح الشام" أخيرا، أو من خلال دعم دولي تركي أو روسي، إذا تعلق الأمر بقتالها للتنظيمات الجهادية، كما حصل من خلال درع الفرات.

ومع إعلان ترامب وقف دعمه للفصائل "المعتدلة"، باتت فكرة الاستعانة بالدول الغربية والحكومات العربية المرتبطة بها ممجوجة أكثر من أي وقت مضى، بعد أن عولت تلك الفصائل لسنوات مع جمهورها على المسار الدولي، ليكون ضياع حلب الشرقية ضربة قاصمة لها، خاصة أنها خالية من وجود تنظيم "الدولة الإسلامية"، وفي معظمها فصائل خاضعة لبرنامج الدعم الأمريكي (تجمع فاستقم كما أمرت، وجيش المجاهدين، وأحرار سوريا وغيرهم)، ليظهر فشل التعويل على هذا الدعم الأمريكي، وتكرر الأمر في اجتماعات الاستانة، إذ تبدلت الآمال من الدعم الأمريكي إلى الطمع في انحياز روسي تركي للمعارضة ضد إيران، فوصلت هذه الفصائل لحد الترويج لجمهورها، بان روسيا ستقطع دابر التواجد الايراني وحزب الله في سوريا، وإذا بروسيا تقنع الأمريكيين بقطع الدعم عن هذه الفصائل، حسبما قالت صحيفة "واشنطن بوست"، وحسبما يجري عمليا منذ أشهر.

المآل الثالث هو فشل فوضى الفصائل لمصلحة المشروع العقائدي المركزي، وإن بالتغلب كما يجادل بعض الجهاديين بضرورة توحيد الجماعات المسلحة بالقوة، باعتباره خيارا نهائيا لمواجهة إخفاقات الأغلبية السنية أمام مشروع الأسد وإيران، العدو موحد الصفوف والمنتظم بقيادة رأسية تملك رابطة عقدية أيضا، نجحت في تحويل أقلية علوية لقوة متماسكة تدير مفاصل المؤسسة العسكرية والميليشيات المحلية المدعومة إيرانيا، في مواجهة فصائل معارضة فشلت في الاستفادة من مجتمع الأغلبية الثورية السني والدعم الإقليمي والدولي بسبب تفكك بنيتها وهزالة تكوينها على كل الأصعدة.

على الأرض، فإن هذا الصدام في باب الهوى بين "تحرير الشام" و"أحرار الشام" متوقع أن يفضي إلى سيطرة حاسمة لـ"تحرير الشام"، وإن من خلال فصائل مقربة منه تتولى إدارته كالزنكي، الذي أعلن انفكاكه من عقد التحالف مع هيئة "تحرير الشام" قبل ساعات، في خطوة تبدو مدبرة ومنسقة مع قيادة الهيئة في سبيل منح الزنكي شرعية "وسيط توافقي محايد"، يمكنه استلام إدارة المعبر بعد إخراج "الأحرار"، ويكون مقبولا من قبل الطرف التركي، وإن تحققت هذه التسوية (سواء عبر الزنكي أو أي فصيل أخر خاضع عمليا لهيمنة تحرير الشام) يكون الجولاني قد أدار هذه المعركة بدهاء، واستخدم كل الإطراف لتحقيق مآربه في الهيمنة على أحد أهم المعابر أمنيا واقتصاديا، وأكمل إبعاد كل الفصائل المناوئة لمشروعه، ابتداء من جمال معروف لحركة حزم وصولا للأحرار، وان كان المستقبل لا يوحي بأن هذه الجماعة التي يقودها الجولاني سيختلف مصيرها عما يحصل لتنظيمها الشقيق في الرقة وقريبا دير الزور.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر