مشروع المنطقة الآمنة: آلاف المشردين والقتلى وعودة النظام

2017-3-11 | وائل عصام مشروع المنطقة الآمنة: آلاف المشردين والقتلى وعودة النظام

عندما انطلق الحديث عن مشروع المنطقة الآمنة شمال سوريا، قبل نحو عامين، كان الهدف الذي يتمركز حوله حينها واضحا، وهو إقامة منطقة حظر طيران على نظام الأسد، في بقعة جغرافية شمال حلب، بهدف واضح محدد، وهو حماية أرواح السكان المدنيين في تلك القرى، وفسح المجال لاستقبال مئات الآلاف من النازحين الهاربين من قصف النظام السوري، مع أهداف تركية أخرى تتلخص في محاربة التمدد الكردي جنوب حدودها.

ومنذ ذلك اليوم، ظلت عبارة المناطق الآمنة تتكرر، ولكن بمعنى مختلف، فلقد أخذت تنحرف شيئا فشيئا عن هدفها المبدئي، بل وصلت لمعنى مناقض تماما للهدف من إقامتها، فمن منطقة آمنة من نظام الأسد إلى منطقة آمنة من تنظيم "الدولة"، ومن منطقة خارجة عن سيطرة النظام جويا، إلى مناطق خاضعة جزئيا لسيطرة النظام وقواته الحليفة الكردية، ومن منطقة آمنة من القصف إلى منطقة مدمرة القرى، ومن منطقة لحماية المدنيين إلى منطقة طاردة للسكان، وليس أنها لم تستقبل نازحين، فحسب، بل وأدت العمليات العسكرية فيها (التي لم تستهدف النظام) إلى تهجير عشرات الآلاف من سكان القرى ومقتل المئات من المدنيين، في سبيل توفير الأمن لهم.

منذ بدء العمل العسكري لهذه الخطة قبل نحو عام، كان من الواضح والمعلن أن هدفها لم يعد يتعلق بالحرب على النظام، الحرب التي انطلق لأجلها الثوار، بل كان الهدف هو الحرب على "الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة وروسيا بمشاركة النظام السوري، الطرف الأبرز المستفيد من إخراج الجهاديين من مناطق سيطرتهم، وإبدالهم بقوى مسلحة خاضعة للتفاهم مع النظام من خلال الوسيط الروسي التركي.

ولم تشرع تركيا بدعم فصائل المعارضة لاستعادة تلك المناطق إلا بعد موافقة صريحة ومعلنة من الولايات المتحدة وروسيا، وفي سبيل محاربة الكيان الكردي المتمدد جنوبا، سواء في مرحلة الدخول لجرابلس أو ما قبلها، الأمر الذي أدى ليس إلى حرف هدف قوات المعارضة عن قتال النظام، فحسب، بل إلى خلخلة كل جبهات المعارضة مع النظام بسحب أعداد كبيرة من عناصرها وتحويل اهتمامها وأولوياتها بعيدا عن قتال قوات الأسد، دون آن يتحقق هدف تركيا بضرب إقليم روجافا الكردي، بل إنه تمدد أكثر واتصل في نهاية الأمر.

ولم يجد النظام وحلفاؤه أفضل من ظروف كهذه لاستعادة أبرز العقد الإستراتيجية المحيطة بشمال حلب، بدءا من فك الحصار عن قريتي نبل والزهراء الشيعيتين، ثم إكمال الإطباق على مدينة حلب شمالا بالسيطرة على طريق الكاستيلو، وصولا إلى عزل مدينة حلب عن الريف الشمالي، من خلال القوات الكردية.

فبينما كانت الفصائل المعارضة المدعومة تركيا شمال حلب تقاتل لاستعادة قرى شرق بلدة اعزاز الحدودية من تنظيم الدولة، قبل مرحلة الدخول إلى جرابلس بأشهر، كانت قوات الانفصاليين الأكراد تحتل مزيدا من مدن المعارضة شمال حلب كمنغ وتل رفعت، دون أي مقاومة من الفصائل المشغولة بالحرب على "الإرهاب"، وحدث أن فصائل الثوار شمال حلب المدعومة تركيا خسرت كل تلك المواقع لمصلحة النظام والأكراد، ولم تكن تحقق أي تقدم ملموس ضد تنظيم "الدولة".

وسيطر الأكراد على الطريق والبلدات الرئيسة بين حلب وتركيا، ليضموا مساحات جديدة، كل هذا في خطة كان من بين أهدافها إبعاد الأكراد عن جنوب تركيا. وبعد مرحلة جرابلس والتدخل المباشر التركي، احتاجت تلك القوات لأكثر من نصف عام للسيطرة على تلك المساحة المليئة بالقرى الصغيرة التي يمكن عبورها بالسيارة بأقل من نصف ساعة، ولا يوجد بها أي مدينة سوى بلدة الباب، ليتحرك النظام جنوبا ليصل مناطق الأكراد ببعضها، بل وينتقل غرب منبج ليسيطر على مناطق جديدة ويرفع علمه فوقها.

وهكذا كانت حصيلة هذه العملية المسماة بالمنطقة الآمنة، خسارة تركيا لمزيد من الأراضي جنوب حدودها لمصلحة تمدد جيب عفرين الكردي نحو تل رفعت ومنغ وقرى غرب اعزاز، وتمدد جيب منبج الكردي ومنع المساس به بعد عبور القوى الكردية لنهر الفرات، التي وصفها النظام يومها بالقوات الرديفة، وفي النهاية سيطرة النظام على المزيد من الأراضي غرب منبج باتجاه تلك المنطقة الآمنة من كل شيء إلا من حلفاء الأسد.

أما عن الأهداف الخاصة بحماية المدنيين، فقد تشرد عشرات الآلاف نحو مخيمات جديدة، ودُمرت المزيد من القرى في ريف حلب، وقتل في الباب وحدها، وخلال ثلاثة أشهر من المعارك، سبعمائة مدني، ورفع النظام السوري علمه فوق منبج وتل رفعت، ليرحب وزير الخارجية التركي بذلك قائلا، إنه لا يمانع بسيطرة جيش النظام على منبج، إحدى أهم مدن المنطقة الآمنة التي كانت يوما هدفا لحظر جوي من طيران الأسد. ولن يكون غريبا أن نرى قوات درع الفرات تنسحب من جرابلس والباب والقرى الصغيرة بينهما وتسلمها للنظام، ليكتمل حينها مشروع المنطقة الآمنة تماما .


تم غلق التعليقات على هذا الخبر