آخر الأخبار

وجهة نظر: لماذا حصار قطر؟ وما مستقبل مجلس التعاون الخليجي؟

2017-7-5 | خدمة العصر وجهة نظر: لماذا حصار قطر؟ وما مستقبل مجلس التعاون الخليجي؟

كتب الباحث "آدم هنية"، وهو محاضر بارز في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، أن معركة السعودية والإمارات ضد قطر هي صراع على النفوذ الإقليمي.

فقد أثار القرار الصادر في 5 يونيو الماضي عن السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر صدمات في المنطقة. وأدى الحصار الذي أعقب ذلك إلى إغلاق جزء كبير من التجارة البحرية والبرية في الخليج مع قطر.

وجاء هذا التحرك ضد قطر بعد أشهر من المقالات والتقارير السيئة في وسائل الإعلام الأمريكية والخليجية، حيث ادعى مسؤولون حكوميون مرارا أن قطر تمول الجماعات الإسلامية وتزداد قربا من إيران.

وقد كان ليوسف العتيبة، سفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة، تأثير كبير في هذه الحملة. ومنذ بداية الانتفاضات العربية عام 2010، تجول في أروقة السلطة في واشنطن، محذرا من أن هذه الثورات الشعبية تهدد النظام القائم في المنطقة، مدعيا أن قطر تدعم الحركات والأفراد المعادين للسعودية والإمارات معا.

وسط كل هذه المزاعم، يرى بعض المراقبين أن زيارة دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية في 20 مايو تمثل لحظة حاسمة في الحملة ضد قطر، مدعية أن ترامب أعطى السعودية والإمارات الضوء الأخضر. في الواقع، تؤكد إحدى تغريداته هذا الأمر، بتفاخره أن الحصار صدر عن اجتماعاته في الرياض.

غير أنه ليس كل من في واشنطن يؤيد السعودية والإمارات، فهناك مسؤولون آخرون -ولا سيما ريكس تيلرسون- يطالبون بتخفيف الحصار والحل السلمي.

وقال الكاتب إن التشابك الداخلي ليس بالجديد على الأسر الحاكمة المتقلبة في الخليج، ولكن قرار عزل قطر يمثل تصعيدا كبيرا. كيف ينبغي لنا أن نفهم الحصار في سياق التطورات الأوسع نطاقا في الشرق الأوسط، لا سيما في أعقاب الانتفاضات العربية؟ هل تمثل هذه الأحداث انشقاقا لا يمكن تداركه في السياسة الخليجية أو تحول أساسي في الأنماط التاريخية للتحالفات الأمريكية في المنطقة؟

وهنا، يرى الكاتب أنه لا يمكننا أن نفهم الصراع الحالي دون تحليل مشروع التكامل الإقليمي الأوسع، الذي تجسده دول مجلس التعاون الخليجي. يذكر ان السعودية والامارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين وعمان أنشأت هذه المنظمة بعد عامين من الثورة الايرانية عام 1979 وبداية الحرب بين العراق وايران التي ستستمر حتى عام 1988.

في ذلك الوقت، كان يُنظر إلى مجلس التعاون الخليجي على نطاق واسع على أنه تفاعل مدعوم من الولايات المتحدة مع هذه الاضطرابات الإقليمية، ويرمي إلى إنشاء مظلة أمنية عبر الدول الأعضاء الست، والتي سوف ترعاها الولايات المتحدة وتجهزها وتشرف عليها.

وقد تعززت العلاقة بين الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى مع دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير منذ عام 1981، كما تُظهر هذا القاعدة الجوية في قطر.

وقد استضافت القاعدة الآن أكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي، وهي أكبر قاعدة جوية خارج الولايات المتحدة وباعتبارها المقر الرئيس للقيادة المركزية لقيادة القوات الخاصة وكذا القوات الجوية، فإن قطر تساعد على تنسيق البصمة العسكرية للولايات المتحدة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك العراق وأفغانستان.

كما تدير الولايات المتحدة قاعدتها البحرية الرئيسة من البحرين، وهي موطن القيادة المركزية للقوات البحرية والأسطول الخامس. ويتمركز أكثر من عشرين ألف جندي أمريكي في بقية أنحاء الخليج.

ويرتبط بيع المعدات العسكرية إلى الخليج من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وخاصة المملكة المتحدة وفرنسا، ارتباطا وثيقا بهذا الوجود العسكري. وكانت زيارة ترامب الاخيرة إلى المملكة العربية السعودية قد أبظهرت هذا الجانب من العلاقات الأمريكية السعودية.

واستنادا لبرنامج ستوكهولم الدولي للأسلحة والإنفاق العسكري التابع لمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، فإن نحو 20٪ من الواردات العسكرية العالمية ذهبت إلى دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2015، وجاءت السعودية والإمارات في المرتبة الأولى والخامسة على التوالي. وشكلت السعودية والإمارات العربية المتحدة 80٪ من إجمالي واردات دول مجلس التعاون الخليجي في تلك السنة، ولكن قطر والكويت وعمان ظهرت أيضا على قائمة أكبر أربعين دولة مستوردة في العالم. وقد تضاعفت حصة دول مجلس التعاون الخليجي من السوق العالمية منذ عام 2011، وأصبحت أكبر سوق للأسلحة في العالم.

وهذه المشتريات تعيد تدوير جزء من فوائض الخليج البترودولار إلى الشركات التي تنتج الأجهزة العسكرية في العالم. ولا يستضيف مجلس التعاون الخليجي قوات أمريكية فحسب، بل إنه يدفع أيضا ثمن هذا الامتياز.

***

لكن أهمية مشروع دول مجلس التعاون الخليجي تتجاوز حماية نادي الإمارات والممالك الغنية بالنفط إلى الحفاظ على دور المنطقة باعتبارها قاعدة أمامية للقوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرق أفريقيا.

والأهم من ذلك -وهذا يساعدنا على فهم أحدث الصراعات في المنطقة- لم ينجح مشروع التكامل هذا في إخماد منافسات الأعضاء أو التوترات فيما بينهم. وقد تميزت دول مجلس التعاون الخليجي بالتسلسل الهرمي الحاسم للقوة السياسية والاقتصادية منذ تأسيسها، حيث كان مدار الأمر حول المحور السعودي الإماراتي.

وقد أصبحت هاتان الدولتان الموقعين الرئيسين لتراكم رأس المال، وتهيمن الشركات السعودية والإماراتية على اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي في قطاعات العقارات والتمويل والتجارة واللوجيستيات والاتصالات والبتروكيماويات والصناعات التحويلية. وهناك أيضا استثمارات كبيرة عبر الحدود بين السعودية والإمارات.

وهذا المحور لا يخلو من توترات داخلية، وقد انعكس -على سبيل المثال، في الرفض الإماراتي لمشروع العملة الموحدة المدعوم من السعودية في عام 2009- ولكن اصطفافهما السياسي تطور جنبا إلى جنب مع علاقاتهما الاقتصادية. ودُمجت البحرين بشكل وثيق في هذا المحور باعتبارها شريكا صغيرا، إذ تعتمد ملكية آل خليفة على الدعم المالي والسياسي والعسكري السعودي.

ومن الجدير بالملاحظة -خاصة وأن هذه الأرقام تشمل المصدرين الرئيسيين للقمح واللحوم، بما في ذلك الولايات المتحدة والهند والبرازيل وأستراليا- أن السعودية والإمارات كانت مسؤولتين عن 53٪ من إجمالي قيمة الصادرات الغذائية إلى عمان، و36٪ إلى قطر، و34٪ إلى البحرين، و24٪ إلى الكويت.

وهذه الاتجاهات لا تؤكد أهمية وضع المحور السعودي الإماراتي في صميم فهمنا لبقية دول الخليج، ولكنها تساعد أيضا في تفسير الآثار المحتملة للحصار الحالي.

ومع هيمنة هذا المحور السعودي الإماراتي، اكتفت الدول الصغيرة الأخرى بتأثير هامشي في الاقتصاد السياسي الخليجي. ومع وجود عدد محدود من المواطنين وثروة هائلة من احتياطيها من الغاز الطبيعي الضخم، فإن قطر قد أغاظها هذا الهيكل الهرمي.

وإذا أخذنا نصيب الفرد أساسا، فهي أغنى بلد في العالم، إلا أنها حرمت إلى حد كبير من مكان لائق في الهياكل السياسية والاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، أبعدها جيرانها.

وبسبب محدودية حجم أسواقها المحلية وتدفق رؤوس أموالها الفائضة منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما من ارتفاع أسعار النفط والغاز، كانت النتيجة الرئيسة لهذه التراتبية التنافسية الداخلية محاولة جميع دول الخليج تحقيق نمو وتطور خارج حدود دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا بالاستثمار في العقارات والمؤسسات المالية والتكنولوجيات الناشئة والأعمال التجارية الزراعية وغيرها من القطاعات.

ورغم أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي قد شاركت في هذه العملية، إلا أن السعودية والإمارات وقطر قد قادوا هذا النهج.

ومع تطور هذه العملية، تزايد الدور السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل بارز، فلم يتمكن الخليج من بناء نظام إقليمي جمع بين نظم استبدادية واقتصادات متحررة، وفقط، بل واستفاد منها أيضا. وحدث كل ذلك تحت رعاية القوى الغربية والمؤسسات المالية الدولية.

ومع تمكين هذه العملية دول مجلس التعاون الخليجي من التقارب، كثفت أيضا التنافس فيما بينها. ومن أهم مظاهر هذا التوتر، محاولة قطر اعتماد سياسة إقليمية مستقلة نسبيا عن السعودية والإمارات.

وبدأت قطر في رعاية مختلف القوى السياسية -من الإخوان المسلمين وحماس وحركة طالبان- واستضافة مجموعة متنوعة من المعارضين المنفيين. واستخدمت قطر أيضا شبكتها الإعلامية الواسعة لتعزيز نفوذها كما لو أنها قوة إقليمية، ولا سيما عبر قناة الجزيرة والشبكات التابعة لها ومنابر إعلامية أخرى جديدة.

وقد أبرزت الانتفاضات العربية التي بدأت في تونس في أواخر عام 2010 هذه الانقسامات، ولكنها أكدت أيضا على المصالح المشتركة الخليجية. فمع التهديد الشديد للنظام الإقليمي وأنظمته الاستبدادية، فرضت الانتفاضات العربية تحديا صعبا على دول مجلس التعاون الخليجي: كيفية التخلص من الحركات الشعبية وإعادة تشكيل النظام النيوليبرالي الاستبدادي؟ ولكل دولة مصلحة مشتركة في هذه العملية المضادة للثورة، لكن ردودها اختلفت على النحو المبين أعلاه.

وبينما دعمت قطر القوى المتحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين، اختارت السعودية والإمارات أشخاصا مغايرين كعبد الفتاح السيسي في مصر وخليفة حفتر في ليبيا. وقد تشكلت مجموعة من التحالفات المتناقضة والمتغيرة بسرعة بما يعكس مصالحها المشتركة وتنافسها الداخلي.

وعلى هذا، فقد دعمت قطر التدخل الذي تقوده السعودية في البحرين، وشاركت في الحرب ضد اليمن، وفي سوريا، عارضت حليفها الجديد المفترض، إيران. أما في مصر وليبيا وتونس وفلسطين، فإن قطر تميل إلى دعم الفصائل المتنافسة.

وتمتد هذه التحالفات المتباينة أيضا لتشمل مشاركين آخرين في الحصار الحالي؛ فعلى سبيل المثال، تدعم مصر نظام الأسد في سوريا، مصطفة مع إيران، ولكن ضد السعودية، رغم اعتمادها شبه الكامل على المحور السعودي الإماراتي.

والنقطة الأساسية التي غالبا ما تُتجاهل في التعليق الإعلامي على الحصار هي أنه لا توجد مواقف سياسية مبدئية حاضرة في هذه التحالفات، وهذا يتعلق بالنفعية المحسوبة والتقييم العملي من قبل كل دولة عن أفضل السبل لتعزيز نفوذها الإقليمي في سياق إعادة ترتيب المنطقة بطريقة يمكن أن تتناسب مع سلطتها السياسية والاقتصادية.

وعلينا أن نضع هذين الاتجاهين في الاعتبار عند تقييم الحالة الراهنة. والإجماع القوي للمصالح يدعم وضع دول الخليج على رأس النظام الإقليمي، وهو وضع تدعمه بشكل كامل القوى الغربية. وفي الوقت نفسه، قسم التنافس دول مجلس التعاون الخليجي، والذي ينعكس في مختلف رؤى الأعضاء لكيفية الحفاظ على مصالحها المشتركة.

***

في أعقاب الانتفاضات العربية، نشهد الآن تثبيتا لهذين الاتجاهين. إذ يمكن النظر إلى الحصار الحالي، على وجه التحديد، على أنه مسرحية تقوم بها السعودية والإمارات لترسيخ هيمنتهما على المنطقة وإعادة قطر إلى مكانها.

ولكن هذا لا يتعلق بالسعودية والإمارات فقط، وإنما يعبر أساسا عن عملية عامة معادية للثورة كانت موجودة منذ بداية الانتفاضات، وهذا لاستعادة الوضع الراهن للدول النيوليبرالية الاستبدادية التي خدمت مصالح مجلس التعاون الخليجي ككل (بما في ذلك قطر) لعدة عقود. كل هذا يجب أن ينظر إليه أيضا من خلال تحالف الخليج المستمر والمتواصل مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى.

وضمن هذه العملية، كما رأى الكاتب، تلعب إسرائيل دورا رئيسا. فمنذ التسعينيات، سعت السياسة الإقليمية الأمريكية إلى تقريب دول مجلس التعاون الخليجي بإسرائيل، وتطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين ركيزتي القوة الأمريكية في المنطقة. ومنذ الانتفاضة العربية، ظهر هذا التقارب أكثر فأكثر.

ليس من قبيل المصادفة أن زيارة ترامب الدولية الأولى كانت السعودية ثم إسرائيل، وهو جدول سفر يوضح تماما الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. ورغم مقاطعة العرب لإسرائيل، فإن منطقة الخليج (وخاصة المحور السعودي - الإماراتي) وإسرائيل متفقان على المسائل السياسية الرئيسة، ويسعيان بنشاط إلى بناء علاقات أوثق.

ولا ينبغي أن يكون مفاجأة إذن أن تؤيد إسرائيل الحصار المفروض على قطر. ولكن هذا لا يعني أن الدوحة لم تحاول أيضا تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وكما هو الحال في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، فإن اهتمام قطر بالقضية الفلسطينية قد صُمم لتضمن لنفسها مقعدا أفضل على الطاولة، وهو هدف أيده الإسرائيليون عندما خدم مصالحهم.

* الاتجاهات المستقبلية:

وفي ضوء هذه النزاعات، يقول الكاتب، يجب أن نتذكر ما يمثله مجلس التعاون الخليجي ككل. فقد دُمجت هذه الكتلة من الدول بشكل كامل في بنية السلطة الإقليمية الموالية للولايات المتحدة، واستفادت بشكل كبير من الإصلاحات النيوليبرالية في العالم العربي، وأصبحت متشابكة أكثر فأكثر مع التفاعلات السياسية للمنطقة.

وتشترك هذه الدول في مصلحة الحفاظ على موقعها الإقليمي وهياكلها السياسية. وهذه الالتزامات تفوق الفوائد المحتملة لكسر هذا المشروع. وبالمثل، ترغب الغرب وإسرائيل في رؤية مجلس التعاون الخليجي قائما، حيث إنه خدم مصالحهما بشكل جيد على مدى العقود الأخيرة.

ورغم الانقسامات الحالية، إلا أن هناك نوعا من الحل التفاوضي الذي قد تذعن فيه قطر للمحور السعودي – الإماراتي، وقبولها بتقليص نفوذها الإقليمي هو النتيجة الأكثر احتمالا لهذا النزاع، وفقا لتقديرات الكاتب.

ومن شأن هذه التسوية أن تعزز، في نهاية المطاف، محور السعودية والإمارات وتساعد على تعزيز الثورة المضادة. ومن المرجح أيضا أن تُعجل بإعادة تنظيم السلطة السياسية في تونس وليبيا وفلسطين، إذ يمكن للتوترات الحالية في الخليج أن تعيد ضبط توازن القوى في المنطقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر