عسكرة "الحزام الشيعي": لماذا تدمر إيران اقتصادها لتمويل الحرب في سوريا؟

2017-3-20 | خدمة العصر عسكرة

حاول الكاتب "ديفيد غولدمان" الإجابة على سؤال مهم طرحه في مقال تحليلي نشره موقع آسيا تايمز: "لماذا تدمر إيران اقتصادها لتمويل الحرب في سوريا؟

فرغم العجز الشديد في الموازنة العامة للبلاد والظروف الاقتصادية الضاغطة، فإن الاعتماد المتزايد على الصين وروسيا والطموحات الجغرافية السياسية الناشئة يجعل طهران مستعدة للتضحية بالاحتياجات الأكثر إلحاحاً للاقتصاد الداخلي في سبيل تحقيق طموحاتها في سوريا.

تتفاوت تقديرات الإنفاق العسكري الإيراني في سوريا بين 6 و20 مليار دولار أمريكي سنوياً، بما في ذلك مبلغ 4 مليارات دولار لتغطية التكاليف المباشرة ودعم حزب الله وغيره من الميليشيات التي تسيطر عليها إيران، وبافتراض أن أقل التقديرات هي الأقرب للحقيقة، فإن هذا يعني أن تكلفة الحرب السورية بالنسبة إلى النظام الإيراني تقترب إلى حد كبير من إجمالي العجز في ميزانية البلاد الذي وصل الآن إلى 9,3 مليارات دولار، وفقا لما أورده الكاتب.

ويرى غولدمان أن التزام طهران تجاه هذا الإنفاق العسكري غير المتوازن يمكن تفسيره في ضوء الطموحات والمخاوف الجغرافية السياسية الروسية والصينية، كما إن النظام الإيراني على استعداد للتضحية بالحاجات الأكثر إلحاحاً للاقتصاد الداخلي في سبيل تحقيق طموحاته في سوريا.

وبحسب البنك المركزي الإيراني، فإن إيران خفضت الإنفاق على التنمية إلى الثلث فقط من المستوى المستهدف، وهذا نتيجة تراجع الدخل المتوقع للدولة خلال الأرباع الثلاثة المنتهية في شهر ديسمبر الماضي.

وقد بلغت قيمة مبيعات إيران من النفط الخام مبلغ 29 مليار دولار خلال تلك الفترة في مقابل 25 مليار دولار للفترة نفسها من العام الماضي، ولكن إيرادات الحكومة من النفط لم تشكل سوى نسبة 70% فقط من التوقعات الرسمية، أما عائدات الضرائب (17,2 مليار دولار) فقد كانت أقل من التوقعات بنسبة 15%.

ويوضح الكاتب أن الفوضى في النظام المالي الإيراني تمنع حكومة طهران من تحمل عجز أكبر في الميزانية، فرغم أن مقدار العجز (9,3 مليار دولار) يشكل حوالي 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة معقولة في الظروف العادية، فإن هذا الرقم لا يأخذ في الاعتبار المستحقات الضخمة غير المسددة من قبل الحكومة، إذ يشير تقرير صادر يوم 27 فبراير الماضي عن صندوق النقد الدولي أن المتأخرات المستحقة للنظام المصرفي الإيراني لدى الحكومة الإيرانية تصل إلى 10,2% من الناتج المحلي الإجمالي.

ووفقاً لمندوب إيران لدى صندوق النقد الدولي، جعفر مجرد، يمكن أن ترتفع هذه النسبة إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي عند الاعتراف الكامل ببقية المتأخرات المستحقة للنظام المصرفي لدى الحكومة وإصدار السندات لتمويل البنوك، كما تمتلك البنوك الإيرانية الكثير من القروض المعدومة لدرجة أن الحكومة سوف تضطر إلى إصدار سندات إضافية لإعادة تمويلها.

ورأى الكاتب أن النظام المالي الإيراني هو الثقب الأسود، إذ لا يمكن للحكومة إعادة تمويل ديونها المتأخرة وإعادة رسملة بنوكها المفلسة وتمويل عجز الميزانية الكبير في الوقت نفسه.

كما إن تطلبات البنية التحتية ليست مُلحة، وفقط، ولكنها وجودية. فأزمة المياه، التي نوقشت كثيرا في البلاد، تُهدد بإفراغ مدن بأكملها وتهجير الملايين من الإيرانيين، وبخاصة المزارعين الذين يستهلكون أكثر من تسعة أعشار من إمدادات المياه. وقد خفضت الحكومة الإنفاق على البنية الأساسية بمقدار الثلثين خلال السنة المالية الماضية.

ويشير الكاتب إلى أن مطالب الحرس الثوري الإيراني تحتل المرتبة الأولى لدى الخرانة العامة، لاسيما مع ارتفاع أعداد القتلى بين القوات في سوريا والتي شملت 473 إيرانياً على الأقل و583 أفغانياً و135 باكستانياً، فضلاً عن 1268 مقاتلاً من الشيعة العراقيين، وما يقرب من 1700 مقاتل من ميليشيات حزب الله.
وأفاد الكاتب أن القوات التي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني تضم ميليات "فاطميون" من شيعة الهزارة في أفغانستان، وتتحدث تقارير أن أعداد مقاتليها يصل إلى 14 ألفـ، منهم 3000 إلى 4000 منتشرون الآن في سوريا. كما يسيطر الإيرانيون أيضا على ميلشيات "زينابيون"، وتضم مسلحين شيعة الباكستانيين، ربما يبلغ عددهم في سوريا 1500 مقاتل.

لنقارن هذه الأرقام بـ28 قتيل روسي، وفقط، في سوريا. وهذا يعني موسكو أبرمت صفقة جيدة جدا مع طهران. فرغم معدل الإصابات المرتفع، فإن الحرس الثوري الإيراني "لديه المزيد من المتطوعين للحرب السورية، وهو يعرف ماذا يفعل بهم".

فلماذا إيران، إذن، على استعداد للتضحية بالكثير من الدماء وصرف الكثير من المال بعيدا عن الاحتياجات المحلية المُلحة؟ يذكر الكاتب من بين الدوافع، الطابع المتعصب للنظام الإيراني وهشاشة المجتمع الذي يعاني 40% من شبابه البطالة، ولكن الدافع الأعمق والأكثر أهمية يكمن في اعتمادها على الصين وروسيا، وفقا لتقديرات الكاتب.

فمنذ عام 2010، تضاعفت واردات الصين من النفط، وبخاصة من روسيا وما يُطلق عليه الكتلة الشيعية (إيران والعراق وسلطنة عمان)، وسوف ترتفع صادرات النفط الإيراني إلى الصين بشكل حاد مع الاستثمارات الصينية التي تتم عبر الانترنت، كما تتطلع إيران إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي في منتصف طريق الحرير الجديد "الطريق الاقتصادي" الذي سوف تنفق الصين على إنشائه قرابة 46 مليار دولار.

وعلاوة على ذلك، تخشى موسكو وبكين من صعود "التشدد السني" من أنقاض العراق وسوريا وليبيا، ويعتبر بعض الخبراء الإستراتيجيين الروس والصينيين النهج الأمريكي لتغيير النظام السياسي في سوريا محاولة لزعزعة استقرار روسيا والصين، حيث انضم عدة آلاف من مقاتلي الأويغور الصينيين (أقلية تركية مسلمة في غرب الصين) إلى الجماعات الجهادية السنية في سوريا المدعومة من الولايات المتحدة، كما أعرب هؤلاء الخبراء عن قلقهم الشديد إزاء مخاطر عودة المقاتلين الأويغور وانتشار الإسلام من محيط الصين في جنوب شرق آسيا.

وقال الكاتب إنه تحدث، في عدة زيارات لبكين خلال عامي 2014 و2015، مع كبار الإستراتيجيين الصينيين الذين أعربوا عن القلق إزاء المخاطر الشديدة لعودة المقاتلين الأويغور وانتشار الإسلام في محيط الصين في جنوب شرق آسيا. ويمتد المحور الروسي الصيني الذي ظهر في آسيا من تايلاند إلى تركيا.

ولمواجهة الجهاد السني، شجعت روسيا والصين على عسكرة الحزام الشيعي الذي يمتد من لبنان عبر سوريا وإيران إلى أفغانستان. ورغم أن إيران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، بحسب إدارتي أوباما وترامب، فإنها ليست راعية لذلك النوع المحدد للإرهاب الذي تخشاه روسيا والصين.

ويرى الكاتب أن ما سبق يساعد على تفسير قرار إيران، الذي يبدو غير منطقي، بتحويل الموارد المالية، التي هي في أشد الحاجة إليها، لتلبية حاجات الحرس الثوري الإيراني؛ إذ لا يُعد مجرد قوة سياسية واقتصادية مهيمنة في إيران، وإنما في واقع الأمر "الورقة الرابحة" التي تساوم بها إيران موردي السلاح وتجار النفط في موسكو وبكين.

 وتمتلك إيران وأتباعها الشيعة في لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان وقوداً لا ينضب للمدافع التي تعزز المصالح الروسية والصينية في أرض المعركة بسوريا والعراق وأماكن أخرى، ومن خلال الدعم الاقتصادي الصيني تستطيع إيران الحفاظ على حملاتها العسكرية لوقت أطول بكثير مما يوحي به اقتصادها المفلس.

ويضيف الكاتب أن ذلك يضع السياسة الأمريكية في مأزق، إذ كان من الممكن للولايات المتحدة في العقد الماضي إقناع موسكو بالتخلي عن إيران مقابل تسوية في أوكرانيا، ولكن الوضع يختلف تماماً الآن بالنسبة إلى روسيا التي لم تتكبد سوى تكلفة منخفضة لتوفير الدعم الجوي في سوريا، ونجحت في تحقيق أرباح من بيع أسلحتها، ولديها شريك في إيران على استعداد للتضحية بالكثير من الدماء لخدمة مصالحها في سوريا. وبالنسبة إلى الصين، فإن الدولة المجاورة الغنية بالنفط (إيران) تنخرط في حرب استنزاف ضد المسلمين السنة، وفي الوقت نفسه فإنها سوق رائجة لصادراتها الصناعية.

ويقول الكاتب: "إننا نواجه حرباً تتغذى على نفسها، إذ لا يترك تدمير الحرب للمجتمع المدني خياراً لدى الشباب سوى الذهاب إلى الحرب، وسوف يستمر هذا الأمر حتى تستنزف الحرب القوة العاملة بعد أن يلقى 30% من الرجال في سن الخدمة العسكرية مصرعهم، وهو ما يعيد إلى الأذهان حرب الثلاثين عاماً التي شهدتها أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، والواقع أن النصف مليون قتيل في سوريا ليسوا سوى الدفعة الأولى في هذه الحرب الجديدة بين السنة والشيعة".

ويخلص الكاتب إلى أن الحقائق على الأرض قد تحولت لمصلحة الصين وروسيا، وسوف ينعكس ذلك دبلوماسياً في نهاية المطاف، وأفضل شيء للخروج من هذا الموقف "القبيح"، على حد وصفه، يتمثل في إبرام اتفاقية سايكس بيكو جديدة لتقسيم بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين مع إنشاء دولة سنية لمعارضة العناصر غير الحكومية، والحفاظ على سلام هش مع إيران بموافقة واشنطن والصين وموسكو، وعلى الرغم من أنه ليس حلاً جيداً وبالتأكيد ليس حلاً مستساغاً من وجهة النظر الأمريكية، فإنه الحل الوحيد الذي يقترحه الوضع الراهن.

 

رابط المقال الأصلي: http://www.atimes.com/article/iran-wrecked-economy-fund-war-syria/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر