عندما يُسوَق العبادي على أنه الوجه المعتدل للسياسات الطائفية نفسها

2017-4-28 | وائل عصام عندما يُسوَق العبادي على أنه الوجه المعتدل للسياسات الطائفية نفسها

منذ سنوات يتواصل الحديث عن دور لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق، ويبدو أن تلك الأحاديث والتقديرات ظلت في دائرة التكهنات لا أكثر، إذ إن سياسات الحكومة العراقية ازدادت قرباً وولاءً لإيران ومنظومة الحرس الثوري منذ تولى العبادي موقعه في السلطة.

بل إن أكبر مؤسسة أمنية موالية لإيران وهي الحشد الشعبي نشأت وتمددت ومارست كل هيمنتها وتجاوزاتها بتأييد وتغطية كاملة من العبادي نفسه، وفوقها قبلته الشهيرة على رأس أحد رموزها "ابو عزرائيل"، الذي يتفاخر بممارساته الوحشية في التمثيل بالجثث، بل إن العبادي منح الشرعية للحشد وحوله من ميليشيا لقوة رسمية مرتبطة بالحكومة العراقية وسط معارضة كبيرة لم يعبأ بها، قائلاً جملته الشهيرة إن اليد التي تمتد للحشد الشعبي سنقطعها".

حقيقة إن الأمر لا يتعلق فقط بشخص العبادي، إذ يجري الحديث عنه أحياناً وكأنه مستقل أو تابع لقوى شيعية ليبرالية مثلا! العبادي في النهاية ينفذ سياسات حزب الدعوة الشيعي أحد أعضاء تحالف القوى الشيعية الموالية لإيران التي تهيمن على السلطة في بغداد، وهذا لا ينفي وجود خلافات بينه وبين قادة آخرين في حزب الدعوة أو بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى مثلاً والتيار الصدري، فهذه الخلافات قديمة ومعروفة بين الفرقاء الشيعة، ولكنها تبقى خلافات داخل البيت الشيعي الواحد التي لم تؤثر يوماً في مواقفهم الموحدة مع باقي الأطراف المحلية كالقوى السنية أو في نهجهم السياسي الإقليمي أو الدولي، فهم قد يختلفون في كل شيء ولكنهم متفقون على خصومهم، عكس الفرقاء السنة مثلاً بالعراق الذين يتفقون مع الجميع إلا مع أنفسهم.

 البعض يرى أن العبادي يحاول مواجهة تمدد إيران، وهو يصدر تصريحات في بعض الأحيان تنتقد التدخل الإيراني، لكن كل هذه النظرة ليست سوى تكهنات لا تنسجم أبدا مع الأفعال وسياسات القوى المنتمي لها، والتي تصب جهدها في وجهة أخرى تماماً، ويتناقل كثيرون أحاديث تخرج من الدائرة القريبة من العبادي تتناول بالنقد بعض السياسيين الآخرين من الأحزاب الشيعية، وهذه ليست سوى عادة اشتهرت بها أروقة مجالس المشتغلين بالشأن العام بالعراق ولم يتخلصوا من هذه العادة بعد توليهم مناصبهم السياسية، فالجميع ينتقد الجميع، وكلام الليل يمحوه النهار، وعندما كنا نلتقي العبادي في بغداد بعد أشهر من سقوط بغداد كان وزيرًا للاتصالات حينها، كانت هذه الأجواء سائدة حينها، وكان البعض ممن يستمع إليه يخرج بتكهنات مبالغ بها عن طبيعة علاقات الفرقاء الشيعة يبعضهم، قبل أن يتبين أنها ليست سوى ثرثرات مجالس ينغمس فيها الجميع، ورغم خلافاتهم فإن مرجعيتهم السياسية والدينية كانت دائما قادرة على ضبطهم، عكس القوى السنية كما قلنا..

والبعض يرى في العبادي سياسياً يمتلك علاقات طيبة مع حكومات عربية وخليجية تحديداً وأكثر قرباً من الولايات المتحدة، حسناً.. هذا هو ما يريده التحالف الشيعي ومن خلفه إيران في العراق.. وكما وصفه أحد الكتاب الشيعة فهو يمارس سياسة "التقية" السياسية ببراعة ..إنه الوجه الذي يستفيد منه  لكسب دعم بعض الحكومات الخليجية وإدامة الود مع الولايات المتحدة في العراق للاستفادة منها في دعمها السياسي والعسكري وإسباغ الشرعية على كل ممارسات حكومته وقواته الأمنية والحشد الشعبي الطائفية، حتى إن سفير الولايات المتحدة في بغداد زار جرحى الحشد الشعبي في المستشفيات.

فالغطاء الأمريكي العسكري والسياسي استفادت منه القوى الشيعية بإعادة وإخضاع كل المدن السنية لحوزة الحكومة العراقية وميليشياتها الطائفية، وفي المقابل لم تحصل الولايات المتحدة على أي نفوذ لها في العراق مقارنة بالنفوذ الإيراني، فكل القوى التي تملك القرار السياسي والعسكري في بغداد موالية للأحزاب الشيعية المرتبطة بطهران، بل إن بعض الشخصيات الشيعية التي كانت يوماً موالية لامريكا كأحمد الجلبي اضطرت في النهاية للتخلي عن ملامحها الليبرالية وتتقرب من المنظومة الشيعية التقليدية لتحصل على موطئ قدم ودور سياسي، ليحافظ على مكانه في البيت الشيعي بدفنه بعد وفاته في "العتبة الكاظمية المقدسة".

أما حلفاء أمريكا الآخرون من السياسيين الشيعة كإياد علاوي فلا تكاد تجد لهم ذكراً ولا دوراً يذكر في عراق ما بعد 2005، وهو الأمر ذاته ينطبق على أصدقاء الولايات المتحدة من السياسيين السنة كالهاشمي والعيساوي الذين لم تتمكن واشنطن حتى من حمايتهم من الطرد من العراق! مما حدا بباقي الشخصيات السنية الراغبة في الحصول على حصة من الكعكة أن يولوا وجوههم صوب طهران وليس واشنطن، حتى إن أبرز شخصيتين رسميتين دينيتين للسنة اليوم في بغداد وهما الصميدعي والهميم يسبحان بحمد المرشد الخامنئي ليل نهار!

العبادي إذن جزء منسجم من هذه التركيبة، التي قد تكون مختلفة لأسبابها الداخلية ولكنها منسجمة في مواقفها الإستراتيجية من التحديات التي تواجه إيران وحلفاءها في بغداد، هذا التحالف يهيمن أعضاؤه على مراكز السلطة ومفاصل الدولة في منظومة منضبطة إيرانيا، وزملاء العبادي في هذا الحلف هم أنفسهم قادة الحشد الشيعي.

وقادة الأجهزة الأمنية العراقية وأبرز ضباط تشكيلاتها العسكرية المدعومة أمريكياً هم أنفسهم كانوا قادة في ميليشيات بدر، بل إن وزير الداخلية العراقي الاعرجي هو قيادي شهير في منظمة بدر، وسبق أن قاتل مع الجيش الإيراني في الثمانينيات، فعن أي دور مواجه لإيران ونفوذها يريد أن يضطلع به العبادي كما يتردد، والذي يرأس حكومة وزير داخليتها من ميليشيات إيرانية تابعه للحرس الثوري، وأبرز أعضائها ينتمون للأحزاب نفسها التي تشكل وتقود الحشد الشعبي؟!

لذلك، يبدو الحديث عن تفضيل أمريكي لدعم قوات الحكومة العراقية التابعة للوزير البدري الاعرجي أمرا مثيراً للسخرية. صحيح أن هذه القوات التابعة للداخلية والحكومة تملك تنسيقاً وتعاوناً مع الأمريكيين لا يتوفر للحشد الشعبي، لكن معظم  قادة هذه القوات كما قلنا هم أنفسهم منتمون للميليشيات الشيعية نفسها وأبرزها منظمة بدر، فالأمر إذن لا يعدو كونه تبادلاً للأدوار، والهدف منه كما تريد إيران هو الحصول على الدعم العسكري الأمريكي.

وبما أن الأمريكيين لا يستطيعون علناً دعم قوات ميليشاوية كالحشد، فإن كل ما يريدونه هو تغيير زيها لا أكثر، تماماً كما قال الأخضر الإبراهيمي عندما كان مبعوث الأمم المتحدة للعراق إن القوات الحكومية ليست سوى "ميليشيات بزي رسمي"، وهذا يتم عبر القوات المسماة حكومية، بينما تقاتل إلى جانبها شقيقتها قوات الحشد الشيعي، بل إن قوات الحشد الشيعي باتت تسيطر اليوم على معظم مفاصل القرار الأمني في المدن التي شارك في استعادتها الأمريكيون في العراق.

 ولا ننسى أن أبرز قادة الحشد الشيعي الخزعلي كان معتقلاً لدى الأمريكيين واضطروا لإطلاقه رغم تورطه في مهاجمة قواتهم، وهذا يُظهر مدى السطوة التي تمتلكها ميليشيات إيران مقابل الدور الهامشي الأمريكي في العراق، والذي لم يستطع حتى معاونة دولة حليفة له في استعادة مختطفيها الذين ظلوا في حوزة ميليشيات إيرانية لأكثر من عام، فعن أي نفوذ أمريكي نتحدث عنه في العراق؟!

وحتى اليوم في الموصل، تخوض القوات الحكومية المعارك بدعم أمريكي، ثم تأتي قوات الحشد الشعبي لتستلم كثيراً من تلك الأحياء، لذلك قوات الحشد الشعبي اليوم ليست في تلعفر وخارج الموصل فقط، بل هي تسيطر بشكل كامل على أهم الإحياء التي تمثل بوابة الموصل في الجانب الأيسر الشرقي، وهي أحياء كوكجلي والسماح وصدام، وتنتشر قوات الحشد مع الشرطة المحلية كالعصائب وبدر وعلي الأكبر داخل باقي الأحياء بشكل علني، كما إن قوات الحشد تقاتل منضوية تحت لواء الشرطة الاتحادية في الجانب الأيمن الغربي بالموصل القديمة، ولكن من الصعب تفريقهم لان الرايات الطائفية التي يرفعها عناصر الشرطة الاتحادية  تكاد تكون نفسها رايات الحشد الشعبي!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر