آخر الأخبار

"البدر الشيعي": ميلشيات الحشد في انتظار حسم معركة الموصل لوصل الحدود السورية العراقية

2017-5-11 | وائل عصام

تكتسب محافظة دير الزور أهمية إستراتيجية بالغة لكل الأطراف المتنازعة في سوريا، فبالنسبة لتنظيم "الدولة" هي الحاضرة السكانية الأكثر احتضاناً من عمقه الصحراوي في بادية الشام، ذلك العمق الذي قد لا يجد التنظيم عنه بديلا لكمونه المرتقب بعد اشتداد الحملة المنسقة على آخر معاقله الحضرية الوازنة في الرقة والدير.

وهي بوصفها معقلا نائيا عن الكتل السكانية لغير العرب السنّة كالكردية شمالا والأقلوية في "سوريا المفيدة" غربا، ظلت بعيدة عن أي عمليات من قبل القوات الحكومية والميليشاوية التي كانت تستفيد من حاضنات تلك البيئات المعادية، كما حصل في الهجوم الكردي الذي اكتسح المناطق العربية المجاورة للقرى والمدن ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا، والذي ستكون الرقة على ما يبدو آخر أهدافه.

وهذا العامل الديموغرافي كان من بين الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة مراراً للاعتماد على الميليشيات الكردية كقوة رئيسية، فإضافة لتماسكها وكفاءتها القتالية فهي قوات تستند لمحيط كردي داعم في شمال سوريا، ورغم احتمائها بحزام من الصحراء الشامية التي ساندتها حتى عندما هاجمها الفرنسيون في القرن الماضي لقمع قبيلتها العنيدة العكيدات، وهي نفسها التي انضم كثير من أبنائها وكتائبها العسكرية السابقة من "الجيش الحر" ثم لتنظيم "الدولة" اليوم، إلا أن التفوق العسكري الجوي لخصوم التنظيم جعل تلك المناطق المكشوفة أرض بور لا يثمر فيها أي حلول برية للتصدي للقوات المهاجمة، رغم أن تلك الصحاري كانت ولا تزال أرض بور أيضا للغرباء يتيهون فيها قبل أن تمطر الطائرات قنابلها لتعبد الطريق لهم.

وإضافة لعاملي العمق الصحراوي والنقاء الديموغرافي، فإن عاملاً آخر يضاف لأهمية دير الزور لتنظيم "الدولة"، وهو أنها حلقة الوصل مع معاقل التنظيم في العراق، حيث عمقه الصحراوي المتصل نحو بادية الانبار، وهي الحدود التي أراد التنظيم بكسرها (في عملية كسر الحدود الشهيرة التي عرضها العدناني) وبمحوها إعادة رسم جغرافية سياسية جديدة تضع السنة بشطريهم بين العراق وسوريا في كيان سياسي واحد، ولا ننسى طبعا ما تشكله دير الزور من اهمية اقتصادية كونها غنية بحقول النفط والقمح، إلا أن هذا العامل فقد أهميته في الفترة الأخيرة لمحدودة قدرة التنظيم على الإفادة من آبار النفط وتصدير منتوجه، ولكنه بالتأكيد من العوامل الهامة بالنسبة للنظام السوري الذي سيتمكن من الإفادة من ثروتها النفطية لتدعيم اقتصاده المتضعضع.

وهكذا، فإن دير الزور تبدو مهددة بقوة من قوتين رئيسيتين تتسابقان بشكل محموم للوصول لتخومها، فصائل ما يسمى "مغاوير الثوار" المدعومة من وزارة الدفاع الأمريكي "البنتاغون" والمدربة في الأردن، وقوات النظام المدعومة من روسيا، عملية الفصائل المدعومة من "البنتاغون" انطلقت بالفعل بمحاذاة حدود الأردن والعراق الجنوبية مع سوريا منذ أشهر.

وتريد الولايات المتحدة تحقيق هدف جغرافي سياسي أيضا، وهو التقليل من نقاط التواصل بين حلفاء إيران في العراق وسوريا، من خلال توجيه تلك القوات العشائرية التي يحتفظ ببعضها بثارات مع تنظيم "الدولة" من حقبة الاقتتال في المنطقة الشرقية، وبالفعل وصلت تلك القوات إلى جنوب البوكمال، ولا تبدو قادرة على إتمام مهمتها بوقت قصير، وقد تعيد سيناريو قوات "درع الفرات" المدعومة من تركيا، والتي أمضت قرابة العام في مواجهات مع تنظيم "الدولة" في سبيل السيطرة على قرى صغيرة محدودة الأهمية شمال حلب، خصوصا إذا عرفنا أن ما يعرف بـ"جيش سوريا الجديد" (الاسم السابق لفصيل مغاوير الثوار، المكون من مجموعات عشائرية منتمية للبادية الجنوبية ولمحافظة دير الزور ومنهم الشعيطات بقيادة مهند الطلاع، وهو قيادي سابق بمجلس دير الزور العسكري للجيش الحر، المجلس الذي سبق أن انضم أيضا عدد من قياداته لتنظيم الدولة).

هذا التشكيل المدعوم من البنتاغون، سبق أن فشل في تحقيق مهمته بعد أن سيطر لأيام وبدعم أمريكي من قاعدة التنف على عدة بلدات قرب البوكمال مستعينا بإنزال مروحي أمريكي، قبل أن يستعيد تنظيم "الدولة" كل تلك المواقع بهجوم عكسي، والأهم من ذلك أن هناك من يسابق تلك القوات للظفر بتلك المناطق الريفية من الدير، النظام السوري وحلفاؤه من ميليشيات الشيعة.

فالنظام السوري وإيران ينظرون لدير الزور بحدودها الممتدة نحو العراق، حيث البوكمال، باعتبارها حلقة وصل لا غنى عنها بين حلفهم العربي الشيعي الممتد من بغداد لبيروت، واتصال هذه الحلقة لـ"الجهادية الشيعية" هو في المقابل كسر لحلقة الكيان "الجهادي السنّي" المنافس التي عمل عليها تنظيم "الدولة" عبر سيطرته على تلك المنطقة الحدودية نفسها التي كانت ممتدة من أطراف ربيعة الحدودية حتى التنف. وهكذا، فإن النظام السوري وإيران يعملان على التقدم نحو دير الزور من محورين: الأول يستهدف المدينة، التي ما زال النظام فيها يحتفظ بجيب مقاوم عنيد ظل عصياً على تنظيم الدولة رغم محاولاته المتكررة، وكما نجح النظام بفك الحصار عن جيوب ظلت محاصرة لشهور بل أعوام في بعض الأحيان كمطار كويريس، وسجن حلب المركزي ونبل والزهراء، فإنه يريد تكرار التجربة مع جنود الضابط الدرزي الشهير زهر الدين، والأهم أنه يريد ضم مركز محافظة الدير لسيطرته بما تحمله من رمزية سيادية عجز النظام عن تحقيقها في الأرياف المترامية بسـوريا ونجـح في اغلـب مـراكز المـدن.

المحور الثاني الذي يريد النظام العمل عليه هو محور ريف الدير المتصل حتى العراق، حيث الميادين والبوكمال، وهذه المنطقة هي نفسها محل تنافس مع قوات فصائل "البنتاغون" التي باتت على مسافة خمسين كيلومتراً جنوب البوكمال، وهو ما دفع النظام للاستعجال بشن عمليته نحو دير الزور مباشرة بعد جولة الاستانة الأخيرة، مؤجلا هجوماً مرتقباً آخر على جيب مهم بيد التنظيم الجهادي "النصرة" الذي يهيمن على جيب ادلب، ولهذا أيضا جاءت تصريحات الحكومة السورية ووليد المعلم مهددة باعتبار أي ولوج للقوات الأردنية جنوبا بمثابة اعتداء.

فالنظام السوري ومن خلفه إيران، لا يريد إكثار اللاعبين بالساحة السورية لإفساد طبخته، خصوصا اللاعب الأمريكي المنتمي لمعسكر مختلف تماما عن المعسكر الإيراني والروسي، وإن كان الأمريكيون إلى الآن لا يملكون قدرة ونفوذ الإيرانيين والروس في سوريا ولكنهم يحاولون مد أذرعهم في مفاصل حساسة من سوريا، أحدها أرياف دير الزور القريبة من حدود العراق حيث قاعدة التنف الأمريكية، ولكن فصائل "البنتاغون" المشكلة من قوات عشائرية تكرر بفشلها تذكير الساسة الأمريكيين بالنتيجة التي توصلوا إليها وأعلنوها عدة مرات، وهي أن القوة الأكثر فعالية والأكثر تهيئاً لتلقي دعم أمريكي هي القوى الكردية، التي تمتلك دافعاً عقائدياً للقتال يستند لمشروعها القومي، بينما لم تظهر إلى الآن في سوريا ولا في العراق قوة عربية سنّية قادرة على مواجهة تنظيم "الدولة" من دون دعم غربي هائل.

وهذا ما حصل مع "جيش سوريا الجديد" الذي انبثقت عنه اليوم "مغاوير الثورة"، إذ فشل هذا التشكيل في مواجهة تنظيم "الدولة" رغم الدعم الكبير من "البنتاغون" في هجوم سابق، النظام السوري إذن، ولتحقيق رغبته في مواجهة خطة "البنتاغون" للتقدم نحو البوكمال، سيحاول غالبا الاستعانة بالميليشيات الشيعية المقبلة من الطرف المقابل في حدود العراق حيث القائم وراوة وعانة، لكن ما يؤخر تنفيذ هذا المحور هو معارك الموصل وتلعفر.

فالموصل رغم أنها محاصرة بالكامل، وتلعفر غربها محاطة بطوق من الحشد الشعبي، إلا أن سحب قوات كبيرة من تلك البقعة لن يكون ممكنا إلا بعد إتمام السيطرة وتحجيم خطرها، لتتجه بعدها قوات الحكومة العراقية بدعم أمريكي نحو الحدود السورية – العراقية، وتتحرك معها ميليشيا الحشد من تلعفر نحو الحدود، وهذا ما قاله حرفياً قيس الخزعلي زعيم أكبر الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران، إذ تحدث عن مراحل التقدم وصولا للقائم، والالتقاء مع "إخوانه في سوريا" لتشكيل ما قال إنه أوسع من هلال شيعي… "البدر الشيعي".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر