عن فصائل الحارة والضيعة: قبائل الريف الدمشقي

2017-3-25 | وائل عصام  عن فصائل الحارة والضيعة: قبائل الريف الدمشقي

يحكي "ختايرة" الريف الدمشقي قصصا كثيرة عن أهل دمشق وريفها في حقبة الاستعمار الفرنسي وما سبقها من العهد الفيصلي، ولكن ما لفت انتباهي هو الروايات الكثيرة عن النزاعات بين قرى وأحياء الغوطة الدمشقية والريف الغربي، حول تقاسم حصص مياه الري من الأنهار الصغيرة، التي كانت تروي بساتين الغوطة الغناء قبل أن يغزوها الإسمنت كالجراد. 

ظلت النزاعات تتواصل لعقود وتصل في كثير من الاحيان  للاشتباك بالأيدي والفؤوس بين شباب القرى، بل إطلاق النار، مخلفة صدامات وجرحى كل عام، وعداوات بين العائلات تعكر صفو الغوطة الغناء، شبهها البعض بنزاعات القبائل العربية على الكلأ والماء.

ورغم أنها كانت تهدأ لفترات وتعود، إلا أنها ظلت كما يبدو عصية على الحل، لذلك يقال إن بعض المسؤولين المحليين (ومنهم جدي علي رضا بيك النحوي الذي كان قائمقام دوما والزبداني قبل مئة عام) كانوا يقضون معظم فترات عملهم في المصالحة بين وجهاء العائلات و"تبويس الشوارب" وتذكير المتخاصمين بأن هناك قضايا أكثر أهمية وأخطارا أكبر تواجه الشام كالاحتلال الفرنسي، الذي ما لبث أن ثبّت أقدامه بالبلاد، دون أن يشكل على ما يبدو دافعا لتوحيد المتعاركين في هذه المناطق، استشعارا بالتهديد الداهم.. بدليل استمرار هذه النزاعات، بل وتصاعدها بعد دخول الفرنسيين، كما يقول أحفاد من شهدوها.

تذكرت هذه الحوادث وأنا أتابع معارك الريف الدمشقي الأخيرة في جوبر على تخوم ساحة العباسيين، إذ كانت تدور معارك أخرى على تخوم تلك المعركة بين أنصار هذا الفصيل ومطبلي ذاك الفصيل، كل يتهم الأخر بالخذلان وجميعهم أبناء الأحياء الريفية نفسها، أحدهم ينشر دبابات بوسط دمشق يقول إن فصيله دمرها فيرد عليه آخر من فصيل منافس قائلا إنها ليست سوى هياكل قديمة لدبابات إسرائيلية في معرض للنظام السوري عن حرب تشرين. وغيرها من المناوشات المعتادة والمكررة ككل مرة توحي بأن هناك من لا يزال في "سنة أولى ثورة".

ما يهمنا هنا هو تأصل روح التباغض بين المنتمين للفصائل في منطقة واحدة فقط، فنحن هنا نتحدث عن معركة في منطقة واحدة هي الغوطة، يفترض أن يجمعها قرار عسكري وسياسي واحد، لكن المفارقة أن أكبر فصائل الغوطة لم يكن مشاركا بالإعداد للعملية التي قادتها النصرة وفيلق الرحمن لخصومات باتت معروفة بينهم، أي أن القوى المسلحة للمعارضة ظلت عاجزة حتى اليوم وبعد ست سنوات من توحيد صفوفها في منطقة صغيرة جغرافيا ومهمة إستراتيجيا كالغوطة، بينما تقاتل عشرات الأصناف العسكرية للنظام وميليشياته والمجاميع المسلحة لحزب الله وغيره بغرفة عمليات واحدة، في كل سوريا، بل ربما يتعدى التنسيق ليصل عسكريا وأمنيا إلى كل جبهات العراق وسوريا إذا اقتضى الأمر.

صحيح أن النصرة استطاعت توحيد مجاميع جهادية مع فصائل جيش حر صغيرة ضمن تحالفها هذا، الذي ظل بقيادة النصرة، القوة الفعالة الوحيدة تقريبا القادرة على شن هجمات ضد النظام منذ عامين على الأقل، لتقود هذا الهجوم الذي أوقع خسائر في صفوف النظام في كل من ريف دمشق وريف حماة، لكن الصحيح أيضا أن هذه الخسائر بالأرياف لا ينظر لها النظام سوى أنها إصابات في "دشم" وأكياس الرمل التي تحمي معاقل سيادة النظام ورمزية سلطته في مراكز المدن بدمشق وحماة.

ولا يبدو أن تغيرا جوهريا سيطرأ على خريطة السيطرة، حتى إن تمكن الجهاديون من الدخول لأطراف المدن المركزية، فمعارك المدن الكبرى تعادل أضعاف معارك قرى الريف وهي قد تطول لسنوات، كما حصل في مدينة حلب، عندما ظل فرع واحد كالمخابرات الجوية خارج سيطرة الثوار لأربع سنوات، رغم سيطرتهم على كامل محيطه في ريف حلب الشمالي.

والأهم من ذلك كله، وحتى نعود لحديثنا عن معركة الريف الدمشقي، إنه ما دامت الذهنية الفصائلية كما هي منذ ست سنوات تفكر بعقل "الضيعة" و"الحارة" وغير قادرة على العمل المركزي الموحد بين ثلاثة فصائل في منطقة صغيرة نسبيا ومهمة كالغوطة، فإنها ستبقى تزرع دون ان تحصد.

فبينما ظل قادة الفصائل عاجزين عن تنظيم إدارة الأنفاق وتجارتها الرابحة في الغوطة لسنوات (كما ظهر بين جيش الإسلام وفصيل آخر بتسجيل فيديو نشر حول نزاع على تمويل بملايين الدولارات) ولم يتنازل أحد للأخر عن نفق مختلف عليه، فإنهم رفضوا التنازل عن أسماء ورايات إقطاعياتهم الفصائلية، لتبقى نصف الغوطة تتنازعها الرايات، ومشتتة القرار في السلم والحرب، بينما نصفها الآخر يقرضه النظام بالهدن والتسويات.

إنه عقل الضيعة الضيق، لا يصلح للمواجهة قبل أن يتطور لعقل "دولة"، إنه أزمة قديمة متجددة، ينفق قادة الفصائل المناطقية في الغوطة كثيرا من جهدهم للهيمنة على بعضهم بعضا، وكما اقتتلت قبائل دير الزور على آبار النفط تتنازع قبائل الريف الدمشقي الفصائلية حول السيطرة على الأنفاق، كمثال على عجزهم عن تنظيم وتأجيل صراعاتهم الثانوية أمام خطر داهم، تماما كما كان أجدادهم يتقاتلون على مياه الري وأنهار الغوطة بينما الفرنسيون يحتلون البلاد.  


تم غلق التعليقات على هذا الخبر