الارتباط بأمريكا ودول إقليمية أضاع العرب السنة في العراق

2017-3-11 | الارتباط بأمريكا ودول إقليمية أضاع العرب السنة في العراق

بقلم: رائد الحامد / باحث عراقي (**)

كان لغزو العراق واحتلاله أن أسس لتفكيك العديد من الهياكل المدنية القائمة مُنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة؛ كما إن غزو العراق واحتلاله أتاح فرصة لعمل سياسي هجين في ظل فوضى أمنيّة وعملية سياسيّة قامت على محاصصات سياسية جائرة.

تاريخيا، ظلّ العرب السُنّة مُنذ تأسيس الدولة العراقية على رأس السلطة لأكثر من تسعة عقود، لكنّهم حكموا العراق وفق ثلاثية الأرض والشعب والجيش، وقفزوا على قوميتهم إلى الانتماء للعراق العربي والكردي والتركماني، كما قفزوا على طائفيتهم إلى الانتماء للعراق الشيعي والسُنّي.

ومع أول انتخابات وفقا للدستور الجديد في 2005، نجح الائتلاف الشيعي في قيادة العملية السياسية بنهج طائفي خلال فترتي حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي (2006 إلى 2014) الذي انتهج سياسة اعتمدت إقصاء وتهميش العرب السُنّة ومحاولة إلغاء دورهم الريادي في قيادة البلد، أو على الأقل الشراكة في قيادته ورسم مستقبله؛ كما تعمّد ملاحقة أبرز القيادات السُنيّة في العملية السياسية والتقرّب من قيادات المجتمع السُنّي غرب وشمال غربي العراق لشراء ذمم البعض منهم، وزرع روح التفرقة وفقاً لسياسة فرِّق تسد لإضعاف بُنية المجتمع السُنّي وتفكيكها.

وطيلة العام 2012 انخرطت خمس محافظات ذات غالبية عربية سُنّية في حركة احتجاجية طالبت من خلال ساحات الاعتصام بإطلاق المعتقلين والمعتقلات من غير المُدانين بجرائم، وإلغاء المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، وإعادة التوازن في شَغل المناصب السيادية بمؤسسات الدولة؛ لكنّ هذه المطالب وغيرها لم يُستجب بما يكفي لبناء الثقة بالحكومة، وتحقيق نوع من الرضا السُنّي بأنّهم شركاء حقيقيون في الدولة العراقية؛ بل على العكس من ذلك قامت حكومة نوري المالكي بقمع الحركة الاحتجاجية باستخدام القوة العسكرية ضد المعتصمين في مدينة الرمادي في 30 ديسمبر 2013 واقتحام ساحة الاعتصام وحرق خيم المعتصمين.

مُنذ الأيام الأولى لتسمية حيدر العبادي رئيسا للوزراء سارع العرب السُنّة لإبداء الاستعداد للانضمام إلى حكومته إذا لُبَيت شروط معينة ظلّت نقاط خلاف مع سلفه نوري المالكي الذي لم يستجب للمطالب التي أعلنوا عنها من ساحات الاعتصام؛ ومن بينها إنهاء قصف المناطق السُنّية وعودة النازحين والحصول على تعويضات للمتضررين والعفو عن المعتقلين وسحب الميليشيات الشيعية من مدنهم، وفق بيان لتحالف اتحاد القوى العراقية منتصف أغسطس 2014.

ورث حيدر العبادي من سلفه نوري المالكي تركة ثقيلة من الفساد الذي ينخر مفاصل الدولة العراقية ومؤسساتها، بما فيها الجيش، وحالة من تصاعد نشاط تنظيم داعش وتزايد تهديداته وسيطرته على نحو نصف مساحة العراق بوجود قوات أمنية وعسكرية تفتقر إلى القدرة والكفاءة على مواجهة تهديدات التنظيم.

مما لاشك فيه، أن الإدارة الأمريكية الجديدة تحاول تبني سياسة مغايرة لسياسات إدارة باراك أوباما في التعاطي مع ملفات المنطقة وإعادة بناء تحالفات الولايات المتحدة مع القوى الفاعلة ودول المنطقة؛ وفي الملف العراقي يمكن تلمس توجهات أمريكية بالبقاء في العراق بعد نهاية معركة الموصل تفاديا لتكرار ما صنفته قيادات أمريكية بان إدارة أوباما ارتكبت خطأ فادحا بانسحابها من العراق قبل بناء قوة أمنية قادرة على مواجهة التهديدات وحماية الأمن الداخلي والحفاظ على سيادة العراق والدفاع عن حدوده.

وتسعى إدارة دونالد ترامب إلى رعاية تحالفات أو تكتلات سُنّية قادرة على لعب دور مساند لجهودها في هزيمة تنظيم داعش والقضاء عليه، لكن هذه الرؤية التي يتبناها التحالف الجديد سيزيد من حالة الاستقطاب وحدة التنافس الإيراني الأمريكي على النفوذ والسيطرة في العراق بانعكاساته الضارة على وحدة المجتمع واحتمالات الانزلاق إلى حرب وكالة بين إيران والولايات المتحدة يخوضها السُنّة والشيعة بالوكالة.

سيظل من مصلحة العرب السُنّة الابتعاد عن الاستقطابات الإقليمية والدولية أو الدخول في أتون صراعات النفوذ في العراق مع احتمالات نشوب صراعات شيعية كردية على السلطة والثروات بين الأكراد المتمسكين بالأراضي التي استردتها البيشمركة الكردية من تنظيم داعش خلال عامين ونصف في مقابل رفض شيعي مطلق وإصرار على العودة إلى الحدود الإدارية في 9 يونيو 2014؛ كما إن هناك احتمالات لصراع شيعي شيعي على خلفيات تتعلق بالتنافس السياسي والاتهامات بالفساد المالي والإداري.

يبدو أن الإدارة الأمريكية التي تتبنى مثل هذه التحالفات، وفقا لتصريحات نشرتها مواقع إخبارية نسبتها إلى مصادر قريبة من التحالف الجديد، لا تزال بعيدة عن فهم واقع العملية السياسية، ومعرفة متدنية بحقيقة الشخصيات السُنيّة في العملية السياسية التي أصبحت في ذات الوقت جزءا من هذا التحالف مع يقين راسخ بأن هذه الشخصيات ساهمت بشكل أو بآخر في وصول العراق إلى دولة تقترب من توصيف الدولة الفاشلة، وسيبقى رهانها على مواقف هذه الشخصيات بمعارضتها المعلنة للسياسات الإيرانية التي تحاول الولايات المتحدة التصدي لها، هو رهان يفتقر إلى أسس سليمة للبناء عليه إذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقات المتينة بين إيران وأبرز الوجوه السياسية في التحالف.

كان العنوان الأبرز للمجتمعين في مؤتمر أنقرة استعادة حقوق العرب السُنّة بالشراكة في قيادة العراق وثرواته والتعويل على التوجهات الجديدة التي أعلنت عنها إدارة دونالد ترامب في اعتبار إيران راعية الإرهاب الأولى وضرورة مواجهتها والحد من نفوذها في المنطقة، ويبني المجتمعون آمالا عريضة على الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ودول عربية وأخرى إقليمية تسعى لإعادة الأمن والاستقرار بشكل سريع إلى المحافظات السُنيّة التي ظلت تشهد اضطرابات مُنذ غزو العراق ودخولها في مرحلة فوضى أمنية شاملة ومعارك بعد يونيو 2014.

كما إن أي تحالف يحمل مشروعا حقيقيا للخروج من الأزمة السياسية والصراعات الداخلية والانقسامات المجتمعية لابد له أن يستوعب الطيف الواسع من القوى المعارضة للعملية السياسية؛ حيث إن هناك قوى لا تزال تلعب دورا في الأوساط المجتمعية لم تلب دعوة اجتماع أنقرة انسجاما مع منطلقاتها الوطنية، كالمشروع الوطني العراقي الذي له امتدادات في الأوساط الاجتماعية الكردية والشيعية، من خلال لقاءات مستمرة مع شيوخ وأعيان ووجهاء ومثقفي محافظات البصرة والناصرية وكربلاء، إضافة إلى لقاءات مماثلة مع شيوخ عشائر كردية، وشخصيات تمثل المكون الشبكي وغيرهم من الشخصيات السياسية والاجتماعية ذات التوجه الوطني من مختلف مناطق العراق.

وبناء تحالفات على أسس الانتماء الطائفي سوف لن يساهم في رفع الشعور بالظلم وإعادة بناء الثقة بين الحكومة المركزية والمجتمع، كما إن الاصطفاف الشيعي في كيانات سياسية تستمد قوتها من خطاب طائفي تغذيه مرجعيات دينية وميليشيات مرتبطة بالخارج، لا يمكن مواجهته إلاّ بتشكيل تحالفات عابرة للطائفية تضم تمثيل حقيقي لكل المكونات من خارج العملية السياسية لا من خلال مشاركة شخصيات هي أصلا جزء من منظومة العمل السياسي، وأثبتوا إما انسياقهم إلى مساراتها أو عجزهم عن التغيير.

وفي كلتا الحالتين، لا يمكن التعويل عليهم في العمل الفاعل ضمن تحالفات معارضة للعملية السياسية وتهدف لإجراء إصلاح حقيقي في بنيتها وإعادة بنائها على أساس المواطنة لا على أساس الانتماء الطائفي أو العرقي.

(**) شبكة INPplus


تم غلق التعليقات على هذا الخبر